جاءت جولة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشيل الأخيرة لعدد من دول المنطقة بهدف بحث عملية السلام في الشرق الأوسط وإمكانية استكمال الجهود الأميركية والدولية لبدء المفاوضات السلمية بين الدول العربية وخاصة سوريا وفلسطين مع إسرائيل وإقناع إسرائيل بالتوقف عن بناء المستوطنات في القدس والضفة الغربية.
غير أن الجديد في زيارة ميتشيل الأخيرة أن مطالبته بوقف الاستيطان الإسرائيلي واستئناف عملية السلام اقترنت بدعوته الدول العربية لاتخاذ تدابير لإجراء تطبيع مع إسرائيل من أجل تسهيل إطلاق مفاوضات للسلام على المسارات العربية ـ الإسرائيلية كافة بحسب مطالبة المبعوث الأميركي، وهو ما اعتبره عدد من الخبراء والمراقبين والسياسيين مداعبة لأحلام وطموحات تل أبيب لاكتساب ثقتها بعد نجاحه في اكتساب ثقة الأطراف العربية فيما يعرف بسياسة «اللعب على الحبال» على خلفية خبراته السابقة في أيرلندا.
لا تنازلات عربية ... في البداية، قال الأمين العام المساعد للجامعة العربية لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة السفير محمد صبيح «إن ميتشيل عبر خلال الزيارة على جدية الإدارة الأميركية في موالاة ما ذكره الرئيس باراك أوباما وبالذات في قضية المستوطنات وحل الدولتين والمفاوضات»، إلا أنه انتقد ما تضمنه تناول ميتشيل لدعوة الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل خلال هذه الجولة. وأضاف صبيح «إن الجامعة والدول العربية أكدت على ضرورة الإلتزام برزمة الحل كما ورد بخارطة الطريق باعتبارها الخطوات التي يجب أن يقوم بها الجميع والمتفق عليها إقليميا ودوليا وتمسكها كذلك بمبادرة السلام العربية التي بها الكثير من الأبواب التي يجب طرقها وفتحها». وأشار إلى أن الدول العربية لا تقبل بأن تكون خطوات التطبيع مهما كانت رمزية بلا مقابل أو مكافأة على التعنت الإسرائيلي أو استدراج تنازلات عربية إضافية.
وقال «إن العرب يريدون أن يتأكدوا من جدية وفاعلية المساعي الأميركية وقدرتها على التأثير على نهج الحكومة الإسرائيلية الحالية خاصة فيما يتعلق بمشكلة الإستيطان». وتابع «أن العرب يريدون أيضاً التعرف على الخطة الأميركية لتحقيق السلام في المنطقة وتصور الحل النهائي وآليات تنفيذها والحدود الزمنية التي ستلتزم بها واشنطن لتحقيق أهداف الخطة».
ونوه إلى أنه في الوقت الذي تطالب واشنطن الدول العربية بخطوات تطبيعية تقابل وقف الاستيطان الإسرائيلي وفق صيغة يجري البحث عنها بين الأميركيين والإسرائيليين، فإن العرب يطالبون بأن تأتي الخطوات العربية تالية لعملية تجميد الاستيطان وبدء العملية السلمية والتأكد من مصداقية إسرائيل في التوصل إلى تسوية قائمة على مبدأ الدولتين وليس قبل ذلك، مع التشديد على أهمية أن تعود الضفة الغربية إلى ما كانت عليه قبل الانتفاضة الثانية.
حجج أميركية
ومن جانبه، شدد نائب سفير فلسطين بالقاهرة وممثل حركة فتح لدى مصر السفير الدكتور بركات الفرا على أهمية الدور الأميركي والزخم الذي تعطيه الإدارة الأميركية الجديدة لعملية السلام في الشرق الأوسط وقدرة ذلك على حلحلة الموقف الإسرائيلي المتعنت والرافض للسلام والساعي إلى نسف أية تسوية سلمية يمكن التوصل إليها من خلال الخطوات المتشددة التي تتخذها الحكومة اليمينية الحالية سواء بالتوسع في عملية الاستيطان في القدس والضفة الغربية أو محاولات طمس هوية القدس وفرض سياسة الأمر الواقع ورفض حق العودة للاجئين أو الشروط المرفوضة التي أعلنها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو لإقامة الدولة الفلسطينية أو من خلال خنق قطاع غزة وحصاره ومحاولات القضاء على الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية.
