في كتابه الصادر في ربيع العام الماضي (قدمت «البيان» عرضا سداسيا) يطرح الكاتب الأميركي ـ من أصل هندي، فريد زكريا رؤيته لمستقبل توزيع القوى على خارطة النفوذ في العالم على النحو التالي: أن تظل أميركا ممسكة بقيادة العقود القليلة المقبلة من القرن العشرين ولكن في إطار وجود قوتين أساسيتين: ـ الأولى في موقع الصديق الحليف واسمها الهند. ـ والثانية في موقع المنافس الغريم واسمها الصين.

وفي ضوء هذه المقولة نستطيع ـ من موقع رصد التطورات السياسية ـ أن نفسر ملابسات زيارة للهند قامت بها هيلاري كلينتون في الأسبوع القائظ الثالث من شهر يوليه، وقد رشَحَت من وقائع الزيارة وعود أميركية بالتعاون مع الهند في مجالات شتى لعل في مقدمتها ميادين العلم والاقتصاد والتكنولوجيا. بصرف النظر عن مقولات الكاتب فريد زكريا ـ فنحن نقرأ ملابسات زيارة وزيرة خارجية واشنطون الأخيرة إلى نيودلهي على أساس محاولات من جانب إدارة أوباما لإيجاد نوع من التوازن، أو حتى شبه التوازن في علاقات أميركا مع كل من الهند وباكستان.

واشنطون وإسلام أباد

بيد أن واشنطون حاليا لا تملك ترف الاستغناء عن تحالفها الوثيق مع إسلام أباد.. صحيح أن ثمة غيوما سياسية وغير سياسية مازالت تجلل سماوات العلاقة بين الطرفين.. وصحيح أن الهوى الأميركاني يمكن أن يتجه أكثر إلى الهند وخاصة في مجالات الشراكة التكنولوجية حيث لا تزال الهند أكبر أسواق توريد العمالة، السوبر ـ ماهرة ـ في ميدان الحواسيب والشبكات الالكترونية بالذات الى أميركا في إطار ما يعرف باسم سياسة «دَُُِِّّّّْكيَه» التي نترجمها في أدبيات الأمم المتحدة بعبارة «الاستعانة بالمصادر الخارجية (من العمالة)».

وصحيح أيضا أن توثيق علاقات أميركا مع الهند كفيل إلى حد ليس بالقليل بإحداث قدر من التوازن فيما يتعلق بتعامل أميركا مع الشأن الصيني، إلا أن العلاقات الأميركية الباكستانية ما برحت تحظى بمكانة ذات أولوية على أجندة السياسة الخارجية للولايات المتحدة أولا بالاستناد إلى تاريخ طويل يرجع إلى عقد الخمسينات، وثانيا بالإحالة إلى الوضع الراهن الذي تلخصه العبارة الموجزة التالية: موقف واشنطون وحلفائها الأطلسيين سواء في دواخل أفغانستان أو على الحدود الباكستانية الأفغانية.

حلف «السنتو»

زمان كانت باكستان محورا أساسيا من محاور المنظومة الدفاعية التي عمدت أميركا إلى تخليقها خلال سنوات الحرب الباردة في إطار مجابهتها ضد الاتحاد السوفيتي. وقد حملت هذه المنظومة اسمها المعروف: السنتو ـ الحلف المركزي.. وكان يضم أطرافا مهمة كانت في مقدمتها إيران ـ الشاه. أما اليوم فترجع أهمية باكستان إلى أنها مدخل طبيعي لمطاردة قوات وقوى الطالبان في أفغانستان..

والى أن استخباراتها تمثل مَعينا لا ينضب من المعلومات الحيوية لسلامة العمليات التي تضطلع بها أميركا وحليفاتها من دول أوروبا، فيما ترجع أهمية باكستان ـ الموضوعية هذه المرة ـ إلى أنها بلد مسلم دخل باقتدار كما نعرف نادي الدول النووية بمعنى أنه فَرَض مكانة يحسب لها حساب في موازين القوى المهمة والمؤثرة في عالم القرن الحادي والعشرين..

بقي المنافس ـ الغريم الصيني الذي لاشك يقضّ مضاجع صانعي السياسة الخارجية ودهاقنة العلاقات الدولية في إدارة أوباما التي تحاول ـ كما نتصور ـ تفكيك تركة الرئيس السَلَف جورج بوش الذي ركزّت إدارته طيلة سنواتها الثمان في البيت الأبيض على شعارها الأثير المأثور عن «مكافحة الإرهاب ـ الدولي» وعلى شن حروب طالما وصفتها بأنها وقائية وأحيانا استباقية أو إجهاضية في أحيان أخرى.

