بصدور قرار المحكمة الدولية في لاهاي بشأن آبيي تزايدت الآمال بأن يدخل السودان مرحلة جديدة تتسم بقدر أكبر من عدم الاستقرار وتجاوز الأجواء المشحونة بالتوتر التي أنتجت حالة من التشاؤم والمخاوف من عودة الحرب الأهلية التي تم إنهائها إثر اتفاق نيفاشا الذي جرى توقيعه عام 2005. ويعزز من هذا الجو التفاؤلي الترحيب الذي صادفه حكم المحكمة من قبل الجهات المختلفة سواء داخليا أو دوليا، بشكل يجعله يصلح لأن يكون نموذجا بشأن سبل تسوية المنازعات الداخلية سلميا ومن خلال أجهزة التحكيم الدولية.

غير أن القراءة المتعمقة لهذا التطور تفرض التساؤل بشأن ما يمكن أن يؤدي إليه على المدى الطويل، وما إذا كان يمكن حقيقة أن يمثل طيا لصفحة من صفحات الماضي، أم أن ما نراه أمام أعيننا لا يعدو أن يكون سوى حالة احتفالية سرعان ما ستنتهي لتظهر بعدها حقيقة مواقف الأطراف المنخرطة في النزاع بما لا يجعل من الحكم سوى مرحلة من مراحل الصراع في السودان. ويعزز من ذلك أن مستقبل آبيي ذاته معلق بالإستفتاء الذي من المزمع إجراءه عام 2001 وفق اتفاق نيفاشا الذي لم يحسم وضع المنطقة رغم حسم وضع منطقتين آخرين متنازع عليهما هما جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة بالاتفاق على تمتع المنطقتين بحكم ذاتي وحرية في اتخاذ القرار ومشاورة شعبية.

دلالات الحكم

بعيدا عما تطرق إليه الكثيرون في استعراض حكم محكمة لاهاي فقد جاء هذا الحاكم مقوضا للكثير من المقولات التقليدية التي كانت تطرح في سياق الحديث عن مشكلة آبيي. وعلى رأسها الحديث عن قضية النفط والأطماع الغربية فيه وهو الأمر الذي يثير التساؤلات بشأن أبعاد هذا الطرح.

وما إذا كان مجرد طرح تبريري من قبل النظام السوداني نفسه ام أنه طرح صحيح وهو ما يطرح بدوره التساؤل حول أبعاد التغير في الموقف الأميركي.

لقد كان الشائع في الحديث عن آبيي أن هناك محاولات لضمها إلى الجنوب باعتبار ما تضمه من ثورة نفطية كبيرة وأن الولايات المتحدة تقف وراء ذلك الموقف، وذلك في إطار مساعي الهيمنة على شؤون القارة.

غير أن الحكم جاء مخالفا لهذا الطرح، فقد قللت المحكمة مساحة آبيي ليصبح حقل هيجليج النفطي خارجها وحسم الحكم في هذا الخصوص ملكية حقول النفط للشمال، بقراره إعادة رسم حدود المنطقة على نحو يجعل من حقول النفط ضمن المنطقة التي تخضع تحت سيطرة الحكومة المركزية في الخرطوم.

ليس ذلك فقط بل إن الحكم جعل من قضية آبيي حال الالتزام بتنفيذه حرفيا غير ذات معنى، حيث أعاد للشمال ما يتراوح بين 10 إلى 12 ألف كيلو متر من جملة نحو 16 ألف كيلو متر هي مساحة آبيي، أي أنه لم قلص مساحة الإقليم إلى الربع، وهو ما يصب في مصلحة النظام السوداني.

من الغريب هنا أن الحكم بهذا المستوى العالي من التوافق مع أطروحات الخرطوم يأتي في الوقت الذي تتزايد فيه الانتقادات الغربية والأميركية بشكل أساسي للنظام هناك على خلفية قضية دارفور والتي تتواصل فصولها وسط مؤشرات على تصاعدها بدرجة أكبر مما عليه خلال الفترة المقبلة. ولا يخرج ذلك عن أي من الدلالات التالية فإما أن المحكمة كانت على درجة عالية من النزاهة بشكل لم تقبل معه سوى الحكم بما تراه عادلا، وهو أمر نادر الحدوث في المحاكم الدولية التي تكتسي بالطابع السياسي.

