كرس مؤتمر فتح كما هو متوقع حالة الانقسام القائمة بين الحركة وبين حماس في غزة، بالشكل الذي يزيد المخاوف من المسار الذي ستسلكه القضية الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة في ظل تفاقم هذه الحالة من التباين بل والصراع بين الفصيلين.
وإذا كان إصرار حماس على عدم السماح لممثلي فتح في غزة بالمشاركة في المؤتمر مثل أحد القضايا التي أججت من التلاسن بين الفصيلين على خلفية المؤتمر، فإن أعمال المؤتمر ذاته وما جرى خلاله من مداولات أضاف أبعادا أخرى للخلاف. فمن جهة رفضت الحكومة المقالة بقطاع غزة الموقف الفتحاوى الذي ساد أعمال المؤتمر وأكدت في بيان «أن نجاح مؤتمر فتح وفشله شأن تنظيمي داخلي». ونوهت الحكومة إلى أن الثوابت الوطنية هي ملك لكل الشعب الفلسطيني وهو الذي يحكم على تصرفات وقرارات وبرامج الأحزاب والقوى، وهذا ينسحب على نتائج مؤتمر فتح السادس. ودانت الحكومة المقالة التصريحات والتهديدات التي صدرت عن قيادات لها وزنها في فتح في الضفة الغربية واعتبرت أن الجميع يتحمل مسؤوليته بشأن مستقبل العلاقات بين الحركتين والإقدام على أي خطوة من شأنها تعزيز الانقسام وتكريس الخلاف.
رفض التهديدات... وتابعت الحكومة المقالة في التأكيد على موقفها مشيرة إلى أن ما وصفته بتهديدات بعض المتنفذين في الضفة الغربية بقطع الأموال عن قطاع غزة أمر ليس بجديد، وإنما يمثل استمرارا لنهج محاربة الناس في أرزاقهم وقوت أولادهم وقطع رواتبهم. واعتبرت الحكومة المقالة في غزة أن الأموال حق عام لكل الشعب الفلسطيني لا يجوز لأحد التحكم فيه وإلا مثل الأمر سرقة ونهبا وابتزازا يحق لكل مواطن متأثر بهذا الإجراء التعسفي مقاضاة الجهات التي تقف وراءه. كما دانت الحكومة واستنكرت ورفضت الحملة الإعلامية من بعض وسائل الإعلام ضد الحكومة ووزرائها، الأمر الذي ألمحت معه إلى مسؤولية حركة فتح بالضفة الغربية عنه. وفى ذات الوقت جددت الحكومة المقالة موقفها الداعم للحوار، وجددت دعوتها لضرورة تهيئة الأجواء الميدانية لإنجاح الحوار من إنهاء ملف الاعتقال السياسي، وضرورة أن ينتهي الانقسام، وتعود الوحدة إلى أبناء الشعب الواحد، والحفاظ على الثوابت والحقوق الفلسطينية.
خطاب غير وطني
ووصفت حركة حماس خطاب الرئيس عباس في افتتاح مؤتمر حركة فتح العام السادس بغير الوطني، داعية «فتح» للعودة لحضن البرنامج والمشروع الوطني ونبذ «نهج عباس» لأن «التساوق معه خروج عن الأهداف الوطنية وانحراف عن الثوابت». وقال الناطق باسم الحركة فوزي برهوم الخطاب «صيغ بلغة غير وطنية». وطالب برهوم الفصائل الوطنية بتحديد موقفها بجلاء من «التوجه الخطير لقيادة فتح تجاه القضية»، متهماً عباس ب«التحالف مع الاحتلال ضد المقاومة ومصالح الشعب الفلسطيني»، على حد وصفه.
وطالب مصر بتحمل مسؤوليتها إزاء حديث عباس وقيادات فتح عن إنهاء الحوار، والدعوة لانتخابات في ظل الانقسام. وشدد الناطق باسم الحركة على أن أي انتخابات لا بد أن تجري في ظل الوفاق الوطني وإنهاء حالة الانقسام وتهيئة الأجواء قانونياً وشعبياً لذلك.