لقد جاء هذا التركيز بداهة على حساب إهمال الشأن الصيني.. أو عدم إيلائه ما يستحقه من اهتمام.. وهو ما أتاح للصين بالتالي مساحة ظلت تتسع نسبيا من حرية الحركة وقدرة المناورة وإمكانات التصاعد في مضمار الاقتصاد والتصنيع والإنتاج إلى حد تحقيق معدلات مشهودة من النمو المادي والتراكم المالي من ناحية.. فضلا عن اكتساب سمعة ومكانة مرموقة دوت أصداؤها في أرجاء عالمنا من ناحية أخرى خاصة حين تجسدت في المقدرة الصينية التي تجلت في تنظيم الأولمبياد الدولي الأخير في العاصمة «بيجين».

الصين والهند وأفريقيا

مع هذا كله.. فمن محللي السياسة الأميركية من استرعى اهتمامنا في الآونة الأخيرة من واقع الأفكار والأفكار التي مازال مصرا على طرحها بصدد أدوار الصين والهند وأميركا.

لماذا؟

إن هذا المحلل، وهو الأستاذ هاري برودمان ـ المستشار الاقتصادي لدى البنك الدولي، يؤكد ـ إن لم ينبه أو يحذر من ظاهرة يرى أنها غاية المهمة أمام صانعي السياسة الأميركيين. وهو يعبر عن الظاهرة بالعبارة الموجزة التالية: الصين والهند تذهبان إلى أفريقيا. ومن واقع متابعتنا نشير إلى أنه سبق لهذا المستشار الاقتصادي (وهو بالمناسبة مختص في البنك الدولي بالقطاع أو الشأن الأفريقي) ـ إصدار كتاب مهم منذ سنتين يحمل العنوان التالي: طريق الحرير في أفريقيا: الحدود الجديدة للصين والهند.

ولم يكن صدفة ـ كما نتصور ـ أن يكون ناشر هذا الكتاب هو البنك الدولي بجلالة قدره، وبمعنى أن هذه الهيئة الدولية المسؤولة عن حركة الاقتصاد والتمويل في عالمنا ـ مهتمة هذه الأيام بذلك العامل المستجد على خارطة العالم.. متمثلا في مدّ من قارة آسيا يأتي الى قارة أفريقيا.. متفاعلا ومؤثرا..

ومحققا نتائج لا سبيل لتجاهلها، ولدرجة أمكن معها القول ـ من عنوان الكتاب الذي أومأنا إليه ـ بأن القوم نقلوا إلى أفريقيا طريق الحرير، وهو طريق التجارة الذي كان يصل تاريخيا بين منتوجات الصين والهند وبين أسواقها المتلهفة في أوروبا.. مخترقا في ذلك أصقاع الصحارى والاستبس الآسيوية واصلا ـ كما تعرف ـ إلى ضفاف البحر المتوسط عبر الأناضول وأصقاع المشرق من الوطن العربي ـ الإسلامي الكبير.

هذا الازدهار الجديد

مجلة السياسة الخارجية «فورين أفيرز» (عدد ابريل 2009) نشرت دراسة مستندة إلى مقولات كتاب الخبير الدولي ترصد الاتجاهات وتطرح الأفكار على النحو التالي: أن النشاط الاقتصادي بين أفريقيا وآسيا (الصين + الهند بالذات) يعيش حالة من الازدهار في الوقت الراهن..

ورغم أن الهند كانت تتاجر مع شرق أفريقيا عبر المحيط الهندي منذ مئات السنين، وأن الصين أقامت علاقات مع أرجاء القارة في مرحلة ما بعد الموجات الكولونيالية وخاصة في مجالات الهياكل الأساسية والاستثمار إلا أن مطالع هذا القرن الحادي والعشرين جاءت لتشهد زيادة سنوية من صادرات أفريقيا (جنوبي الصحراء الكبرى) إلى الصين بلغت 48 في المائة بين عامي 2000 و,2005. ولكي نقدّر حجم هذه الزيادة الباهرة نقول أنها جاءت لتمثل قرابة 3 أضعاف مثيلتها من صادرات أفريقيا السمراء إلى أميركا و4 أضعاف المثيل من صادراتها الى دول الاتحاد الأوروبي عن نفس السنوات الخمس المذكورة في بدايات القرن الجديد..

