شكلت ولادة حركة التحرر الوطني الفلسطينية معضلة كبيرة لإسرائيل، فهذه الحركة استطاعت تأكيد حضور الشعب الفلسطيني في المعادلات الدولية والإقليمية في حين أن المشروع الصهيوني ارتكز على تغييب وجود هذا الشعب. وهذه الحركة استطاعت أيضا تحويل قضية الشعب الفلسطيني من قضية إنسانية، أي من كونها مجرد قضية لاجئين، إلى قضية سياسية.

فوق ذلك فإن ظهور هذه الحركة أدى إلى تنامي العداء العربي لإسرائيل على المستويين الرسمي والشعبي. وعلى الصعيد الدولي فإن النضال التحرري للشعب الفلسطيني أبرز عدالة قضية فلسطين، وأظهر إسرائيل على حقيقتها كدولة استعمارية عنصرية في المنطقة؛ ووضع علامات شك حولها من النواحي السياسية والوجودية والأخلاقية.

وكانت حركة فتح هي المبادرة (في أواسط الستينيات) إلى تأسيس الحركة الوطنية المعاصرة للشعب الفلسطيني، بإطلاق الكفاح المسلح، وبالتأكيد على البعد الوطني في الصراع ضد المشروع الصهيوني.

وقد اشتغلت إسرائيل منذ تأسيس هذه الحركة، وانطلاقة العمل الفدائي، وقيام منظمة التحرير الفلسطينية (ككيان معنوي موحد للشعب الفلسطيني)، بدأب كبير على عزل هذه الحركة، والحد من قدراتها وفاعليتها، وتوجيه الضربات القاسية لها، وفي مراحل معينة توجهت نحو شن حرب حاسمة ضدها، لتدميرها نهائيا.

محاصرة الحركة

ففي مجال عزل الحركة الوطنية الفلسطينية ومحاصرتها عملت إسرائيل على تصعيب الوضع على الفلسطينيين المشاركين، وحتى المتعاطفين مع هذه الحركة، مستخدمة في ذلك وسائل عقابية شديدة ضدهم، مثل الاعتقال وهدم البيوت والمضايقات مختلفة الأوجه. هكذا بلغ عدد الفلسطينيين الذين دخلوا سجون الاحتلال (لفترات متفاوتة) منذ العام 1967 حوالي سبعمائة ألف فلسطيني، وهدمت آلاف البيوت، خلال تلك الفترة، وتم التضييق على الآلاف ممن تم الاشتباه بهم، في التنقل وفرص العمل ومختلف المعاملات المدنية.

وفي كل ذلك فقد حولت سلطات الاحتلال قطاع غزة والضفة الغربية إلى سجن كبير تتحكم بكل شاردة وواردة فيه. ولم تكتف إسرائيل بكل ذلك بل إنها استخدمت سلاح الاستيطان من اجل محاصرة التجمعات الفلسطينية والتحكم بها، كما إنها عمدت في قطاع غزة إلى هدم شوارع بأكملها (خاصة في السبعينيات) لإحكام السيطرة الأمنية على القطاع. فضلا عن إنها استخدمت أذرعها الأمنية (الشاباك والموساد وأمان لترويع الفلسطينيين).

وإزاء تواجد قوات الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج فقد استخدمت إسرائيل كل طاقتها لتدمير قواعد الفدائيين، من الأردن إلى سوريا إلى لبنان، مستخدمة في ذلك سلاح الطيران والمدفعية والدبابات.

وكانت معركة (الكرامة) في الأردن (1968) أولى معارك إسرائيل المباشرة مع حركة فتح، وقوات الثورة الفلسطينية، حيث أدت إلى نتائج معاكسة لما تريده إسرائيل، إذ تنامى بعدها العمل الفدائي وبات له شعبية على امتداد المنطقة العربية.

