في مثل هذا اليوم من عام 1945، أعلن الاتحاد السوفييتي المنتصر مع الحلفاء الغربيين على ألمانيا النازية، حرباً على اليابان التي كانت وقتها قد أنهكت قواها العسكرية، وتعيش في كابوس نووي مفجع يتمثل في الغارة الأميركية النووية على مدينة هيروشيما.

قبل 48 ساعة من ضرب المدينة اليابانية بقنبلة ذرية أميركية لن ينساها التاريخ على مر العصور.. اجتاح السوفييت بقوات قوامها مليون مقاتل أراضي منشوريا التي كان يحتلها اليابانيون آنذاك.

كان الاتحاد السوفييتي خلال السنوات الأخيرة للحرب العالمية الثانية قد استطاع أن يقنع حليفيه الرئيسيين في الحرب وهما الولايات المتحدة وبريطانيا بأحقيته في استعادة أراضيه التي احتلتها اليابان أوائل القرن.

في فبراير1945 عقد في مدينة يالتا المؤتمر التاريخي للحلفاء والذي من خلاله أطلق الضوء الأخضر للسوفييت لدخول الحرب ضد اليابان، واستعادة القسم الجنوبي من جزيرة سخالين وجزر الكوريل. فبدأت موسكو عملياتها العسكرية ضد اليابان في الثامن من أغسطس1945.

وتم إنزال القوات السوفييتية على جزر الكوريل. وانتهت الحرب باستسلام اليابان في 2 سبتمبر عام 1945 وأعلن الاتحاد السوفييتي وقتها ضم هذه الجزر إلى أراضيه. وفي العام التالي للحرب (1946) أعاد السوفييت منشوريا ذات المساحة الضخمة التي تزيد على مليون وربع المليون كيلومتر مربع إلى الصين.

ولم تكن الحرب السوفييتية على اليابان في صيف 45 سوى الفصل الأخير من الصراع العسكري الروسي الياباني الذي بدأت فصوله في بداية القرن العشرين. فقد اندلعت حرب روسية يابانية عام 1904. وتمكنت اليابان وقتها من إلحاق الهزيمة بروسيا القيصرية، وسيطرت على شبه صحراء ليادونغ.

بدأت تلك الحرب في 10 فبراير 1904 واستمرت إلى 5 سبتمبر 1905. واندلعت في الأصل بسبب الصراع الاستعماري على كوريا. فروسيا كانت قد اجتاحت تلك المنطقة ورفضت التفاوض مع اليابان لتقسيم مناطق النفوذ. ودون إعلان الحرب، هاجمت اليابان ميناء بورت آرثر في منشوريا وحاصرت الأسطول الروسي.

وفي معركة تسوشيما تحطم الأسطول الروسي الضخم. ولقي الروس هزيمة مريرة. وساعدت هذه الحرب اليابان لتصبح قوة عظمى، وفي الوقت نفسه كانت الهزيمة الروسية من أسباب اندلاع الثورة الشيوعية عام 1917.

وبعد الحرب الروسية ـ اليابانية، قام العسكريون في اليابان بضم شبه الجزيرة الكورية إلى اليابان، وفي عام 1931 تمكنت في أوج قوتها العسكرية من فرض سيطرتها على بقية منشوريا، وكوَّنت مقاطعة مانكوكو. وكانت تلك مرحلة جديدة في توسع الاستعمار الياباني على حساب الأراضي الصينية.

وقتها ادعت اليابان أنها قامت بعمل مشروع وأن منشوريا قد تحررت من السيطرة الصينية. وأتت بآخر سلالة أسرة المانشو فنصبته إمبراطوراً على منشوريا. وتاريخياً كان جنود المانشو في القرن السابع عشر يقومون بغزوات يستولون فيها على أجزاء من الصين.

وقد تمكنوا من السيطرة على الجزء الشمالي عام 1644 وفرضوا سيطرتهم بالتدريج على أجزاء أخرى من الصين، ثم فرضوا حكمهم على الدولة كلها. واستمر حكم المانشو حتى عام 1912، ومنذ ذلك التاريخ أصبح حكام الصين يعدّون منشوريا جزءاً من الصين.

بالنسبة للعلاقات الروسية اليابانية في بداية القرن، فقد لعب الرئيس الأميركي آنذاك تيودور روزفلت دور الوسيط بين روسيا واليابان. وعقد مؤتمر للسلام في بورتسماوث بولاية نيو هامبشاير بالولايات المتحدة عام 1905.

وقد منحت معاهدة بورتسماوث جزيرة سخالين الجنوبية لليابان، وأرغمت روسيا على سحب قواتها من منشوريا. وكان على روسيا أن تعطي اليابان لوشون وليدا، وتركت لها كوريا. وأصبحت منشوريا قاعدة صناعية مهمة لليابان خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. وصارت اليابان القو العظمى المهابة في شرق آسيا ودام هذا الوضع حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

والمثير أن الأميركيين الذين أيدوا روسيا في حربها ضد اليابان في نهاية الحرب الثانية، صاروا خلال الحرب الباردة مع بداية الخمسينات يؤيدون اليابان ضد روسيا في النزاع حول جزر الكوريل الجنوبية.

وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينات، اعترفت طوكيو بأن روسيا هي الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي، وبقيت قضية جزر الكوريل قائمة. هذه الجزر بها ثروات كبيرة من نفط وغاز ومعادن، بالإضافة إلى مخزونها الوفير من الثروة البحرية.

وقد عرضت روسيا على اليابان إعادة جزيرتين من أصل أربع جزر، ولكن اليابان رفضت العرض ومازالت تطالب بكل الجزر. وفي أكتوبر 1993 زار الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين، وتم توقيع بيان طوكيو، الذي أشار إلى التفاوض حول تبعية جزر إيتوروب وكوناشير وهابوماي. واتفقا وقتها على مواصلة المباحثات بهدف توقيع معاهدة السلام في أسرع وقت على أساس مبدأ الشرعية والعدالة.

والمثير أن الجزر التي تسببت في توتر العلاقات، لم تؤثر منذ بداية القرن الجديد على تطوير العلاقات بين البلدين.

إضاءة

تقع منطقة منشوريا في شمال شرق الصين الذي يضم أيضاً أقاليم هيلونجيانج وجيلين ولياوننج وبعض مناطق منغوليا الداخلية. وتبلغ مساحة منشوريا مليوناً و230 ألف كيلو متر مربع، ويسكنها 90 مليون نسمة. ويشكل الصينيون حوالي 90 بالمئة من عدد السكان.

أما سكان البلاد الأصليون الذين يطلق عليهم «مانشو» فلا يشكلون إلا 5 بالمئة من السكان. ويتحدث معظم السكان اللغة المندرينية (وهى الصينية الشمالية). وتتشكل معظم أراضى منشوريا من سهل فسيح تحيط به الجبال التي تغطيها الغابات. وتزخر أراضي منشوريا بالفحم والحديد، وتقوم فيها صناعات الصلب وصناعات أخرى.