الأول من أغسطس عام 1975، شهد بداية عهد جديد في أوروبا بشطريها الشرقي والغربي. يقال إنه أفضى في النهاية إلى ما آلت إليه القارة البيضاء في الوقت الحالي، حيث صارت بلا حدود أو جدران فاصلة بين الشرق والغرب، وبلا نزاعات أوروبية، والأهم من ذلك لم يعد على خريطتها ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي.
في مثل هذا اليوم منذ 34 عاما.. وقعت وثيقة أو اتفاقية هلسنكي التي سطرها رؤساء 35 دولة أوروبية مضافا إليها الولايات المتحدة الأميركية وكندا ومستثنى من الحضور والتوقيع دولة ألبانيا التي كانت تبدو حالة خاصة في شرق أوروبا ومعزولة تماما عن العالم.
تصدر الاتفاقية مبادئ تقضي بفض النزاعات بالطرق السلمية وباحترام سيادة جميع الدول وضمان حقوق الأفراد، وفي مجملها مبادئ لا تجيز تغيير الحدود الدولية في أوروبا، أي ترسيخ واقع ما بعد الحرب العالمية الثانية. كانت العاصمة الفنلندية قد استضافت الزعماء الذين وقعوا على الوثيقة التي حملت اسم المدينة.
وعقد مؤتمرهم تحت مسمى الأمن الأوروبي. هذا المؤتمر التاريخي، لم يكن وليد لحظته. إذ كان الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون، قد دعا في مستهل رئاسته أي قبل ست سنوات من توقيع وثيقة أو اتفاق هلسنكي.. إلى بدء عصر جديد من الوفاق مع الاتحاد السوفييتي الذي كان الند والمنافس للولايات المتحدة في تسيير شؤون العالم.
وظهر بعد دعوته في مارس 1969 ما سمي بإعلان بودابست الصادر عن حلف وارسو الذي كان يقوده السوفييت. ودعا هذا الاعلان إلى عقد أول مؤتمر للأمن في القارة الأوروبية بشطريها الشرقي والغربي.
واستهدف ذلك نزع فتيل المواجهة وتخفيف حدة نيران الحرب الباردة بين المعسكرين اللذين تقودهما موسكو وواشنطن. وفي ظل الوفاق الذي بدأ في مستهل عقد السبعينات، صار بالإمكان التئام الدول الأوروبية في الشرق والغرب في مؤتمر يجمعها جميعا ومعها القوتان الأعظم آنذاك: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.
ظهر الوفاق الذي مهد لانعقاد مؤتمر هلسنكي.. من خلال المفاوضات الأميركية السوفيتية للحد من الأسلحة الاستراتيجية والتي أجريت في العاصمة النمساوية في فيينا. وكان باكورة هذا الوفاق.. معاهدة سولت 1 التي وقعت في موسكو في نهاية مايو 1972. ثم سولت 2 في جنيف في نوفمبر من نفس العام.
وتلى ذلك اجتماع برلين الشرقية الذي ضم الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ومعهما فرنسا وبريطانيا، وهو اجتماع استهدف أوضاع برلين المنشطرة إلى مدينتين في ذلك الوقت.. وظلت سياسة الوفاق بين الشرق والغرب تمضي على قدم وساق إلى أن اندلعت حرب أكتوبر 1973 بين مصر وسوريا من جانب وإسرائيل من جانب آخر، والتي استهدفت إزالة عدوان يونيو 1967.
الحرب أدت إلى توتر العلاقات بين موسكو المؤيدة للجانب العربي وواشنطن الداعمة لإسرائيل. تراجع الوفاق خلال تلك الحرب. ولم يسترد قوته إلا بعد قرابة عامين من خلال مؤتمر هلسنكي الشهير الذي أصدر وثيقته في الأول من أغسطس عام 1975.
صدرت الوثيقة وهي تتضمن الاتفاق على مبادئ تدعو إلى تأسيس علاقات جديدة في أوروبا.. قائمة على المساواة في السيادة، واحترام حقوق السيادة الوطنية لكل دولة، وحصانة حدودها ووحدة أراضيها وسلامتها، وحل الخلافات بالطرق السلمية وعدم استخدام القوة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية بما فيها حرية التفكير والمعتقدات، والمساواة بين الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وترسيخ مظاهر التعاون بين الدول وتنفيذ الالتزامات والتعهدات الدولية بما ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة وأحكام القانون الدولي.
وحرصت الوثيقة على أن يتحول التوتر العسكري إلى علاقات تعاون عسكرية تستهدف تدعيم الثقة العسكرية بين الدول الأوروبية.
ويشمل ذلك الإبلاغ المسبق عن المناورات العسكرية التي ستقام في القارة.. وتحديد هدف المناورات وزمانها والدول وعدد القوات المشاركة فيها، وتبادل المراقبين والخبراء العسكريين للاشتراك في هذه المناورات.
وطالبت الوثيقة أيضا بضرورة العمل على نزع عام وشامل للسلاح وتوفير رقابة دولية فعالة لتحقيق ذلك. كما أكدت وثيقة هلسنكي على ضرورة الربط بين الأمن السياسي والعسكري، وبين أمن كل دولة من دول المؤتمر وأمن القارة الأوروبية.
وكذلك الربط بين أمن أوروبا والأمن الدولي وأمن منطقة البحر المتوسط، وأن تكون المفاوضات وسيلة لتسوية الخلافات بين الدول. وعلى صعيد العلاقات الأخرى، دعت وثيقة هلسنكي إلى التعاون الاقتصادي والعلمي والتقني والتجاري والصناعي والبيئي.
ولم تغفل الوثيقة الجانب الإنساني.. كحقوق الإنسان وحرية الفكر والعقيدة والتنقل.. وضرورة تسهيل نقل المعلومات وانتشارها وتبادلها بين دول القارة بالوسائل الإعلامية المختلفة.. وتوسيع إطار التعاون الثقافي بالوسائل المختلفة مثل إقامة علاقات بين الجامعات والمعاهد وتسهيل تعليم اللغات المختلفة، وتبادل الزيارات العلمية، والمشاركة في المؤتمرات ذات الصفة العلمية.
هكذا كانت وثيقة هلسنكي بداية مرحلة جديدة للعلاقات بين الشرق والغرب. كان من ثمارها كما يرى بعض المحللين، تقويض الاتحاد السوفيتي في مرحلة لاحقة حيث كان يراه الغرب مصدر تهديد لغرب أوروبا من خلال منظومته العسكرية المسماة حلف وارسو.
إضاءة
يرى بعض المراقبين.. أن روسيا تنظر إلى وثيقة هلسنكي الموقعة في الأول من أغسطس 1975، على أنها كانت وبالا على الاتحاد السوفييتي. قوضته بعد أن ظل يلعب دورا كبيرا في ميزان القوى لأكثر من 7 عقود.
إذ سقطت الإمبراطورية السوفيتية بعد عقد ونصف العقد من اعلان هلسنكي. فالوثيقة التي حرصت على تأكيد الحريات وحقوق الإنسان.. ساهمت في تجميع أوروبا بشطريها.. ولعبت دوراً مهماً في تمزيق الاتحاد السوفيتي. ولذلك يردد البعض القول إن الرئيس الروسي ميدفيديف يطالب الآن بتأسيس بنية أمن أوروبية جديدة بدلاً من حلف شمال الأطلسي «الناتو».. كما يقترح توقيع معاهدة بديلة عن معاهدة هلسنكي.