وفي لبنان شنت إسرائيل اعتداءات متوالية على جنوبي لبنان وبقاعه الغربي ووصلت هذه الاعتداءات إلى صيدا وصور وطرابلس وإلى العاصمة بيروت ذاتها، وذلك طوال مرحلة السبعينيات، ومطلع الثمانينيات (من القرن الماضي)، وبلغت هذه الاعتداءات ذروتها في اجتياح القوات الإسرائيلية الأراضي اللبنانية وصولا إلى بيروت (يونيو ـ أغسطس 1982)، ما نجم عنها خروج قوات منظمة التحرير وإنهاء وجودها العلني في لبنان، في فترة كان فيها مناحيم بيغن زعيم الليكود رئيسا للحكومة وأريئيل شارون وزيرا للدفاع.

الانتفاضة الأولى

وبعد انتهاء الظاهرة العلنية المسلحة للفلسطينيين، انتقل مركز الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي إلى الداخل، وتمظهر بالانتفاضة الأولى (1987 ـ 1993)، وفي تلك المرحلة بدأ الصراع بين الحركة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل يتخذ طابع الصراع بين شعب (وليس مجرد مقاتلين كما في السابق) وسلطة الاحتلال. وقد استطاعت الانتفاضة أن تفرض وجودها وان تعزز التناقضات الإسرائيلية كما استطاعت أن تكسب تعاطف العالم مع الفلسطينيين، وأن تظهر إسرائيل على طبيعتها كدولة استعمارية قهرية وعنصرية تسيطر على شعب أخر بوسائل القوة.

وبنتيجة تداعيات الانتفاضة (والتحولات الدولية والإقليمية الأخرى) اضطرت إسرائيل لتغيير سياستها إزاء الفلسطينيين حيث انخرطت بعملية التسوية التي قادت فيما بعد إلى توقيع اتفاق أوسلو (1993) بين قيادة منظمة التحرير وعلى رأسها ياسر عرفات، وإسرائيل بقيادة حزب العمل ورئيسه اسحق رابين. وقد نجم عن ذلك اعتراف إسرائيل بالشعب الفلسطيني وبالمنظمة كممثل له، كما أدى ذلك إلى دخول قيادة وكوادر وقوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما فتح الأوضاع على مرحلة صراعية أخرى، بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وطوال تلك الفترة أعملت إسرائيل سلاح الاغتيال في صفوف قيادة حركة فتح، حيث اغتالت في عملية واحدة ثلاثة من القادة الفلسطينيين، هم كمال عدوان وأبو يوسف النجار وكمال ناصر (بيروت 1973)، واغتالت ماجد أبو شرار في روما (1982)، ثم اغتالت أبو جهاد الوزير في تونس (1988)، فضلا عن اغتيالها العديد من كوادر فتح، ومعهم عديد من القياديين الفلسطينيين من الفصائل الأخرى.

ولازال الغموض يكتنف اغتيال القائدين صلاح خلف وهايل عبد الحميد (تونس 1991)، فضلا عن إنها توجت عملياتها ضد القادة الفلسطينيين، بعزل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وحصاره في مقره في رام الله منذ أواخر العام 2001 إلى حين وفاته (أواخر 2004)؛ حيث ثمة ما يرجّح أن إسرائيل عملت على إنهاء حياته بالسم.

وكما قدمنا، فإن عقد اتفاق أوسلو أدى إلى إدخال تغييرات على أشكال الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بانتهاج طريق التفاوض، وفي تلك المرحلة عملت إسرائيل كل ما من شأنه لإضعاف الكيان الفلسطيني الناشئ في الضفة والقطاع، من الناحيتين المادية والمعنوية، فهي لم تسهل البتة الوضع أمام القيادة الفلسطينية، ولم تف بالاستحقاقات المطلوبة منها في عملية التسوية وحتى في المرحلة الانتقالية، ثم إنها عملت على خلق الوقائع التي تجوّف عملية التسوية، وتحولها إلى مجرد دوامة أو متاهة لانهاية لها.

هكذا تمت مضاعفة المستوطنات ولم تفتح إسرائيل المعابر، ولم تنسحب سوى من حوالي 40 بالمئة من الأراضي الفلسطينية، وظلت تسيطر على حياة الفلسطينيين، وهي سياسات أضعفت صدقية القيادة الفلسطينية، وهي ذاتها قيادة فتح، كما أضعفت من صدقية خيارها السياسي المتمثل بالتسوية والمفاوضة.

