الجنرال محمد ولد عبد العزيز قاد انقلاباً مثيراً في موريتانيا بطريقة غير شرعية على نظام شرعي. ثم احتل الرئاسة شرعيا بطريق الانتخابات، وصار رئيسا بأصوات الناخبين وليس بمصفحات العسكريين. فوزه تعزز بإقرار المحكمة الدستورية في البلاد نتيجة الانتخابات، رافضة الطعون التي قدمها ضده بعض المرشحين الخاسرين.
معارضوه الذين خاضوا معركة الرئاسة ضده.. لم يسكتوا. قالوا إنه صار رئيسا ب«انقلاب انتخابي».. وهو مصطلح سياسي لم يتداول من قبل.
هؤلاء المعارضين خسروا الانتخابات، ثم خسروا أيضا آراء معظم مراقبي الانتخابات، إذ أعلنوا ان عمليات التصويت تمت في شكل مرض. وكان قد أشرف عليها اكثر من 320 مراقبا دوليا من عدة منظمات منها الأمم المتحدة والجامعة العربية والمنظمة الدولية للفرانكفونية وتجمع دول الساحل والصحراء واتحاد المغرب العربي بجانب فرنسا وإسبانيا.
أيا كانت الانتقادات حول الانتخابات، فإنه كان هناك شبه إجماع قبيل التصويت على أن عبد العزيز الذي قاد انقلابا أطاح بالرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله منذ عام، هو المرشح الأول للفوز والمفضل لدى الناخبين.
كانت حملته الانتخابية، ناجحة حيث ركز على معاناة الجماهير. قدم نفسه كرئيس للفقراء ومقاتل ضد الفساد، بعد أن كان البعض يصفه بأنه متكتم و«رجل ظل». صار يتكلم وجاء كلامه مرضيا للناس. جاب كل أنحاء موريتانيا وأمطر الشعب لا سيما في الأحياء الفقيرة المحرومة بخطابات وكلمات معسولة تقبلوها بارتياح.
ورغم أنه بدأ معركته الانتخابية مبكرا مستغلا كل إمكانيات الدولة لصالحه، إلا أنه حظي بدعم وشعبية كبيرة. فخلال فترة تواجده في السلطة على رأس المجلس العسكري.. قام بتخفيض أسعار الأغذية والوقود وبعض المنتجات الأساسية الأخرى، ومنح الأراضي للفقراء. وتنقل وكالة الأنباء الألمانية عن محللين زعمهم، أن موريتانيا لديها تاريخ مع الحكام الأقوياء.. والمواطنون الفقراء يعنيهم في المقام الأول مدى قدرة الحكام على القضاء على الفقر أكثر من مقومات الديمقراطية لديهم.
أمر هام أيضا عزز من شعبية عبد العزيز..
فقد قام بتجميد علاقات بلاده الدبلوماسية مع إسرائيل والتي أقامتها عام 1999 وهي ثالث دولة عربية بعد مصر والأردن تمضي في طريق العلاقات مع الدولة العبرية. وحتى الآن لم يستسغ رجل الشارع في موريتانيا أن تقوم علاقات مع دولة عدوانية مزروعة في الشرق الأوسط، تعتدي على الأشقاء في فلسطين، وتحتل أرضا ترفض أن تفرط فيها.
الرئيس الموريتاني الجديد المنتخب يسعى الآن الى امتصاص واستمالة معارضيه.
قال أنه رئيس لجميع الموريتانيين، وأنه سيعمل يدا في يد مع جميع أبناء الشعب لتحقيق التنمية والفوز بمعركتها. ولكن ليس المهم أن يرضي المعارضة بقدر ما يكون الأهم هو ارضاء المواطن الفقير. فأمامه تحديات ضخمة تمس حياة الناس وقوتهم وأمنهم. في طليعتها تحسين مستوى معيشة المواطن الموريتاني والتصدي للإرهاب، وقد اعترف عقب فوزه بأن مشكلة بلاده تتمثل في تحقيق التنمية ومكافحة مظاهر الفقر.
وتعهد بالفعل بالتصدي للإرهاب بكل أشكاله (قال ذلك بعد اغتيال مواطن اميركي في نواكشوط في 23 يونيو الماضي في وضح النهار في العاصمة الموريتانية واعلن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي مسؤوليته عن الجريمة). قال «سنتصدى للإرهاب في تربته، وتربته تتواجد في الفقر والبؤس والتخلف».
وفي حين كان سلفه ينكر وجود ارهاب في موريتانيا، وضع الرئيس الجديد هذه القضية في صدارة اهتماماته، وأكد إنه عزز تدريب قوات الشرطة وتوفير المعدات لها لمكافحة الإرهاب. ويهمه في هذا الشأن أن ينال ثقة الغرب الذي قطع العلاقات معه منذ انقلابه العسكري العام الماضي.
ويقول المراقبون أن الرئيس عبد العزيز يحتاج الآن لإقناع الغرب بأنه يمتلك مقومات الديمقراطية من أجل استئناف تدفق المساعدات والاستثمارات الأجنبية. وكسب الرئيس الجديد بالفعل بعض التأييد من الغرب من خلال تعهده بمواجهة الإرهاب والمتشددين من جانب، وقيامه بمنع المهاجرين غير الشرعيين من محاولة العبور إلى أوروبا من جانب آخر.
إضاءة
ولد الرئيس عبد العزيز عام 1956 من قبيلة «الصالحين» ولاد بوصبع التي ينتشر أفرادها في موريتانيا والمغرب المجاور. انخرط في الجيش عام 1977 بعد تخرجه من الأكاديمية الملكية العسكرية في مكناس بالمغرب وكان وراء تشكيل الكتيبة التي تشكل الحرس الرئاسي الذي كان يقوده منذ نظام ولد الطايع (1984-2005).
وحول هذا السلاح الى عنصر شديد النفوذ في الحياة السياسية اذ كان الحرس الرئاسي مصدر الانقلاب على الرئيس معاوية ولد الطايع في أغسطس 2005. انضم الى المجلس العسكري الذي قاد البلاد من 2005 الى 2007 قبل تسليم السلطة الى المدنيين بعد انتخابات ديمقراطية. وفي يناير 2008 تمت ترقيته الى جنرال وقائد أركان خاص برئيس الدولة.
حسن صابر
