وصف أحد السياسيين العراقيين، المقربين من رئيس الوزراء نوري المالكي، موجة العنف الأخيرة، بأنها تختلف عن سابقاتها، التي كانت «إرهابية»، أما الحالية فهي «إرهابية وسياسية»، ما يفيد بان أطراف «العملية السياسية»، في البلاد، هي التي تقف وراء العنف.
ولم يبتعد السياسي «عباس البياتي»، عن الحقيقة كثيرا، إلا في الجزء الأول من مقولته، لان موجات العنف السابقة، في الغالب، كانت لها علاقات وخيوط تمتد إلى عمق «العملية السياسية»، التي بنيت بالأساس على التقسيمات الطائفية والعرقية والعشائرية، وان الهدوء الأمني النسبي لم يكن إلا على أساس نوع من التوافقات السطحية، السياسية، التي اقتضتها ظروف محددة، إضافة إلى الإجراءات «القمعية» التي استهدفت عموم الشعب العراقي.
ويرى المراقبون أن الانتكاسة الخطيرة التي يشهدها الوضع الأمني في العراق الآن، هي عبارة عن «تقرير» كتب بلغة البارود والدم، عن هشاشة هذا الوضع، الذي تتغنى به الحكومة، والذي لم يكن مستندا إلى حقائق على الأرض، فلا أمن في بلاد الرافدين من دون معطيات سياسية واقتصادية ملموسة، وكل ما يقال غير ذلك مجرد وهم.
انهيار الوضع العام
عمدت الحكومة إلى عزل مناطق العراق، وخاصة العاصمة بغداد، عن بعضها بالجدران الإسمنتية، وحبست الناس خلفها، واعتمدت على بعض المناورات السياسية الأميركية، ثم، لا شيء آخر.
كان معظم العراقيين يتوقعون الانهيار الأمني، بسبب تبعية الحكومة لقرارات البنك الدولي، إضافة إلى قرارات بول بريمر التي قصمت ظهر الشعب العراقي، وأدت إلى انتشار الفقر المدقع، وانعدام الخدمات، وانتشار البطالة بشكل لم يشهد له العراق مثيلا من قبل، حتى في ظل ظروف الحصار التي استمرت 13 سنة.. وبالتالي، لم تستطع الحكومة تقديم أي شيء للناس، مع ادعاء استقرار الوضع الأمني، الذي كانت تنسب إلى تدهوره كل عيوبها.
وحسب المراقبين، أن الحكومة ـ لولا ادعاؤها بتحسن الوضع الأمني، لكانت المتهم الأول بالتفجيرات والاغتيالات وعمليات السطو المسلح، لتغطية عجزها وفشلها في كافة المجالات التي لها علاقة بحياة المواطنين، وهو ما اعتادت عليه طوال السنوات الماضية، منذ الاحتلال حتى الآن.
كان الانهيار متوقعاً، لان الناس حصلوا على بعض الأمن، في «كانتوناتهم» خلف الجدران الإسمنتية، لكن الحياة ليست فقط بالأمن، وهو نسبي وهش، ومصحوب بالكثير من الانتهاكات، وإذا كانت الحكومة، أو أطراف أساسية فيها، ليست هي التي تقف وراء هذا العنف، فمن هي الجهة أو الجهات التي تنفذه، أو تقف خلفه..!؟.
موضة التهم الجاهزة
يرى المراقبون ان «موضة» التهم الجاهزة، لم تعد تنطلي على العراقيين، وان الذين يطلقون مثل هذه التهم، قد يكونون من بين المتهمين!!. فبسرعة خارقة، كان «متسكعو التصريحات الصحفية»، ينبرون للكشف عن «المجرمين»، الذين هم «البعثيون والتكفيريون والقاعدة»، متناسين ان مثل هذه التصريحات يحاسب عليها القانون في أية دولة أخرى في العالم، لان الغرض منها قد يكون «التستر على الفاعلين الحقيقيين».
