في أحدث تصريحاتها إلى وسائل الإعلام (برنامج: «واجه الصحافة» على شبكة إن. بي. سي القومية)، حرصت السيد هيلاري كلينتون، وزيرة خارجية الولايات المتحدة على تأكيد الهدف الذي تتوخاه إدارة أوباما المستجدة في البيت الأبيض.. والذي تلخصه العبارة التالية: إن أميركا عائدة إلى الساحة.

الطريف أن يكتب معلق أميركي هو «بريان نولتون» في جريدة نيويورك تايمز قائلا: كانت تلك رسالة ضمنية تجمع بين أحوال السياسة الخارجية لأميركا وبين الحالة الصحية للوزيرة شخصيا في إشارة إلى أنها تعافت من حادثة كسر مرفقها في يونيو الماضي، ومن ثم فهي بدورها عائدة إلى ساحة الممارسة الفعلية في إدارة السياسة الخارجية لواشنطون.

في نفس التصريحات نفسها تطرقت كلينتون إلى قضايا عديدة مطروحة بإلحاح، وإنْ بدرجات متفاوتة الأهمية على الساحة الدولية.. وبديهي أن يهمنا فيها قضية فلسطين/ إسرائيل.

والحق أن ما استوقفنا تصريح أدلى «جوزيف بايدن» نائب الرئيس الأميركي في أوائل يوليه في إجابته على سؤال بشأن احتمال أن تشّن إسرائيل هجوما على المنشآت النووية في إيران. يومها أجاب بايدن بما معناه أن أميركا لا تستطيع أن تملي على «دولة ذات سيادة (يقصد الكيان الصهيوني) بشأن ما تفعله أو لا تفعله إذا ما كان البلد المعني يرى أن وجوده في خطر».

ومرة أخرى يعلق الكاتب الأميركي بريان نولتون قائلا: هناك من رأي في هذا التصريح نوعا من إضاءة النور الأخضر أمام الإسرائيليين، هذا برغم ما صدر من إنكار من مكتب نائب الرئيس الأميركي شخصيا.

وكان بديهيا أنها تحاصر وسائل الإعلام وزيرة خارجية أميركا كي تبدي رأيها في مثل هذه الملابسات. ويبدو أن أسعفتها في هذا الموقف بداهة المحامي المتمرس ـ وهي المهنة التي درستها ومارستها فجاءت إجابتها أشبه بمحاولة للملاحة في بحرين أو الدق على وترين حين قالت: كل ما هنالك أن نائب الرئيس كان يؤكد حقيقة واقعة من حيث إن إسرائيل «دولة ذات سيادة» ولها الحق في تأمين وجودها.

ثم عند الطرف الآخر من محاولة التعادل أو التوازن أردفت وزيرة الخارجية الأميركية معربة عن أملها في أن توافق إسرائيل إلى «أن الطريق السليم والمفضل» هو التعامل مع الشأن النووي الإيراني بإتباع أسلوب «الدبلوماسية شديدة التكثيف على أساس تجميع كل أطراف المجتمع الدولي على صعيد مشترك» في معرض التعامل مع هذه القضية.

هذه المسارات المتباينة

وعندنا أن هذا الشد والجذب أو هذا التباين في التوجهات ومن ثم في التصريحات عند أعلى مستوى القرار الأميركي في مضمار السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، إنما يعكس أبعاد المشاكل التي ما برحت تواجهها إدارة أوباما في إطلالتها التي تحاول أن تكون ناشطة وفعالة لدى تناولها هذه القضايا التي تؤثر على مكانة أميركا ودورها القيادي بشكل خاص فضلا عن تأثيرها على السلام والأمن ومن ثم التنمية والتطور في الشرق الأوسط وفي العالم بشكل عام.

وإذا كان من حسن حظ هذه القضايا، سواء كانت إقليمية (في الشرق الأوسط) أو كانت دولية أن تناهت إلى أيدي إدارة واعدة ومتحمسة، هي إدارة باراك أوباما، فإن سوء الحظ المّ بها من الناحية الأخرى بفعل وثوب إدارة جديدة إلى مقاليد السلطة في الكيان الصهيوني وقد جسدها ائتلاف حزبي يجمع بين اليمين السياسي والتعصب الديني والحقد العنصري والتوجه الإمبريالي وأطماع التوسع الإقليمي على نحو ما تجسده حتى الآن حركة بناء المستعمرات العنصرية على حساب الأرض العربية في الضفة الغربية من فلسطين.