إضعاف فتح

ولاشك أن هذه التحولات أضعفت فتح وأثارت الشبهات بشأن تحولها للسلطة والتسوية والمفاوضة، ما أدى إلى تآكل مكانتها في المجتمع الفلسطيني، وبالنتيجة فقد أدى ذلك إلى تنامي نفوذ حركة حماس، التي ظهرت كند وكبديل لحركة فتح.

وعندما حاولت فتح تدارك الوضع، بعد يأسها من سياسات إسرائيل، وتملصاتها، ومحاولاتها فرض الأمر الواقع، رفضت قيادة فتح (وهي نفسها قيادة السلطة والمنظمة) بزعامة الرئيس الراحل ياسر عرفات الإملاءات الإسرائيلية في مفاوضات كامب ديفيد 2 (يوليو2000) في الولايات المتحدة، ولم تكتف فتح بذلك بل إنها بادرت لإطلاق الانتفاضة الثانية، محاولة خلق معادلة صراعية جديدة، قوامها التزاوج بين الانتفاضة والمفاوضة.

لكن إسرائيل كما ردت على ذلك بكل قوتها ولجأت إلى محاربة فتح واستهداف مناضليها وقادتها، وعاودت احتلال المدن الفلسطينية، مقوضة بذلك السلطة، وهو ما وضع فتح في وضع على غاية في الصعوبة.

وفي تلك المرحلة وبسبب صمود ياسر عرفات على مواقفه عملت إسرائيل على تغيير سياستها حيث بدأت تروّج لتغيير القيادة الفلسطينية، بدعم من إدارة الرئيس بوش المنصرفة، وهو ما مكنها من إحداث تغييرات في الساحة الفلسطينية أي في فتح وفي السلطة، عبر استحداث منصب رئيس الوزراء للسلطة، وبناء أجهزة أمنية على أسس جديدة، وبحث التحول في فتح من المقاومة إلى المفاوضة والسلطة.

وبعد رحيل ياسر عرفات (أواخر 2004) عاودت إسرائيل بقيادة ايهود اولمرت التفاوض مع الفلسطينيين، محاولة في ذلك استغلال الصعوبات التي باتت تحيق بالوضع الفلسطيني، لاسيما بعد انحسار نفوذ فتح، وصعود حركة حماس، وتراجع خيار الانتفاضة والمقاومة، وانقسام الكيان الفلسطيني بين الضفة والقطاع.

وفي هذا الإطار يبدو أن إسرائيل تحاول في صراعها مع فتح التأثير على هذه الحركة، وخلق أوضاع فيها تكون أكثر مهاودة لمتطلباتها السياسية، بعد أن باتت هذه الحركة أكثر ميلا للّيونة، بعد كل العطب الذي أصابها نتيجة حروبها المنهكة مع إسرائيل، ونتيجة خبو طاقتها النضالية، ونتيجة الفوضى التي باتت تدب فيها.

ويبدو أن إسرائيل بتسهيلها عقد مؤتمر فتح في الداخل، تراهن على أن انعقاد هذا المؤتمر سيمكن من تحويل هذه الحركة نهائيا من حركة تحرر وطني إلى مجرد حركة استقلال، أو مجرد سلطة مقيّدة، تتفاوض مع الاحتلال، أكثر مما تعمل على مقاومته؛ وهذا ما ستؤكده أو تنفيه توجهات حركة فتح ذاتها في المرحلة المقبلة.

إضاءة

بسبب صمود ياسر عرفات على مواقفه عملت إسرائيل على تغيير سياستها حيث بدأت تروّج لتغيير القيادة الفلسطينية، بدعم من إدارة الرئيس بوش المنصرفة، وهو ما مكنها من إحداث تغييرات في الساحة الفلسطينية أي في فتح وفي السلطة، عبر استحداث منصب رئيس الوزراء للسلطة، وبناء أجهزة أمنية على أسس جديدة، وبحث التحول في فتح من المقاومة إلى المفاوضة والسلطة.

ماجد كيالي