في ابريل الماضي، تابع العالم اجتماعا مشهودا بين رئيسين شابين أحدهما جاء من واشنطون غربي الأطلسي والثاني جاء من موسكو في الشرق الأوروبي.. تم اجتماع ابريل في العاصمة البريطانية لندن حين التقى الرئيس الأميركي أوباما والرئيس الروسي ميدفيديف في إطار قمة مجموعة العشرين التي تمثل عددا من أهم الدول ذات الفعالية والتأثير في مجريات الأمور ـ الاقتصادية بالذات على مستوى العالم.
يومها، ومن لندن جاء تصريحا أوباما في معرض الإشارة إلى «الزميل» الروسي القادم من موسكو واصفا ميدفيديف بأنه «مفكر.. تقدمي».. ومن مفارقات الزمن أن يعمد الرئيس الأميركي، وهو مثقف مطلع وأكاديمي سابق.. إلى استخدام لفظ «تقدمي» وهو وصف طالما حفلت به المعاجم السياسية الروسية (وترجماتها العربية بالطبع) أيام الحقبة السوفييتية حين كانت الماركسية هي عقيدتها السياسية على مدار أكثر من سبعين عاما.
لكن استخدام أوباما لهذا المصطلح جاء لينصرف إلى معنى أفاض فيه أيضا رئيس أميركا حين أضاف مفسرا أنه يقصد مقدرة وكفاءة ميدفيديف في أن يقود روسيا إلى القرن الواحد والعشرين.
وعندنا أن أوباما كان يعني تماما ما يقول، بمعنى أنه يعقد مقارنة، ولو على سبيل التضمين أو التلميح، بين رئيس روسيا وبين سلفه السيد فلاديمير بوتين رجل الاستخبارات السوفييتية السابق، ورئيس وزراء روسيا الحالي.. الذي لم يتورع أوباما عن أن «يغمز من قناته» كما يقول تعبير البلاغة العربية حين أشار أوباما إلى أن بوتين لايزال يضع قدما على طريق التقدم فيما لا تزال قدمه الثانية «على طريق قديم» هو طريق الحرب الباردة التي وضعت أوزارها مع سقوط الكيان السوفييتي منذ عشرين عاما أو نحوها من عمر الزمان الراهن.
نحو بداية جديدة
ولم تكد تنقضي 3 أشهر على هذه التصريحات اللندنية إلا وحانت زيارة أوباما شخصيا إلى موسكو.. تمت الزيارة في السادس من يوليو وشهدت الزيارة ـ كما توقعت جمهرة من محللي علاقات البلدين مزيدا من التقارب بين النظيرين الروسي والأميركي، فيما شهدت أيضا ملابسات تلمح إلى مزيد من توتر بين الجانب الأميركي وبين السيد بوتين الذي يكاد ينعقد الإجماع على أنه لايزال ممسكا بمقاليد إدارة السياسة الخارجية للكرملين بقدر ما أن السيد ميدفيديف مهتم بالتركيز نسبيا على إدارة الشأن الاقتصادي في الدولة الروسية.
في كل حال فقد استرعى الأنظار الشعار الذي أعلنه، ولايزال متمسكا به، الرئيس أوباما بشأن العلاقات بين أميركا وروسيا، والشعار مؤلف من كلمتين هما: بداية جديدة.
ونتصور أن الشعار «الأوبامي» المذكور لا يخص علاقات موسكو ـ واشنطن وحدها بقدر ما أنه شعار أو عنوان يصدق على مرحلة كاملة أو على سفر متكامل في سجل السياسة الخارجية والعلاقات الدولية للولايات المتحدة.
والمعنى أن واشنطن، وقد تولت مقاليدها إدارة جديدة.. ذات أجندة سياسية جديدة.. يقودها رئيس جديد.. شاب مثقف.. واعد.. بالغ الطموح.. تحاول أن تغير جلدها أو تجدد إطلالتها على قضايا عالم طالما تراكمت لديه مشاعر وأفكار قوامها مزيج من الغضب المشوب بالاستياء أو الدهشة الممزوجة بالمرارة إزاء السلوك السياسي لإدارات أميركية متعاقبة.. كان آخرها إدارة بوش بكل سجلها الذي مازالت مرارته محسوسة.. لا في حلوق الخصوم بل في حلق الحليف الغرب ـ أوروبي ذاته.
ما بالك إذن بالطرف الروسي أو الدب الروسي كما درجت على وصفه وسائل الإعلام الأميركي، القابع وسط الامتداد الإقليمي ـ السياسي الشاسع ما بين شرقي أوروبا إلى شمالها في سيبيريا.. متوغلا في نفس الوقت إلى قلب القارة الآسيوية حيث حدود الصين من جهة وتخوم القوقاز وبحر قزوين من جهة أخرى. المهم أن عاد الشأن الروسي بالذات ليؤرق مضاجع من تصفهم بأنهم «عقلاء السياسة الخارجية الأميركية».