دراسة مراسل بريطاني

من أحدث ما طالعنا مؤخرا تلك الدراسة التي نشرها «جوناثان ماركوس»، المراسل الدبلوماسي لهيئة الإذاعة البريطانية ويتميز بمتابعته للشأن الفلسطيني ـ الإسرائيلي وهي منشورة في عدد يوليه 2009 من دورية «واشنطون كوارترلي» الصادرة في العاصمة الأميركية وتعمد إلى إضافة مجموعة أخرى من أسباب التعقيد التي تواجهها الإدارة الأميركية الحالية وهي بصدد التعامل مع قضية الشرق الأوسط.

وفي رأي الصحافي البريطاني أن الشرق الأوسط كثيرا ما يتداخل أو يتنافس مع قضايا وساحات أخرى على اهتمامات المنظومة الحاكمة حاليا في واشنطون. وفي مقدمة تلك القضايا الوضع في العراق وساحة أفغانستان وتوترات الحدود الباكستانية ـ الأفغانية.

ويتخذ هذا الجانب طابع الإلحاح الشديد بحكم وجود قوات أميركية من جنود وضباط في حالة قتال على الأرض، دع عنك تأزم أحوالهم في الآونة الأخيرة من حيث تعرضهم لهجمات عديدة ومكثفة من جانب عناصر طالبان، فضلا عن الاتفاق الملياري المستمر على المجهود الحربي في تلك المنطقة الواقعة على أقصى حواف الشرق الأوسط وهو نزيف مالي لا يعرف أحد متى يتوقف.. فما بالك بأنه نزيف مستمر في غمار أزمة مالية ـ وآفة ركود اقتصادي لم تشهد أميركا مثيلا له منذ أزمة الثلاثينات الخانقة التي وقعت مع أوائل الثلاثينات من القرن العشرين.

يلفت أنظارنا في هذه الدراسة ما يلمح إليه كاتبها حين يقول: إن نتانياهو لديه أسباب قوية لكي يبذل قصارى ما في وسعه كي يتجنب أي مواجهة مع أوباما.. لماذا؟ لأن الديناميات المحركة داخل الجماعة اليهودية داخل أميركا في حال من التغير..

فليس من سبيل أمام حكومة إسرائيل الراهنة أن تتوقع تأييدا على طول الخط من جانب كل شرائح يهود أميركا، خاصة وقد أصبحت التركيبة الحاكمة في إسرائيل تضم جماعات من غلاة المتعصبين في مقدمتهم «إسرائيل بيتنا» (التي يمثلها ليبرمان إياه الذي لم يختاروه سوى لمنصب تمثيل هذه التركيبة الصهيونية على المسرح الدولي وزيرا للخارجية). مع هذا كله، فلا تزال إدارة أوباما تحاول التحرك على مسار معقول في الاقتراب من قضية الشرق الأوسط.

في مواجهة الجمهورية

ولما كانت السياسة الخارجية تعد عناصر مكملا مع السياسة الداخلية ومتداخلا معها.. فلم يفت صحيفة «غارديان» البريطانية (عدد 27/7) أن تلاحظ أن الرئيس أوباما يريد نتائج إيجابية في هذا الميدان من ميادين السياسة الخارجية بعد أسبوع في غاية الصعوبة واجهه أوباما في غمرة ما لاقته سياسته الداخلية من انتقادات بعضها جاء أقرب إلى القذائف السياسية وجهت من جانب الجمهوريين ضد مقترحات أوباما بشأن تعميم نظام الرعاية الصحية التي جاءت وسط قسوة الأزمة المالية والعسر الاقتصادي الذي لم تفلح مليارات التحفيز أو التنشيط في تخفيف وطأتهما حتى الآن عن كاهل ملايين الأميركيين.

وخاصة أولئك الذين فقدوا وظائفهم حيث سجلت إحصاءات وزارة العمل معدلا للبطالة مع أوائل يوليه يكاد يقترب من العشرة في المائة وهو رقم كفيل بأن يدق كل أجراس الإنذار في جنبات منظومة الاقتصاد الأميركي بشكل عام.

نفس النظرة إلى ظاهرة التكامل هي التي ينطلق منها مخططو السياسة الخارجية في واشنطون في ضوء تصورهم أن تحقيق قدر من النجاح على المسار السوري، سواء من خلال محادثات ميتشيل في دمشق أو من خلال تهيئة السبيل لاستئناف جهود ما وصف بأنه مفاوضات ـ أو محادثات سورية ـ إسرائيلية غير مباشرة بوساطة تركية.

ويكفي أن ميتيشل عمد إلى زيارة دمشق مرتين في غضون شهر واحد، فضلا عن ثنائه على مجمل أوضاعها حين صرح بما معناه بأن سورية بلد باركته السماء. أفراد موهوبين وتاريخا عريقا بالغ التأثير.

