من جديد عادت دائرة العنف الجهنمية تضرب العراق بلا رحمة ولا هوادة.. وعادت شوارع العراق من جديد تمزقها أصوات الانفجارات لتهز أركانها بعنف وقسوة.. لتتعالى أصوات النساء بالصراخ والعويل، وترتفع أصوات الرجال والشيوخ بالنحيب ليستمر هذا السيناريو المفجع يرسم صورة مأساوية سوداء حول حاضر ومستقبل العراق الذي قد لا يختلف عن ماضيه القريب.
عادت التفجيرات في العراق لتفجر معها مئات بل آلاف الأسئلة وعلامات الاستفهام والتعجب حول أسبابها ونتائجها والأطراف المستفيدة منها والمتضررة منها أيضاً وحجم الخسائر من ورائها ومن الفائز ومن الخاسر ومتى تنتهي وكيف لها أن تنتهي؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة لها وإلى متى يظل هذا العنف المقيت الذي لم يعد أي شخص في العراق يأمن على نفسه منه، ولا يستطيع أيا كان أن يزعم أو يدعي أنه بمنأى منه؟. ومع استمرار العنف وتعدد الانفجارات التي تخلف يومياً مئات الضحايا من القتلى والمصابين والتي تزرع معها الرعب والفزع والخوف في نفوس العراقيين تتجدد الآمال بنهاية قريبة لهذا المسلسل اللانهائي من العنف خصوصاً مع تكرار التصريحات من المسؤولين السياسيين والأمنيين على السواء بأنه قد تم وضع حد للعنف في العراق وأن الأمور جميعها تحت السيطرة ويفاجأ الجميع أنه لا العنف تم وضع حد له ولا حتى السيطرة على أي أمور.
مسؤولية العراقيين
في البداية، حذر نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير أحمد بن حلي من استمرار دائرة العنف الجهنمية من العنف والعنف المضاد من خلال تردي الأوضاع الأمنية في العراق وتأثير ذلك على مجمل الأوضاع في العراق سواء السياسية والاقتصادية وما لها من انعكاسات خطيرة على الحياة اليومية والمعيشية للمواطنين العراقيين.
وشدد على ضرورة خروج العراقيين من هذه الدائرة إذا ما أرادوا ضمان مستقبل أفضل لبلادهم وأبنائهم، لافتاً إلى أن العراقيين هم الخاسر الوحيد جراء استمرار هذا العنف البغيض وأن الجميع بلا استثناء اكتوى بنار تلك الأوضاع الأمنية المتردية في العراق.
وقال إن موقف جامعة الدول العربية واضح في هذا الصدد فنحن نرفض كل صور العنف والعنف المضاد في العراق وندعو إلى ضرورة التفاف جميع العراقيين حول مشروع سياسي وطني يضمن وحدة العراق وأمنه واستقراره بعيداً عن الطائفية وسياسة المحاور والتحالفات والمحاصصة إلى غير ذلك من التعبيرات التي ترسخ وتدعم الانقسامات والانشقاقات في الصف العراقي.
وتابع»: ان مسؤولية ما حدث وما يحدث وما سيحدث يقع على عاتق العراقيين وحدهم ودون غيرهم وعليهم أن يحزموا أمرهم ويضعوا حدا لتلك التفجيرات المأساوية التي يذهب ضحيتها مدنيون أبرياء من أطفال ونساء وشيوخ لا ذنب لهم».
ولفت إلى أن جامعة الدول العربية مارست جهدا كبيرا في سبيل دعم العراقيين في وضع مشروع سياسي جامع لكل العراقيين لوضع حد للعنف ووقف نزيف الدم في أنحاء العراق. وتابع» ان الجامعة مازالت وستظل على أتم استعداد لدعم أي جهد عراقي أو عربي أو دولي يسعى إلى الحفاظ على أمن ووحدة واستقرار العراق وحقن الدماء ووقف صور الخراب والدمار هناك».
البعد الطائفي والعنف
ومن جانبه، أكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون العربية ورئيس مكتب جامعة الدول العربية السابق في العاصمة العراقية بغداد السفير هاني خلاف على وضوح البعد الطائفي في سلسلة التفجيرات الأخيرة والتي تركزت على الأهداف الشيعية والمسيحية وهو ما يعد دليلاً على قوة وشراسة المقاومة السنية وأن لديها إصراراً على تغيير الأوضاع القائمة.
وشدد خلاف على أنه لابد من أن تتعامل السنة بمنهج جديد وأن تنفتح الحكومة العراقية على المشروع الوطني العراقي الجامع لكل الأعراق والأديان والمذاهب، مع ضرورة أن تدعم القوي الدولية والإقليمية ودول الجوار هذا التوجه لأنه مثلما يصب في مصلحة العراقيين فهو يصب في مصلحة استقرار وأمن المنطقة ككل.
وحول المنهج الذي ينبغي على الحكومة العراقية أن تتعامل به مع المقاومة السنية، قال «إن الحكومة عليها أن تفسح المجال لتفعيل وثيقة الإصلاح السياسي التي أقرها البرلمان العراقي بالتوازي والتزامن مع إقرار الاتفاقية الأمنية، ولكن تم تأجيل تفعيل تلك الوثيقة وتأجيل تفعيل بنودها سواء التي تتعلق بتعديل الدستور وتعديل النقاط الخلافية فيه أو بتحقيق استقلالية القضاء والحفاظ على مهنيته وكذلك ما يتعلق بحقوق الإنسان والمناطق الخلافية مثل كركوك وغيرها»، مشيراً إلى أن جبهة التوافق الوطني كانت قد اشترطت أن يتم الموافقة على وثيقة الإصلاح الوطني للموافقة على الاتفاقية الأمنية.