وفى بيان أصدرته الحركة قالت حماس ان خطاب الرئيس عباس قلب الأولويات بل شوهها عندما حرص على مدّ الجسور مع العدو الصهيوني عبر التفاوض وخارطة الطريق، بينما سعى جاهداً لإيجاد عدو مشترك جديد لحركة فتح وهي حركة حماس والمقاومة الفلسطينية. وأضافت أن «اختيار عباس أكاذيبه المكررة بعناية تنم عن خبث كبير وتضليل منقطع النظير عندما وصف حماس بالظلامية والإرهاب ومحاولة اغتياله، وغيرها من الأوصاف التي يحرض بها العالم على حماس».
وعدّت حماس خطاب الرئيس عباس تشجيعاَ للحصار المفروض على الحركة عبر «حرص عباس على دق الأسافين بين حماس والفصائل والدول العربية. كما اتهمت حماس خطاب الرئيس عباس بأنه خلا من الخطط العملية للدفاع عن القدس أو وقف الاستيطان أو توحيد الشعب أو رفع الحصار عن غزة.
فتح غير معنية بالحوار
وفيما يشير إلى اتساع الشقة بين الحركتين اعتبر د. سامي أبو زهري المتحدث باسم حركة حماس«تصريحات عزام الأحمد رئيس كتلة فتح البرلمانية بأنها تعكس عقلية حركة «فتح» التي تؤمن بحل الأمور بالحسم العسكري. وكان الأحمد عضو المؤتمر السادس لحركة فتح ورئيس كتلتها البرلمانية دعا إلى إعلان غزة إقليم متمرد بعد أن سيطرت عليه ـ حسب قوله ـ قوة مسلحة واختطفت مؤسساته وأهله. وقال أبو زهري «إن هذه التصريحات تعد تأكيدا من فتح بأنها غير معنية بأي حوار وتعمل على كسب الوقت ليس أكثر». وأضاف:
«أن حركة فتح تستخدم الحوار فقط لتبييض صفحتها بعد تورط قيادتها في حصار غزة والتستر على الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة».
ودعا القيادي في «حماس»كافة الأطراف المعنية للتوقف عند مثل هذه التصريحات، مشدداً على أن من يتحدث بهذه الطريقة عليه أن يتحمل مسؤولية فشل الحوار ومسؤولية أي تعقيد على الساحة الفلسطينية
لا تراجع عن الحقوق
أما مشير المصري أمين سر كتلة التغيير والإصلاح في المجلس التشريعي فقد اعتبر أن التهديدات الأخيرة التي أطلقها قادة من حركة فتح باتخاذ إجراءات ضد قطاع غزة لن تفرض على حركة حماس تراجعا عن حقوق وثوابت شعبها أو انتزاع مواقف سياسية وهي تأكيد أنها لا تمتلك أدنى نوايا صادقة تجاه الحوار الوطني الفلسطيني. ووصف المصري هذه التصريحات بالتساوق الواضح مع تهديدات الاحتلال وتأكيد على تورط قيادات فتح وعلى رأسهم محمود عباس في المشاركة والإمعان في حصار قطاع غزة.
وقال المصري (هذا الحديث باتخاذ إجراءات ضد قطاع غزة هو إمعان في حصار مليون ونصف مليون فلسطيني، ويأتي استكمالا للدور الغير وطني والأخلاقي الذي سلكته سلطة رام الله على مدار ما يزيد عن عامين.
وأشار المصري إلى ان هذه التصريحات تؤكد مدى الانحدار الأخلاقي والوطني لهذه القيادات الفتحاوية والمتمثلة بإعلان الحرب الاقتصادية على غزة بعد ان تورطت بالحرب العسكرية ضد غزة. وتابع:
كذلك تثبت ان حركة فتح لا تمتلك أدنى نوايا صادقة باتجاه الحوار الفلسطيني وأنها ما زالت تصر على العودة لغزة على ظهر دبابة صهيونية. وأكد ان هذه المحاولات يائسة وفاشلة وقد جربها العدو من قبل وفشل).
