تضرب العلاقات بين العرب والهنود بجذورها عبر التاريخ، حيث تبادل الطرفان الاحتكاك التجاري والثقافي، التأثير والتأثر بما تظهر بعض سماته في حياة البشر الذين يعيشون على الرقعتين الجغرافيتين المتجاورتين، غير ان تلك الروابط التاريخية لم تعد كافية للحفاظ على جوهر ومتانة العلاقات بين العرب والهند، بعد أن جرت في السنوات الأخيرة مياه كثيرة في النهر، أخذت شكل الفتور بين الجانبين بعض الأحيان.
لقد ظلت الهند منذ مطلع الخمسينات وحتى أوائل التسعينات المؤيد الواضح للقضايا العربية في المحافل الدولية، وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لكن هذا الموقف بدأ يتراجع مع إقامة نيودلهي علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في عام 1992.
على هذه الخلفية دار نقاش بيني وصحافي هندي جمعتنا رحلة عمل، أبدى خلالها الرجل حرصا على ضرورة ان يدرك العرب والهنود حجم المصالح والروابط التي تجمعهما، وان يتجاوزا أي اختلاف في وجهات النظر تجاه بعض القضايا التي قد تتسبب في ظهور بعض السحب المتفرقة في سماء علاقاتهما. غير ان حرص محدثي التأكيد على ما يجمع أكثر مما يفرق، لم يمنعني من الإشارة إلى تنامي العلاقات الهندية الإسرائيلية، التي لا تقف عند حدود التبادل الدبلوماسي، والصفقات التجارية، وإنما إلى ساحات أمنية وعسكرية لا يمكن إلا ان تثير القلق العربي.
هنا انبرى محدثي بالتذكير بمواقف الهند المناصرة للقضية الفلسطينية من قبل إعلان قيام الدولة العبرية عام 1948، مرورا بمواقف الهند عبر حركة عدم الانحياز التي كان نهرو من مؤسسيها مع جمال عبد الناصر، وتساءل ماذا جنت الهند من مواقف مماثلة لصالح قضاياها؟
وأضاف معاتبا: الم تنحاز الغالبية العربية تلقائيا لمواقف باكستان في بعض خلافاتها مع الهند؟، واستدرك قائلا لماذا يعيب العرب على الهند إقامتها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ألم تقم مصر وهي اكبر بلد عربي علاقات مع إسرائيل، وأليس من حق الهند ان توازن بين مصالحها مع العرب من جانب وإسرائيل من جانب آخر؟
هنا أشرت إلى أن مصالح الهند مع العرب ربما تفوق خسائرها بتوسيع علاقاتها مع إسرائيل، لكن الرجل لم يبد حماسا لهذا الجانب، مؤكدا أن العالم الذي لا يزال بعض العرب يرتكنون إلى توازناته القديمة قد تغير، وهو ما يحتاج من العرب إعادة قراءة أكثر واقعية لتجلياته التي جعلت من الهند ودول أخرى تتخذ مواقف قد لا تلقى قبولا من جانبهم.