وبحكم خبرتهم العملية، يستطيع العراقيون معرفة طبيعة أية عمليات «عسكرية»، وعندما تحدث سبعة انفجارات في بغداد، في يوم واحد، فليس معنى ذلك ان البعثيين هم الذين قاموا بها ـ حسب تحليلات بعض المسؤولين السياسيين ـ الذين أكدوا أنها ترمز إلى اليوم السابع من نيسان ابريل، ذكرى تأسيس حزب البعث!!، الذي لم تعد له قوة سياسية أو عسكرية تذكر.
وفي حادث السطو على مصرف الرافدين ـ فرع الزوية، التي «اعدم» فيها ثمانية من الحراس، انبرى ناطق رسمي «ليكشف» عن أن المنفذين كانوا يحملون معهم وسائد وضعوها على أسلحتهم لكي لا تسمع أصوات الإطلاقات النارية!!، وكأنه كان مع العصابة، حتى اتضح إن الجناة هم ضباط في الفوج الرئاسي، الذي يقع المصرف تحت حمايته.
عنف انتخابي
على إننا هنا، لا نريد تبرئة ساحة «بعض محترفي الإرهاب»، بقدر ما نريد القول ان إطلاق التهم الجاهزة يضر بسير التحقيق، ان وجد، ويتضمن تسترا على الجهات الأخرى التي توجه إليها أصابع الاتهام، وهذا ما تم الكشف عنه مؤخرا، بان عمليات العنف الأخيرة، سياسية، كمعظم سابقاتها، وان العمليات الأخيرة يدخل فيها الطابع الانتخابي، أي أن مدبريها من أطراف العملية السياسية، والغرض منها الدفع نحو اصطفافات معينة، من خلال إخافة الشيعة من السنة، والأكراد من العرب، وبالعكس، من اجل إعادة الحياة إلى الإستقطابات السابقة، التي يبدو أن تكوينها وبقاءها كان مستندا إلى حد بعيد على مثل هذه الأزمات.
تغير المعادلة
ويبدو أن تغير ميول الناخب العراقي له اثر كبير في تفاقم أعمال العنف، التي يحاول البعض من خلالها إعادة الأوضاع إلى المربع الأول، من التخندق الدموي، الطائفي والعرقي والعشائري، خاصة وان هناك مؤشرات قوية على فشل إعادة الائتلافات السابقة، وان الغالبية من العراقيين لن تدلي بأصواتها في الانتخابات المقبلة، لمن صوتت لهم في السابق، حيث كشفت النتائج الأولية لاستطلاع شبه رسمي عن أن «1 ,69%» من المواطنين الذين تم استطلاع رأيهم بشأن الانتخابات البرلمانية المقبلة سوف ينتخبون قوائم أخرى غير تلك التي انتخبوها قبل أربع سنوات، فيما بقي «1 ,27% » على خيارهم السابق نفسه، في حين تردد «8 ,3%» في الإفصاح عن رأيهم بهذا الشأن.
وحسب صحيفة «الصباح» الرسمية، فإن هذه النتائج الأولية تمثل آراء «5104» مواطنين من ثماني محافظات ومن كلا الجنسين ومن مختلف الوظائف والأعمار والمستويات التعليمية، وهي جزء من استطلاع شامل يتجاوز ال«20» ألف مواطن.
وقالت: «بغض النظر عن دلالات النتائج الأولية والنتائج الكاملة التي ستنشر لاحقا، يبقى السؤال مفتوحا وكبيرا بشأن قرار الكثير من العراقيين بتغيير خياراتهم السابقة، وهو ما قد يرسم خارطة جديدة للقوى السياسية في الانتخابات المقبلة».