وبديهي أن يكون جزء لا يستهان به من هذه الزيادة المرموقة متركزا في قطاع الصناعات الاستخراجية من قبيل إنتاج البترول ومعادن أخرى من تربة القارة الأفريقية، لكن أن يلفت النظر أوجه التعاون المستجد بين أفريقيا وكل من البلدين الكبيرين من آسيا أفضت إلى تطوير نوعية الصادرات الناشئة عن القارة الأفريقية بحيث باتت تتعدى مجرد تصدير هذه الخامات من المواد الأولية..

وأصبحت تتوخى عدم الاقتصار تقليديا على محصول واحد بل وحيد.. وتستهدف تنويع الصادرات بفضل ما أدى إليه تعاون تلك الأطراف من تحديث الصناعات التي تمارس أنشطتها على الأرض الأفريقية.. وبحيث تجد هذه الأنشطة المستجدة في أفريقيا أسواقا لسلعها المصنعة في كل من الهند والصين.

عن الاعتماد المتبادل

هنا تتحقق خاصية، بل هي فضيلة التكامل أو الاعتماد المتبادل التي يتسم بها مثل هذا المسار من التعاون الإيجابي بين أطراف ما برحت تعد في التصنيفات الدولية من البلدان النامية.. وإن بدأت أطراف منها تخضع لعملية إعادة تصنيف تمضي الآن على استحياء سياسي واقتصادي ملحوظ: الهند والصين مثلا بدأ كل منهما تكتسب مع بلد مثل البرازيل وصف «الاقتصادات الصاعدة» بعد أن وصفوها طيلة سنوات مضت بأنها «الاقتصادات الناشئة».

وسواء كانت صاعدة أو ما برحت ناشئة أو حتى نامية.. فلاشك أن كلا من الصين والهند بدأت تشهد حاليا نشوء طبقات متوسطة من المستثمرين ورجال الأعمال ومنظمي المشاريع التي انفتحت شهيتها لاستهلاك سلع أحدث وربما أجود من منتوجاتها المحلية.

هذه هي السوق الناشئة.. أو الصاعدة كما قد نقول التي مازال لها الفضل في استيعاب السلع الخفيفة.. المصنعة في أفريقيا.. والمصدَّرة إلى الهند والصين بأسعار زهيدة نسبيا.. بحيث يقبل عليها هؤلاء المستهلكون الجدد محققين بذلك نوعا من التكامل بين الطرفين.. وبحيث تحولت أنماط الاستهلاك كي تشمل آفاق السياحة وصناعة الخدمات المتنوعة.. التي يمكن أن تضفي قدرا من التحولات الجذرية على حياة سكان أفريقيا السمراء البالغ عددهم نحو 300 مليون وهم من أفقر فقراء عالمنا..

من هذه الآفاق الواعدة.. أن أفريقيا حققت خلال سنوات العقد المنصرم معدلا طيبّا للنمو بلغ في المتوسط 4,5 في المئة سنويا.. وكان العامل الأساسي اللافت أو «الدرامي» كما يصفه الخبير الدولي هاري برودمان هو ذلك الجسر الناشئ والمتطور من التعاون الاقتصادي بين أفريقيا وكل من الهند والصين.. ولأن الحب لا يمكن أن يقتصر على طرف واحد.. وكذلك المصالح الاقتصادية وغير الاقتصادية بين الدول، فإن من خبراء الشأن الاقتصادي والسياسي الدولي من لا يزال يرى الكرة في ملعب قادة أفريقيا أنفسهم..

والمعنى أن هذه الزعامات الأفريقية مطالبة بتمهيد السبيل أمام ترشيد استفادة أقطارهم جنوبي الصحراء من ثمار هذا التعاون مع كل من دلهي وبكين.. سواء من حيث استمرارية وتطوير وترقية هذا التعاون أو من حيث العدالة والموضوعية في توزيع ثماره بحيث تعود على أوسع قطاعات شعوبهم بعيدا عن انحرافات التربح الطبقي وشبهات الفساد..

ولا عاصم من هذا كله سوى التحولات الديمقراطية التي تجعل لأوسع قواعد المواطنين صوتا مسموعا ومحترما ومؤثرا في صنع القرار.

محمد الخولي