وإما أن الحكم يأتي في سياق مسعى غربي لتمرير قضية آبيي بما يرضي النظام السوداني على ألا يتكرر السيناريو ذاته بالنسبة لقضية دارفور. ولعله مما يعكس هذا التصور الترحيب الأميركي والأوروبي بقرار المحكمة الدولية وحثهما طرفي المشكلة على احترام الحكم واعتباره خطوة كبيرة لتنفيذ اتفاق السلام الشامل بينهما. وربما يعكس هذا الأمر توجها جديدا في سياسة الإدارة الأميركية خلال حكم أوباما التي ترى تخفيف ملفات الصدام الخارجي وبشكل خاص في العالمين العربي والإسلامي.

احتمالات التوتر

ورغم ذلك فإن سيناريو الأزمة يظل قائما انطلاقا من اعتبارين الأول ما تشير إليه تصريحات بعض قادة الجيش الشعبي لتحرير السودان رغم التصريحات العامة المؤيدة للقرار، ومن ذلك تصريح نائب رئيس الحركة والتي أشار فيها إلى أن مناطق الميرم وهليجيج اللتين أبعدتهما المحكمة من حدود آبيي ستدخلان ضمن المناقشات بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية عند ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب، وهو ما يعني ضمنا تقويض قرار المحكمة وجعله بلا مضمون حيث إنه واضح بشأن ترسيم الحدود.

فضلا عن ذلك فإن عملية الترسيم ذاتها قد تصاحبها بعض العقبات وإن كان يتوقع ألا ترتقي إلى نزاع مسلح على شاكلة تلك التي وقعت بين أبناء الإقليم العام الماضي بين قبيلة المسيرية العربية وقبيلة الدينكا الجنوبية والتي راح ضحيتها 22 جنديا سودانيا فضلا عن تشريد أكثر من 50 ألف شخص من أبناء الإقليم.

وعلى صعيد التأزم كذلك فإن البعض يشير إلى أن قرار المحكمة لا يحظى بقبول كامل من أبناء المسيرية الذين يرون أنه أخذ منهم الأرض الخصبة ونهر بحر العرب الذي يلجأون إليه كمورد مياه لهم ولمواشيهم في فصل الصيف، فضلا عن التوقعات بأن لا يتم تطبيق نص القرار فيما يتعلق بحرية تنقل أبناء المسيرية في مناطق الماء والكلأ بالشكل الجيد على أرض الواقع.

رغم أن هذه مخاوف تبدو مشروعة إلا أنه يقوضها عدد من العوامل التي تجعل من المتصور أن الجهود ستتضافر من أجل تنفيذ قرار المحكمة بالشكل المناسب. فالقرار يحق وحسبما أشار دوغلاس جونسون الذي كان ضمن الفريق الدولي الذي صاغ مقترحات الحدود عام 2005 احترم الحدود العرقية وكذلك الخلافات بين الشمال والجنوب.

فضلا عن ذلك فإن مسار الأزمة والتي أوصلت إلى صيغة التحكيم تفرض على الطرفين احترام القرار، بما يعني أن الطرف الذي سيحاول الإخلال بالالتزام قد يواجه بإدانة دولية كبيرة في ضوء أن الحكم يرسي الأساس المناسب لسلام دائم بشأن المشكلة بين الشمال والجنوب.

إلى جانب ما سبق فإنه قد يكون من الطبيعي في نزاع على هذه الشاكلة، يتعلق بترسيم حدود تعود إلى أكثر من قرن، ألا يأتي مرضيا بشكل تام لطرف دون الآخر، الأمر الذي يعكسه إشارة البعض إلى أن القرار توافقي حيث أرضى أحد الطرفين من جهة وأرضى الطرف الآخر من جهة ثانية. ويعكس هذا الوضع تصريح ممثل حكومة الخرطوم والذي أشار إلى أنه رغم أن قرار المحكمة لم يمنح الحكومة السودانية كل ما كانت تطالب به إلا أنه يعد مقبولا في إطاره العام.