وقال «إن الحكومة العراقية مطالبة أيضاً بضرورة العمل على إعادة اعمار المناطق السنية التي دمرتها الاعتداءات والهجمات الأميركية خلال تواجدها بالعراق ومواجهتها للقاعدة والمقاومة العراقية».
وأضاف «انه في المقابل فإن المقاومة عليها أن تدرك جيداً أن توجهات الحكومة العراقية ونوري المالكي على وجه التحديد هي توجهات وطنية وليست توجهات طائفية أو ولائية لإيران، ولكن المقاومة لا ترى هذا الجانب الإيجابي في المالكي».
وتابع: «ظللنا نردد أن الوجود الأميركي هو السبب في تردي الأوضاع الأمنية في العراق لما يسببه من استقرار سياسي وأخلاقي لأطياف لشعب العراقي، والآن الدور الأميركي والأجنبي في انحسار ولم يعد بنفس الشكل المستفز ولم يعد يتعامل ويتدخل في مفردات الحياة اليومية في العراق، الأمر الذي يطرح تساؤلا هاما وهو لماذا إذا يستمر نفس النهج المسلح رغم تحقيق الأهداف المعلنة للمقاومة ولو جزئيا؟».
وأعرب السفير هاني خلاف عن اعتقاده أنه في عام 2011 بعد أن تكمل الولايات المتحدة انسحابها بالكامل هي والقوات الأجنبية الأخرى من العراق، فإن المقاومة ستفقد إطارها الشرعي لأن السبب الذي تقاوم من أجله حسب قولها قد انتفى، وعليها من الآن أن تبحث في وسائل وآليات جديدة لتحقيق أهدافها بعيداً عن المقاومة المسلحة وإلا فإنها سوف تخسر الكثير جداً من رصيدها في الشارع العربي والإسلامي والعراقي قبلهما.
ولفت إلى أن ارتفاع وتيرة الهجمات المسلحة وتزايد العنف في العراق تصادف مع عودة الظهور المصري ووجود رغبة تترجم إلى خطوات عملية ملموسة للعودة إلى العراق من جديد وبرز ذلك من خلال إعلان اسم السفير المصري في العراق خلفا للسفير إيهاب الشريف وقيام عدد من كبار المسؤولين المصريين كان آخرهم وزير الاستثمار الدكتور محمود محيي الدين بزيارة العراق على رأس وفد من رجال الأعمال والمستثمرين المصريين، وهو ما يثير سؤال لدى رجل الشارع في مصر حول جدوى هذا الانتظار الطويل في العلاقات بين البلدين ثم استئنافه في هذا الوقت الحرج والظرف بالغ الخطورة.
الخطأ الأميركي
وبدوره، أشار مدير المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية والمستقبلية اللواء عادل سليمان إلى خطورة الأوضاع الأمنية في العراق، لافتاً إلى أن ما يزيد من خطورة الأوضاع هناك هو ذلك الانفلات الأمني والخطأ الجسيم الذي وقعت فيه الإدارة الأميركية السابقة في العراق في أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وقيامها بحل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية والاستخباراتية والاستغناء عن أفرادها وكوادرها بل وملاحقتهم وهو ماله انعكاسات خطيرة تظهر الآن وستواصل الظهور مستقبلا.
وقال «إن ذلك الخطأ هو ما يدفع العراقيين ثمنه فادحا الآن أولا لأن الاستغناء عن قيادات وكوادر وأفراد قوات الجيش والشرطة والمخابرات وملاحقتهم أدى إلى انغماس الكثير منهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر في صفوف ما يعرف بالمقاومة العراقية خاصة في ظل الملاحقة وسعي بعض الجهات والأطراف لتصفية الحسابات والانتقام منهم». وتابع «ان الأمر الثاني يكمن في أن العراق الذي كان يمتلك خبرات عسكرية وأمنية متراكمة لعشرات السنوات، افتقد هذه الخبرات والمهارات والكفاءات وتم الاستعانة بأفراد وقيادات غير مؤهلة بالشكل الكافي ولا تمتلك الخبرات اللازمة للتعامل مع المواقف المتأزمة».
وأكد سليمان انه من غير المتوقع في ظل هذه المعطيات أن يستعيد العراق في القريب العاجل عافيته وهو للأسف ما قد يستغرق بعض الوقت. والمطلوب من الأطراف العراقية المختلفة وخاصة الحكومة أن تبدأ على الفور العمل جديا على استعادة الأمن والاستقرار من خلال حزمة من الخطوات والإجراءات تتمثل في تفعيل خطوات سياسية جامعة للأطراف العراقية قائمة على المواطنة وليس على الطائفية وأن يتم وضع حد لانتشار السلاح والمتفجرات وأن يتم الاستعانة بالكفاءات والخبرات العسكرية والأمنية والإستخباراتية السابقة وكذلك العمل على إزالة ثقافة الشك والريبة وتفعيل الاتفاقيات وأن يثق كل الأطراف العراقية أنهم جميعا خاسرون إن لم يتحقق للعراق الأمن والاستقرار والوحدة.
إضاءة
مع استمرار العنف وتعدد الانفجارات التي تخلف يومياً مئات الضحايا من القتلى والمصابين والتي تزرع معها الرعب والفزع والخوف في نفوس العراقيين تتجدد الآمال بنهاية قريبة لهذا المسلسل اللانهائي من العنف خصوصاً مع تكرار التصريحات من المسؤولين السياسيين والأمنيين على السواء بأنه قد تم وضع حد للعنف في العراق وأن الأمور جميعها تحت السيطرة ويفاجأ الجميع أنه لا العنف تم وضع حد له ولا حتى السيطرة على أي أمور.