وعبر المصري عن أسفه الشديد أن تقوم حركة فتح في مؤتمرها السادس بالدعوة إلى إجراءات ضد حماس والمقاومة وقطاع غزة في الوقت الذي لم تجرؤ فيه على اتخاذ أي موقف ضد قادة الاحتلال وقال: المؤسف والمعيب في آن واحد هو ان تتخذ حركة فتح في مؤتمرها قرارات ضد حماس والمقاومة وغزة والشعب الفلسطيني فيما لم تجرؤ باتخاذ أي موقف ضد الاحتلال.
ومن جانبه أكد النائب في المجلس التشريعي عن كتلة التغيير والإصلاح المهندس عبد الرحمن زيدان أن الجولة القادمة من الحوار لن تؤدي إلى مصالحة حقيقية وأن الأمور على الساحة قد تزداد تعقيدا مع انعقاد مؤتمر فتح السادس في بيت لحم، وقال: في الأغلب لن يتم التوصل إلى مصالحة في الجولة القادمة بناء على نتيجة المؤتمر السادس لفتح. ونبه إلى أن الساحة الفلسطينية تشهد حاليا تعقيدات جديدة. وخلص زيدان إلى القول الأمور لا تبدو في طريقها إلى الانفراج على المدى القصير لكن على المدى الطويل سيكون هناك انفراج من خلال تغير بعض الظروف المحيطة بنا.
واعتبر زيدان أن ما يجري على الأرض من شأنه أن يعرقل كل الجهود المبذولة في سبيل ذلك ودعا إلى السعي الجاد لإنجاح الحوار للوصول إلى مصالحة وطنية، واستخدام كافة وسائل الضغط الممكنة من خلال الوسيط المصري ووسائل الإعلام وهيئات حقوق الإنسان المحلية والدولية والصليب الأحمر. ولم يخف زيدان تشاؤمه من تضاؤل فرص وإمكانيات نجاح الحوار في جلساته القادمة.
إضاءة
في بيان أصدرته الحركة قالت حماس ان خطاب الرئيس عباس قلب الأولويات بل شوهها عندما حرص على مدّ الجسور مع العدو الصهيوني عبر التفاوض وخارطة الطريق، بينما سعى جاهداً لإيجاد عدو مشترك جديد لحركة فتح وهي حركة حماس والمقاومة الفلسطينية. وأضافت أن «اختيار عباس أكاذيبه المكررة بعناية تنم عن خبث كبير وتضليل منقطع النظير عندما وصف حماس بالظلامية والإرهاب ومحاولة اغتياله، وغيرها من الأوصاف التي يحرض بها العالم على حماس».
موقف
«الجهاد» الإسلامي يستنكر الاستمرار في المفاوضات العبثية
أكد الناطق باسم حركة «الجهاد الإسلامي» داوود شهاب أن خطاب رئيس السلطة لم يأت بجديد فيما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن عباس ركز على الوضع الداخلي في ظل تسارع وتيرة «الاستيطان» والتهويد وزيادة المخاطر التي تهدد الشعب الفلسطيني وتفاقم الاعتداءات على أبنائه واستمرار الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة. واستنكر شهاب قرار عباس الاستمرار في المفاوضات العبثية مع الكيان الإسرائيلي وهو يعلم أن الشعب الفلسطيني لن يجنيَ منها شيئًا، وعدم بلورة خطة فلسطينية للمواجهة الشاملة ضد مخططات الاحتلال واعتداءاته وسياسته العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني.
كما استنكر تركيزه على المقاومة الشعبية فقط عندما تحدث عن المظاهرات الأسبوعية لبلعين ضد الجدار العازل، في الوقت الذي يمنع فيه المقاومة المسلحة ويختطف المجاهدين من أبناء فصائل مقاومة الاحتلال وإصداره قرارًا بحل «كتائب شهداء الأقصى» الجناح العسكري لحركة «فتح»، مستغربًا حديث عباس عن إنجازات وهمية، كمطالب الأوروبيين والولايات المتحدة بإنشاء دولة فلسطينية.
غزة ـ ماهر إبراهيم