صعوبات التراجع

ومما يعزز من فكرة التزام الطرفين بما ورد في القرار أن إخضاع آبيي للتحكيم جاء بناء على اتفاق مشترك بين طرفي الأزمة وهما المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في الثامن من يونيو عام 2008 والذي انتهى إلى ما عرف لاحقا بخريطة طريق آبيي، بما يعني أن عدم القبول بما جاء في القرار يمثل نكوصا من الطرف الرافض عن التزاماته.

وأما فيما يتعلق بالنظر في الوجه الآخر من القرار فإننا نشير إلى ما لفت البعض النظر إليه من أنه لا يمثل على صعيد النفط نصرا خالصا للنظام السوداني رغم أنه يمثل ثلثي نفط السودان في ضوء حقيقة تقليل الخبراء من أهمية نفط آبيي حيث يرون أنه مرشح لأن يواجه مشكلة فنية خطيرة بسبب تسرب المياه إلى حقول النفط، فضلا عن ذهاب البعض إلى أنه قد ينضب بعد ثلاث سنوات في ضوء تراجع الإنتاج ما بين عام 2006 مقارنة بمواقع إنتاج أخرى في السودان.

ورغم أن هذه قد تكون من المسائل التي يتم ترويجها للتقليل من قيمة الحكم إلا أنها تبقي مسألة خاضعة للبحث.

من جهة أخرى فرغم أن القرار اقتطع أعاد للشمال ما يتراوح بين 10 إلى 12 ألف كيلو متر من إجمالي الإقليم البالغ 16 ألف كيلو، إلا أن مستقبل هذا الجزء الباقي متروك حاليا لإرادة أبنائه يقررونه وفق ما يرون في الاستفتاء الذي من المقرر أن يتم إجراؤه في 2011، وفي ضوء التوقعات التي تشير إلى أن أبناء الإقليم سيقررون الانضمام للجنوب والانفصال عن الشمال، فإن ذلك يمثل في التحليل النهائي خسارة للسودان بانسلاخ جزء منه سواء الجنوب أو آبيي التي ستعتبر في هذه الحالة جزءا من الجنوب.

والخلاصة أن قرار حكم محكمة لاهاي يجعل من قضية آبيي أشبه بمباراة غير صفرية، حيث لم يخسر أي من الطرفين كافة أوراقه وإنما كانت النتيجة متعادلة وبالغة التوافقية على النحو الذي يمكن لكل طرف معه أن يروج لخروجه منتصرا ومحققا لمطالبه، فيما يبقي هناك خاسر وحيد هو الدولة السودانية التي يبدو أنها مرشحة للتفتت إلى كيانات متعددة بدءا بالجنوب ومرورا بدارفور، وغيرها.

إضاءة

رغم موجة التفاؤل بقرار المحكمة الدولية إلا أن سيناريو الأزمة يظل قائما انطلاقا من اعتبارين الأول ما تشير إليه تصريحات بعض قادة الجيش الشعبي لتحرير السودان رغم التصريحات العامة المؤيدة للقرار، ومن ذلك تصريح نائب رئيس الحركة والتي أشار فيها إلى أن مناطق الميرم وهليجيج اللتين أبعدتهما المحكمة من حدود آبيي ستدخلان ضمن المناقشات بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية عند ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب، وهو ما يعني ضمنا تقويض قرار المحكمة وجعله بلا مضمون حيث إنه واضح بشأن ترسيم الحدود.

فضلا عن ذلك فإن عملية الترسيم ذاتها قد تصاحبها بعض العقبات وإن كان يتوقع ألا ترتقي إلى نزاع مسلح على شاكلة تلك التي وقعت بين أبناء الإقليم العام الماضي بين قبيلة المسيرية العربية وقبيلة الدينكا الجنوبية والتي راح ضحيتها 22 جنديا سودانيا فضلا عن تشريد أكثر من 50 ألف شخص من أبناء الإقليم.