وقال الفرا «إن نجاح الدور الأميركي مرهون بقدرته على ممارسة الضغوط على تل أبيب وحملها على الالتزام بتعهداتها وبمقررات الشرعية الدولية وخارطة الطريق والاتفاقات السابقة وخاصة اتفاق أوسلو وعدم الالتفاف على أية اتفاقيات لاحقة والنكوص عليها كعادة إسرائيل»، مشيراً إلى أنه بدون تحقيق هذا الضغط وبدون إلزام إسرائيل بالانصياع لمقررات الشرعية الدولية فلا أمل في السلام في الشرق الأوسط ولن تستطيع أية دولة إجبار الدول العربية أو الإسلامية على قبول التعايش مع إسرائيل أو قبولها في المنطقة.
وحول دعوة المبعوث الأميركي جورج ميتشيل للدول العربية للتطبيع مع إسرائيل، قال الفرا «إن ميتشيل برر هذه الدعوة بحجتين إثنتين، الأولي أنه يستهدف من وراء ذلك مساعدة الرئيس الأميركي باراك أوباما في المواجهة التي يخوضها مع الحكومة الإسرائيلية اليمنية وأنه يتعين على الدول العربية إذا أرادت الإستفادة من الزخم الدبلوماسي الذي تبديه الإدارة الأميركية ألا تقف مكتوفة الأيدي وأن تبادر إلى التحرك حتى يتبين أن واشنطن لا تضغط فقط على إسرائيل وهي الحجة التي يختبئ وراءها أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية لمحاربة الرئيس أوباما».
وأضاف «أن الحجة الثانية تقوم على أن المبادرة العربية التي تري فيها واشنطن أحد اطر ومرجعيات السلام بقيت بعد سبع سنوات من إطلاقها فارغة وأنه بالتالي قد حان الوقت من أجل تفعيلها وإعطائها مضمونا عمليا وأن هذا ما يسعي ميتشيل إليه من خلال مقترحه حسب قوله». وفيما يتعلق بالموقف العربي من دعوة ميتشيل للتطبيع مع إسرائيل، شدد الدبلوماسي الفلسطيني على أن الموقف العربي واضح ومحدد ومعروف من أنه لا يوجد تطبيع مجاني مع إسرائيل وأن إسرائيل لم تفعل ما يمكن أن تكافئها الدول العربية عليه بالتطبيع، وأن الدول العربية سبق وأن أبدت الكثير من حسن النية للجانب الدولي والإسرائيلي غير أن إسرائيل لم تقدم للعرب إلا ما يثير مخاوفها وقلقها والنظر للجانب الإسرائيلي بعين الريبة والشك والحذر وبالتالي فعلى إسرائيل أولا أن تثبت حسن نيتها وأن تقدم خطوات ملموسة تؤكد مصداقيتها وتقنع الدول العربية برغبتها الحقيقية في تحقيق السلام على أساس مبدأ الدولتين، وبدون ذلك فلا يمكن أن ينتظر أحد من الدول العربية خطوات تطبيع جديدة.
ميتشيل والمسار السوري
أما خبير الشؤون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عماد جاد فيرى أن جولة ميتشيل الأخيرة أحدثت بعض التقدم على المسار السوري، مشيرا إلى أنه على ما يبدو أن الجانبين السوري والإسرائيلي أصبحا أكثر قابلية لإستئناف مفاوضات السلام غير المباشرة بينهما بعد الجهود التي يبذلها في ذلك الإطار المبعوث الأميركي والتي تزامنت مع جهد مماثل لتركيا باعتبارها وسيط للمفاوضات غير المباشرة التي كانت قائمة قبيل الإعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة في ديسمبر الماضي والتي توقفت بسبب الإعتداءات الإسرائيلية.
وقال جاد «إن الزيارة أحدثت انفراجة في العلاقات بين دمشق وواشنطن»، لافتا إلى أن نتائج هذا التقارب ستظهر خلال الأشهر القليلة المقبلة وأن هذا التقارب من شأنه أن يحدث الكثير من التقدم في العديد من الاتجاهات سواء في اتجاه العلاقات اللبنانية السورية أو السورية العراقية أو حتى السورية الإسرائيلية وكذلك السورية الغربية وخاصة مع الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وهو ما سيكون له انعكاسات ايجابية على مجمل العلاقات السورية العربية».
وأضاف «أن ميتشيل بعد أن نجح في اكتساب ثقة وتقدير الجانب العربي في جولاته السابقة حاول خلال هذه الجولة أن ينال ثقة وتأييد الجانب الإسرائيلي خاصة بعدما تعرض لإنتقادات شديدة من الأوساط الصهيونية المؤيدة والمساندة لإسرائيل في الولايات المتحدة ولذلك حرص خلال جولته على التأكيد على أهمية إقدام الدول العربية على التطبيع مع إسرائيل ولو جزئيا لتشجيع إسرائيل على اتخاذ خطوات ايجابية تجاه العملية السلمية على مختلف المسارات».