حكاية التباهي الأميركي
في هذا السياق.. نشير باهتمام إلى الدراسة الموجزة التي نشرها مؤخرا السيد «غاري هارت» وهو عضو أسبق في مجلس الشيوخ وكان مرشحا خلال الثمانينات لمنصب رئيس الجمهورية.. ومعه السيد ديمتري سايمس رئيس تحرير مجلة «ناشونال انترست» وهي مطبوعة مرموقة معنية بقضايا السياسة الخارجية بالذات للولايات المتحدة.. (عدد يونيه 2009).
والدراسة تحمل عنوانها الدال التالي: الطريق إلى روسيا.
ولعل أهم توجهاتها ما يتلخص في نقد النهج الذي ظل يتبعه صانعو السياسة الخارجية الأميركية إزاء روسيا كدولة وكيان ودور وقيادة.. وعلى مدار سنوات العقدين الأخيرين بالذات.
هذا هو النهج الذي أفضى إلى سوء العلاقات بين موسكو وواشنطن.. إنه نهج التعامل من جانب أميركا بمنطق المنتصر الظافر المتباهي بما يتصور أن ما حققه هو هزيمة ماحقة بالطرف (السوفييتي) الذي كان خصما لدودا أثناء حقبة الحرب الباردة:
هو منطق الزهو المتباهي على نحو ما يشير إليه الأستاذان هارت وسايمس في دراستهما التي توضح أيضا أنه المنطق ـ الأسلوب الذي صيغت به سياسة أميركا تجاه روسيا منذ عام 1993 وحتى الآن.
في هذا الصدد تضيف الدراسة قائلة: على مدار هذه الفترة ظلت أغلبية القادة السياسيين في أميركا ومن لف لفهّم من النخب السياسية ـ على قناعة عميقة بجدوى هذا الأسلوب المغرور.. والساذج أيضا الذي يتصور أن أميركا تستطيع بمفردها أن تصوغ النظام العالمي دون موافقة سائر القوى الكبرى.
كان للروس رأي آخر
بالنسبة لروسيا بالذات ينعي الكاتبان على ساسة أميركا المنتمين من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري أنهم يتعاملون مع روسيا على أنها بلد مهزوم..
لا عجب أن ظل الروس يستمعون بين فينة وأخرى إلى محاضرات بل هي مواعظ سياسية من جانب ساسة أميركا ومحلليها ومفكريها.
والمشكلة أن كان للروس ـ بعد سقوط وزوال الاتحاد السوفييتي آراء وأفكار أخرى على النقيض تماما مما كان يرتئيه الأميركيون.
بالتحديد: كان للروس نظرة مغايرة إلى ملابسات انتهاء الحرب الباردة.. لم ير الروس في هذا الأمر هزيمة.. بقدر ما رأوه بمثابة نجاح لخيارات القوى المثقفة والفاعلة في المجتمع الروسي ذاته وهي الخيارات التي أفضت إلى نجاح الروس أنفسهم في إنهاء الحقبة السوفيتية بكل ما كان يجسدها من كيان سياسي وطروحات أيديولوجية وسياسات مطبقة تجاه الداخل والخارج.
أكثر من هذا.. لايزال في أروقة السياسة الخارجية الأميركية ـ حتى ضمن إدارة أوباما ـ من يعتقدون أن روسيا الجديدة لاتزال مقصّرة عما ينبغي أن تفعله وهم يقصدون أن روسيا مقصرة في عدم التحول لتصبح دولة رأسمالية كاملة.. سواء من حيث أسلوب الديمقراطية السياسية أو من حيث التوجه الاقتصادي الذي يحاكي النموذج الأميركي ذاته.
سقوط فكرة الحتمية
والمشكلة مرة أخرى أن الطرف الأميركي يقع أو يكاد يقع في نفس الخطأ المنهجي الذي سبق وأن وقع في براثنه دعاة الأيديولوجية الهيجيلية الماركسية بتطبيقاتها الشيوعية: لقد كان دعاة الأمس يرون في الماركسية اللينينية تعبيرا عما يمكن أن نصفه بأنه «الحقيقة المطلقة».
وكانوا لا يتورعون كما نعرف عن التعامل مع الشيوعية أو الماركسية من منظور يحمل لافتة «الحتمية». وها هي الأطراف الأميركية تكاد تطل من نفس منظور الحتمية على التطبيق الرأسمالي كما عرفه الغرب بوصفه السبيل الواحد أو الوحيد إلى التقدم والتطور.