نلاحظ أيضا تركيز ميتشل على أن واشنطون مصممة على التوصل إلى ما يصفه بأنه «سلام شامل في الشرق الأوسط» بمعنى سلام بين إسرائيل وكل من فلسطين وسوريا ولبنان ومن ثم فهو يخلص إلى المطالبة بما يسميه «علاقات طبيعية مع جميع دول المنطقة»، ثم يحترس مضيفا في حذق دبلوماسي وسياسي لا يخفى أن هذا هو ما تدعو إليه «مبادرة السلام العربية».

أميركا تحقق مصالحها

ومرة أخرى فنحن نرى أن على الطرف العربي أن يتعامل مع كل هذه المبادرات التي يتخذها البيت الأميركي الأبيض على أساس أنها ليست مجرد مروءة أخلاقية ولا شهامة سياسية بقدر ما أن تحقيق هدفها الأقصى المتمثل في سلام شامل بالمنطقة إنما يصّب في التحليل الأخير في تعزيز المصالح القومية العليا للولايات المتحدة ذاتها.

وبالمناسبة فهذا ما يذهب إليه اثنان من أهم الخبراء السياسيين العارفين بأبعاد وتطورات قضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وهما الأستاذان حسين أغا الباحث الأقدم في جامعة أكسفورد وزميله روبرت ماللي الذي عمل مساعدا خاصا للرئيس الأسبق كلينتون متخصصا في الشؤون العربية ـ الإسرائيلية.

نشر الأستاذان أغا وماللي دراستهما في مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» (عدد يوليو 2009) ليؤكدا أولا على حل الدولتين ويؤكدا ثانيا على ضرورة ممارسة أكبر قدر من الضغط على كلا الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني لقبول الحل المذكور الذي يعرفان أنه سيكون في إطار حدود 1967 ولكن مع ضرورة التعامل بصراحة ووضوح مع أصول المشكلة ـ كما يؤكدان أيضا ـ التي ترجع إلى عام 1948، وفي مقدمة هذه الأصول قضية اللاجئين وضرورة وضع نهاية لتلك المعاناة التي طال أجلها وتحملتها أجيالهم عبر عقود عديدة من السنين على أن يتم هذا كله من منطلق تفهم المطالب المشروعة..

ذات الأولوية القصوى على نحو ما تشير هذه الدراسة حرفيا وكلها تتعلق بما ظل الفلسطينيون يتعرضون له من «نزع ممتلكاتهم وطردهم من ديارهم.. وتشتيت شملهم.. فضلا عما تعرضوا له (على يد الصهاينة) من مذابح وتمييز واحتلال وحرمان من كرامة الإنسان والإمعان بغير هوادة في اغتيال زعمائهم، إضافة إلى مداومة تحطيم كيانهم السياسي».

ليس مطلوبا من أوباما ـ تضيف هذه الدراسة ـ أن يحاكي سلفه بوش في ترديد عبارة الدولتين بمناسبة وبغير مناسبة دون أن يحقق شيئا مذكورا.. لكن المطلوب من إدارة أوباما كما يطلب صاحبا الدراسة أن تتبع نهجا موضوعيا يجمع بين عنصرين جوهريين في أي عمل سياسي وهما:

ـ البراغماتية: بمعنى الجانب العملي بعيدا عن الشعارات الطنانة أو التعلل بالأمنيات.

ـ والصبر بمعنى التأني في الحركة وعدم الاندفاع وراء تعجّل الإنجازات مع الحفاظ على ائتلاف دولي واسع تستند إليه هذه الحركة بحيث يضم كل الأطراف الفاعلة ما بين العالم العربي إلى روسيا إلى الاتحاد الأوروبي.

إضاءة

من أحدث ما طالعنا مؤخرا تلك الدراسة التي نشرها «جوناثان ماركوس»، المراسل الدبلوماسي لهيئة الإذاعة البريطانية ويتميز بمتابعته للشأن الفلسطيني ـ الإسرائيلي وهي منشورة في عدد يوليو 2009 من دورية «واشنطون كوارترلي» الصادرة في العاصمة الأميركية وتعمد إلى إضافة مجموعة أخرى من أسباب التعقيد التي تواجهها الإدارة الأميركية الحالية وهي بصدد التعامل مع قضية الشرق الأوسط.

وفي رأي الصحافي البريطاني أن الشرق الأوسط كثيرا ما يتداخل أو يتنافس مع قضايا وساحات أخرى على اهتمامات المنظومة الحاكمة حاليا في واشنطون. وفي مقدمة تلك القضايا الوضع في العراق وساحة أفغانستان وتوترات الحدود الباكستانية ـ الأفغانية..

محمد الخولي