تتّسم العملية التفاوضية بين الجانبين السوري والإسرائيلي بعّدة ميزات، فهي تتميّز، أولاً، بأنها تنطلق من نقطة النهاية، أي أنها حددت، مسبقا، الهدف (وهو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من هضبة الجولان) وتركت التفاصيل للمفاوضات؛ بخلاف الوضع مع الفلسطينيين حيث ثمة إغراق بالتفاصيل من دون تحديد مآل الوضع النهائي.
ثانياً، أنها تتم على رزمة قضايا فإما اتفاق كامل أو لا اتفاق. ثالثاً، أن جوهر الصراع مع سوريا، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا يتم على الأراضي (كما مع الفلسطينيين)، وإنما على ترتيبات العلاقات الثنائية والتعاون الإقليمي وضمانات الأمن والجدول الزمني. رابعاً، أن الطرفين يعرفان مسبقا ما يتوجب عليهما عمله لإنهاء حال الحرب، والشروع بتأسيس علاقات عادية بينهما، بمعنى أن كلا منهما يعرف مسبقا الثمن الذي يتوجب دفعه.
فإسرائيل تدرك أن ثمن السلام مع سوريا يتلخّص بانسحابها من كامل هضبة الجولان، وتدرك سوريا في المقابل بأن إسرائيل تريد علاقات سلامية كاملة معها، وعدم ممانعتها علاقات التطبيع والتعاون الشرق أوسطي.
وبديهي أيضا أن لإسرائيل طموحات أبعد من ذلك، فهي تتوخّى من سلامها مع سوريا إيجاد بيئة إقليمية أكثر أمنا لها. بمعنى أنها تأمل أن تؤدي مفاعيل التسوية مع سوريا، إلى تجفيف، أو تخفيف، علاقات سوريا مع كل من إيران، وحزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين.
ومعلوم أن وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية ظلت تتأسس على الاستعداد للتسوية مع سوريا في حال التزمت هذه ببعض المتطلبات (أو الشروط)، التي من ضمنها عدم العودة إلى حدود الرابع من حزيران، أو القبول بإجراء مفاوضات حول الحدود (تبادل أراضي ـ تأجير أراضي ـ ترتيبات مائية).
فيما بعد، أي بعد تغير البيئة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، لاسيما بعد الاحتلال الأميركي للعراق (2003) تزايدت الشروط الإسرائيلية للتسوية مع سوريا، وبات لها شروطا إقليمية أيضا، ضمنها، مثلا، وقف دعم سوريا «حزب الله»، و«حماس»، وإنهاء تدخلاتها في الشؤون اللبنانية، والتجاوب مع المتطلبات الأميركية بشأن الترتيبات الجارية في العراق، وتحجيم علاقتها مع إيران.
وطوال الفترة الماضية ظلت سوريا ترفض الشروط والاملاءات الإسرائيلية، وتطالب بأولوية انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وفق مبدأ «الأرض مقابل السلام»، في حين أبدت في بعض المحطات استعدادها لقيام علاقات سلام عادية بعد استعادة أراضيها.
قضايا المفاوضات
ويتضمن جدول المفاوضات بين الطرفين السوري ـ الإسرائيلي عدة قضايا، أولها، مسألة انسحاب إسرائيل من هضبة الجولان السورية المحتلة.
وهنا تحاول إسرائيل المناورة بين الانسحاب من الجولان وانسحاب في الجولان، بدعوى الاحتفاظ ببعض المرتفعات لاعتبارات أمنية (وفق نظام التبادل أو التأجير) في حين ترفض سوريا ذلك رفضا باتا. وثانيها، تحديد جدول زمني للانسحاب ففي حين تحاول إسرائيل المماطلة في هذا المجال تؤكد سوريا على ضرورة تحديد فترة زمنية وجيزة للانسحاب.
وثالثها، يتعلق بالترتيبات الأمنية، ففي حين تحاول إسرائيل الإبقاء على محطات إنذار في الأراضي السورية، التي ستنسحب منها، وضمان عودة القوات السورية إلى الخلف وتحديد نمط تسلحها، فإن سورية ترفض هذه الطلبات وتطالب بإجراءات أمنية متبادلة.
ورابعها، يتعلق بالحاجات المائية حيث تطالب إسرائيل بعدم قيام سوريا بأي إجراء في هذا المجال يحد من واردات إسرائيل من مياه الهضبة، وفي هذا المجال فإن سورية تؤكد استعدادها لبحث توافقات معينة في هذا الأمر. وخامسها، يتعلق بالتطبيع، فبينما تطالب إسرائيل بعلاقات تطبيعية كاملة (تبادل سفارات ـ تجارة ـ سياحة ـ تعاون إقليمي) فإن سوريا تؤكد استعدادها لإقامة علاقات عادية بعد استعادة الجولان المحتلة.
مسار المفاوضات
وكانت المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية انطلقت من مؤتمر مدريد للسلام (1991)، وبعدها عقد الوفدين الإسرائيلي والسوري عدة جولات تفاوضية في الفترة من 1992 ـ 1996، أي إلى حين وصول حزب الليكود (بزعامة نتانياهو إلى السلطة)، تم خلالها التوصل إلى بعض التفاهمات بشأن «أهداف ومبادئ ترتيبات الأمن»، بين سوريا وإسرائيل، أطلق عليها مصطلح «اللا ورقة»؛ على أساس أن المطلوب التوصل إلى اتفاق كامل أو لا اتفاق.
