«مصر هبة النيل».. يبدو أن هذه الهبة التي تحدث عنها هيرودوت، باتت محل نزاع وخلاف الآن بين مصر دولة المصب مع السودان ودول المنبع الإفريقية التي تطالب حالياً بإعادة النظر في الحصة التاريخية لمصر من مياه النهر التي تصل إلى 5 .55 مليار متر مكعب سنوياً، يعيش عليها نحو 80 مليون مصري.
الخلاف الذي دب بين دول حوض النيل، على مياه النهر، ليس وليد اليوم، ولكنه يعود إلى ما بعد الحقبة الاستعمارية التي عاشتها القارة الإفريقية، غير أن التصعيد الذي شهده ذلك الخلاف في الأيام الأخيرة، لا يدعو إلى القلق فقط، وإنما إلى التحذير من نزاع قد ينفجر في أية لحظة إذ لم تتوصل دول المصب ودول المنبع إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف.
جوهر الخلاف أن دول منابع النيل سواء في هضبة البحيرات أو الهضبة الإثيوبية، تريد التوصل إلى اتفاق جديد مع دول المصب «مصر والسودان» يضمن لها إقامة مشروعات مائية بغض النظر إن كانت تحفظ لدولتي المصب حصتهما المائية السنوية، وهو ما ترفضه القاهرة والخرطوم بشدة، وتدعوان إلى اتفاقية تتضمن بنودها ثلاثة أحكام رئيسية:
أولها يضمن الإقرار بالحقوق التاريخية المكتسبة من مياه النهر لمصر والسودان، وعدم المساس بهذه الحقوق (5 .18 مليار متر مكعب للسودان، و5 .55 مليار متر مكعب لمصر) في إطار الأمن المائي لجميع دول حوض النيل.
وثانيها ـ ضرورة الإخطار المسبق لدول المصب بأي إنشاءات ومشروعات تقام على النهر وفروعه بما يضمن تدفق مياه النهر دون عوائق باعتبار أن نهر النيل يخص جميع دول حوضه.
وثالثها ـ التزام كل دول حوض النيل باحترام قاعدة التصويت بالإجماع عند نظر تعديل أي من البنود الأساسية للاتفاقية التي تمس مصالح دول الحوض وأمنها المائي، أما البنود الأخرى الأقل أهمية فيمكن التصويت عليها وفق قاعدة الأغلبية المطلقة على أن تكون دولتا المصب، مصر والسودان ضمن هذه الأغلبية المطلقة.
هذه الشروط التي لا تلقى قبولاً من دول منابع النيل، كانت محل نقاش وشد وجذب في أكثر من لقاء لوزراء ري دول حوض النيل، وآخرها الاجتماع الذي شهدته مدينة الإسكندرية الأسبوع الماضي، ووصل الأمر إلى تسريبات نشرتها بعض الصحف المصرية، عن اعتزام مصر والسودان الانسحاب من الاتفاقية الجديدة بشأن النهر، في ضوء الحديث عن نية دول المنبع التوقيع عليها من دون مصر والسودان.
لا أحد ينكر حق كل دولة من دول حوض النيل ان تسعى إلى تعظيم فائدتها من المياه، غير ان هناك العديد من السبل لتحقيق هذا الأمر، من دون الإضرار بمصالح الدول الأخرى، خاصة إذا علمنا أنه باستثناء مصر التي تعتمد إعتماداً كاملاً على مياه النيل، فإن دول حوض النهر التسع الباقية يقع جميعها داخل حزام الأمطار وتعتمد في زراعتها على المطر وليس الري، كما أن هناك أنهاراً عديدة في دول المنبع غير مستغلة، ولا تتم الاستفادة منها بالشكل الأمثل.
بقيت الإشارة إلى ان مصر أكثر المتأثرين سلباً في حالة عدم التوصل إلى اتفاق بين دول حوض النيل، تدفع الآن ثمن غيابها الفاعل لسنوات طويلة عن القارة الإفريقية، بعد ان أدارت ظهرها للجنوب تطلعاً إلى الشمال الأوروبي، فحق عليها تسديد الفواتير المؤجلة.