ولفت إلى أن جهود ميتشيل لتحقيق السلام في المنطقة لابد وأن يصاحبها مواقف عربية وفلسطينية محددة لإستثمار الزخم الأميركي وجهود ميتشيل في المنطقة من خلال بلورة موقف عربي موحد ولا يشترط أن يتضمن هذا الموقف العربي تنازلات جديدة وإنما يمكن أن تكون هناك حزمة حوافز مستقبلية أو مرحلية وبلورة رؤية جديدة للتفاوض مع إسرائيل بعيدا عن «الإسطمبات» والأكليشهات العربية المعروفة والاجتماعات التي تعقد وتنفض دونما تحقيق أي نتائج سوي تحقيق المزيد من الخلاف والتشرذم وأن تكون الرؤية العربية مرتبطة بلغة المصالح وعلاقات المصالح العربية الأميركية أولا ثم العربية الإسرائيلية ثانيا.
وتابع «أن ذلك الموقف العربي وتلك الرؤية العربية التي يجب صياغتها لابد وأن يصاحبها أو يسبقها وحدة الموقف الفلسطيني وإنهاء حالة الإنقسام ووقف التشرذم ووضع حد للحرب الفلسطينية الدائرة رحاها منذ فترة والتي هي مرشحة للمزيد من التطور والتراجع».
التحرك الأميركي واللوبي الصهيوني
وبدوره، شدد رئيس لجنة الشؤون العربية بمجلس الشعب المصري «البرلمان» اللواء سعد الجمال على أهمية الجهود التي يبذلها المبعوث الأميركي للشرق الأوسط والاستفادة من الزخم الذي تعطيه الإدارة الأميركية برئاسة الرئيس باراك أوباما لقضية السلام في المنطقة العربية التي تشهد تراجعا مستمرا في فرص السلام بسبب التعنت الإسرائيلي والمواقف المتشددة التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية اليمنية برئاسة نتانياهو والمتمثلة في الشروط غير المقبولة لإقامة الدولة الفلسطينية وعدم القبول بعودة اللاجئين الفلسطينيين.
وأكد الجمال ضرورة أن يوحد العرب كلمتهم وينهي الفلسطينيون انقساماتهم التي لا تصب إلا في مصلحة إسرائيل قبل أي طرف أخر وتعطي المبرر لها للهروب من استحقاقاتها الدولية ووضع العراقيل أمام جهود السلام واستكمال مخططاتها لفرض سياسة الأمر الواقع وطمس هوية القضية الفلسطينية والقضاء عليها.
واستبعد الجمال أن تكون دعوة ميتشيل للدول العربية للتطبيع مع إسرائيل يمثل نكوصا على توجه الإدارة الأميركية في المنطقة، مؤكدا أن ميتشيل باعتباره وسيط سياسي له خبرات سابقة في هذا المجال طويلا لابد وأن يداعب مطالب وأحلام وطموحات جميع الأطراف حتى تلين مواقفها ويضمن استجابتها لمساعيه التي يبذلها لحل القضايا المختلفة والمتشابكة في منطقة الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن قضية عمرها أكثر من ستين عاما لا يجب أن نتوقع أن يتمكن ميتشيل من حلها خلال أياما معدودة ولا بد أنها ستأخذ بعض الوقت وستضمن بعض التنازلات من الأطراف المختلفة حتى يتم إحلال السلام، مشددا على أن حجم التنازلات العربية محكومة بقدرة العرب على إدارة الصراع وإدارة المفاوضات التي يتوسط فيها ميتشيل.
إضاءة
فيما يتعلق بالموقف العربي من دعوة ميتشيل للتطبيع مع إسرائيل، شدد الدبلوماسي الفلسطيني الدكتور بركات الفرا على أن الموقف العربي واضح ومحدد ومعروف من أنه لا يوجد تطبيع مجاني مع إسرائيل وأن إسرائيل لم تفعل ما يمكن أن تكافئها الدول العربية عليه بالتطبيع، وأن الدول العربية سبق وأن أبدت الكثير من حسن النية للجانب الدولي والإسرائيلي غير أن إسرائيل لم تقدم للعرب إلا ما يثير مخاوفها وقلقها والنظر للجانب الإسرائيلي بعين الريبة والشك والحذر وبالتالي فعلي إسرائيل أولا أن تثبت حسن نيتها وأن تقدم خطوات ملموسة تؤكد مصداقيتها وتقنع الدول العربية برغبتها الحقيقية في تحقيق السلام علي أساس مبدأ الدولتين، وبدون ذلك فلا يمكن أن ينتظر أحد من الدول العربية خطوات تطبيع جديدة.