شهادة براءة
ويؤيد بعض المراقبين ما ذهب إليه رئيس الوزراء نوري المالكي، في تصريحات سابقة، بان الذين فشلوا في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة هم الذين يحاولون إرباك الوضع الأمني، لإفشال المجالس الجديدة، «تمهيدا للعودة في الانتخابات المقبلة»، ومن ذلك تأزيم الوضع الطائفي، إلا ان المالكي أسهم عمليا في هذا التأزيم، من خلال شن حرب غير معلنة بشكل واضح على قوات الصحوة، وإضافة أفواج جديدة إلى العاطلين، وإعادة اعتقال الذين يطلق الأميركان سراحهم من قبل القوات الأمنية الحكومية، ربما بالتواطؤ مع الأميركان، ما يوفر المناخ الملائم لعودة العنف، الذي تعددت جهاته وأسبابه.
وفي خلاصة مهمة، يمكن الوصول إلى أن عمليات العنف الأخيرة، التي تقف وراءها إطراف مؤثرة في العملية السياسية، باعتراف كبار المسؤولين العراقيين، يمكن أن تعطي «شهادة براءة» للجهات المتهمة بالإرهاب، في الكثير من العمليات الغامضة التي لم تعلن أية جهة مسؤوليتها عنها، وبالتالي.. يجدر التساؤل: من هم الملطخة أيديهم بدماء العراقيين!؟، ولماذا يحاول البعض غسل أيدي الغزاة الأميركان، من الدم العراقي، بل ويضع الزهور على تلك الأيدي التي لها «الفضل» في لعبة العملية السياسية الطائفية والعنصرية، التي مازالت تستنزف الدم العراقي، والوجود الوطني، وحتى الإنساني، العراقي.
ملاحظات
حصاد مر لما بعد الإحتلال
ذكر مركز «صقر» للدراسات، وهو مركز بحثي عراقي، بعض جوانب المشهد العراقي بعد أكثر من 6 سنوات من الاحتلال، ومنها: مليون أرملة حتى أواخر عام 2008 استنادا إلى إحصائية رسمية صادرة عن وزارة المرأة، 4 ملايين يتيم بحسب وزارة التخطيط، أكثر من مليوني قتيل حسب إحصائيات وزارة الصحة والطب العدلي، 800 ألف مفقود لا يعرف أهلهم عنهم شيئا، 340 ألف عراقي اعتقلوا في السجون الأميركية والعراقية بحسب إحصائيات مرصد حقوق الإنسان، من بينهم 120 ألفاً اعتقلتهم القوات الأميركية ثم أطلقت سراح غالبيتهم، لكن السلطات الحكومية أعادت اعتقالهم، أكثر من 40 بالمائة من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر، تدمير شامل للبنية التحتية.
حيث توقفت 90 بالمائة من المعامل الكبيرة والمصانع عن العمل، تدهور في مستوى التعليم أدى إلى اتخاذ منظمة اليونسكو قرارا برفض الاعتراف بشهادات الجامعات العراقية، انتشار المخدرات القادمة من إيران بين طبقة الشباب بصورة غير مسبوقة بحسب إحصاءات وزارة الصحة، أكثر من 4 ملايين مهجّر بين الداخل والخارج «لم يردوا في التقرير»، وليست هناك تقديرات دقيقة لخسائر العراق المالية أثناء فترة الغزو والاحتلال، لكنها تصل بحسب بعض المراقبين 3 آلاف مليار دولار.
إضاءة
يبدو أن تغير ميول الناخب العراقي له اثر كبير في تفاقم أعمال العنف، التي يحاول البعض من خلالها إعادة الأوضاع إلى المربع الأول، من التخندق الدموي، الطائفي والعرقي والعشائري، خاصة وان هناك مؤشرات قوية على فشل إعادة الائتلافات السابقة، وان الغالبية من العراقيين لن تدلي بأصواتها في الانتخابات المقبلة، لمن صوتت لهم في السابق.
حيث كشفت النتائج الأولية لاستطلاع شبه رسمي عن أن «1 ,69% » من المواطنين الذين تم استطلاع رأيهم بشأن الانتخابات البرلمانية المقبلة سوف ينتخبون قوائم أخرى غير تلك التي انتخبوها قبل أربع سنوات، فيما بقي «1 ,27% » على خيارهم السابق نفسه.