لكن تاريخ التطور ـ يكاد يفند مقولات الحتمية عند طرفي المعادلة.. بالأمس القريب نسبيا (عام 1989 ـ سقوط سور برلين الشهير) أثبت التاريخ فشل حتمية نجاح الشيوعية في تحقيق فردوس الإنسان المنشود على ظهر الأرض.. وتحولت به حقبة جورباتشوف يلتسين إلى حيث أصبح هو الفردوس.. المفقود إذا استعرنا عنوان القصيد الملحمي الشهير للشاعر الانجليزي جون ميلتون.
ثم جاء منتصف عام 2008 الماضي ليثبت عند الطرف الآخر من المنظور تهافت حتمية الأخذ بالأسلوب الرأسمالي الغربي ـ الأميركي بالذات سواء من حيث النظرية أو على صعيد التطبيق، فلقد شهد صيف العام المنقضي بوادر نشوب أزمة مالية، ومن ثم اقتصادية ما برحت عقابيلها السلبية ماثلة في بنية الاقتصاد الكوكبي حتى كتابة هذه السطور.
ثم شهد ربيع عام 2009 الحالي صدور كتاب لمفكر أميركي رصين.. يجمع بين كرسي قضاء الاستئناف وبين تدريس علم القانون في جامعة شيكاغو هو البروفيسور «ريتشارد بوزنر» الذي أصدر مؤخرا كتابه الذي اختار له العنوان التالي: فشل.. الرأسمالية.
ثم ان الروس يتابعون ولاشك سوء أحوال دول الجيران في أوكرانيا أو جورجيا مثلا وقد حاولوا محاكاة ديمقراطية الغرب بالحرف أو حذو النعل بالنعل كما يقول التعبير العربي القديم. ولم تكن النتائج إيجابية على النحو المرتجى، بقدر ما أن البلدين يعانيان حاليا من صراعات داخلية (أوكرانيا بعد حكاية ثورتها البرتقالية الشهيرة) أو تهديدات للأمن القومي ونوعية الحياة (جورجيا).. فما بالك بما ظلت الأجيال الروسية الراهنة بين المخضرمين والشباب تشهده من تدهور مستوى المعيشة منذ سنوات التسعينات.. نتيجة بيع أصول قطاع الدولة العام في مزادات الهوان المالي وبشكل كاد يستبيح ممتلكات تعود في التحليل الأخير إلى جموع الشعب الروسي بعد أن دفعت فيها أجيال سبقت منذ ديكتاتورية جوزيف ستالين تضحيات وعرقا ودماء.. بل وأرواحا لكي تحقق لروسيا مع منتصف القرن العشرين مشروعات التحول نحو التصنيع. والأنكى من ذلك أن واكبت هذه العمليات التي شهدت ما نصفه بأنه تفكيك الكيان الروسي خلال حقبة يلتسين بالذات في عقد التسعينات.. تيارات من الفساد الجماعي أدت إلى مفارقات صارخة بحق في المجتمع الروسي بين عصابات ومافيات ينعم أفرادها بالمليارات من ثمار الاحتكار.. وبين سقوط ملايين من أبناء الطبقات الوسطى ـ دع عنك الدنيا في هاوية الفقر والإحباط.
من هنا يحمد الروس للثنائي بوتين ميدفيديف سلوك المثابرة من أجل استعادة روح الدولة القوية والشريك الذي ينبغي أن يؤبه به في حسابات القوة سواء على مستوى الاتحاد الأوروبي أو على مستوى العلاقات مع أميركا والعالم الخارجي.
إضاءة
ومن مفارقات الزمن أن يعمد الرئيس الأميركي، وهو مثقف مطلع وأكاديمي سابق.. إلى استخدام لفظ «تقدمي» وهو وصف طالما حفلت به المعاجم السياسية الروسية (وترجماتها العربية بالطبع) أيام الحقبة السوفييتية حين كانت الماركسية هي عقيدتها السياسية على مدار أكثر من سبعين عاما. لكن استخدام أوباما لهذا المصطلح جاء لينصرف إلى معنى أفاض فيه أيضا رئيس أميركا حين أضاف مفسرا أنه يقصد مقدرة وكفاءة ميدفيديف في أن يقود روسيا إلى القرن الواحد والعشرين.
وعندنا أن أوباما كان يعني تماما ما يقول، بمعنى أنه يعقد مقارنة، ولو على سبيل التضمين أو التلميح، بين رئيس روسيا وبين سلفه السيد فلاديمير بوتين رجل الاستخبارات السوفييتية السابق، ورئيس وزراء روسيا الحالي.. الذي لم يتورع أوباما عن أن «يغمز من قناته» كما يقول تعبير البلاغة العربية حين أشار أوباما إلى أن بوتين مازال يضع قدما على طريق التقدم فيما لا تزال قدمه الثانية «على طريق قديم» هو طريق الحرب الباردة.
محمد الخولي