وفي حينها أيضا تم تظهير ما عرف باسم «وديعة رابين»، التي تعهد فيها رئيس الحكومة الإسرائيلية (الأسبق) بانسحاب إسرائيل من كامل هضبة الجولان (إلى حدود الرابع من يونيو) مقابل ترتيبات يتفق عليها؛ وهذا التعهد الذي أثار جدلا كبيرا، كان نقله وارن كريستوفر (وزير الخارجية الأميركية في حينه) إلى الرئيس حافظ الأسد (يوليو 1994).
ومعلوم انه تم إجهاض هذا التعهد باغتيال رابين (1995) وبصعود حزب الليكود إلى السلطة في إسرائيل (1996)، وتعثر عملية التسوية بعدها، وأيضا بمحاولة إنكاره من قبيل اليمين المتطرف في إسرائيل؛ كما يحصل الآن. وخلال هذه الفترة دخل الرئيس السوري (الراحل) حافظ الأسد على الخط، حيث تطرق في لقاء القمة الذي جمعه (يناير 1994) بالرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، إلى استعداد سوريا لإقامة «علاقات سلام طبيعية» مع إسرائيل، بعد انسحاب هذه من كامل الأراضي السورية المحتلة.
كما عقد وقتها رئيسا أركان إسرائيل (ايهود باراك) وسورية (حكمت الشهابي) جولتين من المفاوضات بينهما (أواخر العام 1994 وفي يونيو 1995). كما تم عقد جولتي مباحثات بين الطرفين في واي بلانتيشن (27 ديسمبر 1995) ثم في 24 و26 (يناير) 1996 لم تسفرا عن تقدم ملموس.
اللعب على المسارات
وفي كل الأحوال فإن إسرائيل كانت دوما تتذرع بانشغالها بالمفاوضات على المسار الفلسطيني، وإعطائها أولوية له على المسارات الأخرى، بدعوى عدم إمكانيتها هضم اتفاقين للتسوية في آن واحد؛ وهي ذريعة مكشوفة كون إسرائيل حاولت التلاعب بالمسارات، ووضعها في مواجهة بعضها، لابتزاز سوريا حينا والفلسطينيين حينا آخر.
وكما قدمنا فمع مجيء نتانياهو إلى الحكومة تم تجميد المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية إلى حين فوز ايهود باراك في الانتخابات، وعودة حزب العمل إلى رئاسة الحكومة (1999) حيث أمكن استئناف المفاوضات مع سوريا بعد أربعة أعوام على توقفها.
ووقتها حاول باراك الإيحاء بأنه يعطي أولوية للمسار السوري، لابتزاز الفلسطينيين، ودفعهم لتقديم تنازلات، في حين انه كان يعمل على تنفيذ خطته بشأن الانسحاب الأحادي من جنوبي لبنان، والتحول من مفاوضات الحل الانتقالي مع الفلسطينيين إلى المفاوضات على قضايا المرحلة النهائية (القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود)، وهو ما حصل في مفاوضات كامب ديفيد (يوليو 2000).
اجتماعات دون طائل
وقد شهدت تلك الفترة اجتماعا بين باراك ووزير الخارجية السورية فاروق الشرع (3 - 10 يناير 2000)، بمشاركة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت وذلك في «شبردزتاون» بولاية فرجينيا، حيث شكلت أربع لجان: الحدود، ترتيبات الأمن، علاقات السلم العادية، والمياه. ومع استمرار النقاشات بدا أن إسرائيل غير مستعدة للانسحاب الكامل من الجولان إلى خط 4 يونيو 1967، وأنها تريد الاحتفاظ بمساحات قرب بحيرة طبريا وهو ما أدى إلى انهيار المفاوضات.
وهنا دخلت الإدارة الأميركية على الخط حيث تم عقد قمة أميركية ـ سوريا في جنيف (مارس 2000) حضرها الرئيس حافظ الأسد والرئيس بيل كلينتون. وفي هذا اللقاء تبين للقيادة السورية بأن الرئيس كلينتون يتبنى موقف إسرائيل بشأن تفسير قراري الأمم المتحدة رقمي 242 و338، ويرفض ممارسة ضغوط على باراك لإلزامه بالانسحاب من جميع الأراضي السورية التي احتلت في العام 1967، فضلا عن الخلاف الرئيسي بشأن تعريف حدود شواطئ بحيرة طبريا الشمالية الشرقية، كل ذلك أدى إلى فضل تلك المفاوضات.
بعد هذا التاريخ توجه باراك إلى تنفيذ الانسحاب من جنوبي لبنان وإلى التفاوض على قضايا الحل النهائي مع الفلسطينيين (ومعلوم إنها أخفقت، ثم اندلعت الانتفاضة أواخر العام 2000)، قرر باراك تنظيم انتخابات مبكرة جلبت شارون إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، حيث توقفت بعدها عملية التسوية على مختلف المسارات، بسبب حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين، وبسبب التطورات الإقليمية في المنطقة وضمنها الاحتلال الأميركي للعراق.
وفقط في أواخر عهد أولمرت (أواسط العام 2008)، تم استئناف المفاوضات مع سوريا بصورة غير مباشرة وبوساطة تركية، وهي توقفت بعد عدة جولات بسبب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (أواخر العام 2008). الآن فإن المفاوضات متوقفة بانتظار ما تقرره حكومة نتانياهو، وبانتظار حسم التوجهات السياسية لإدارة أوباما.
إضاءة
تتذرع إسرائيل دوما بانشغالها بالمفاوضات على المسار الفلسطيني، وإعطائها أولوية له على المسارات الأخرى، بدعوى عدم إمكانيتها هضم اتفاقين للتسوية في آن واحد؛ وهي ذريعة مكشوفة كون إسرائيل حاولت التلاعب بالمسارات، ووضعها في مواجهة بعضها، لابتزاز سوريا حينا والفلسطينيين حينا آخر.
