وفقاً لحسابات لاهاي العاجلة والآنية كسب الدينكا الأرض والماء، ونال المسيرية حفنة من النفط. مقاربة الغالب والمغلوب بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية معادلة خاسرة. المكاسب الجوهرية في قضايا تتعلق بخياري الوحدة والانفصال توزن بمعايير الشعب والوطن.
جذور الأزمة في العيون القبلية الأرض والمرعى والماء. أسس القضية في اللجاجة الحزبية عائدات النفط. تكالب الشريكين على حقول البترول جاء في سياق انخراطهما في القبض على مفاتيح السلطة وإغفال قضايا الوطن. الاستئثار بالسلطة والثروة سمة مشتركة وغالبة على المؤتمر والحركة. من المفارقة ان جون قرنق لم يكن يستهدف احتكار النفط أو اقتسامه مع الشريك الشمالي. الزعيم الجنوبي الراحل ظل مصراً حتى إبان مفاوضات نيفاشا على اقتسام الدخل القومي على مدار عشر سنوات. من الغريب كذلك ان ملف ترسيم الحدود كان مطوياً قبل محادثات المنتجعات الكينية. الطرفان اتقفا قبل مشاكوس وإبانها على حدود يناير 1956. إعادة فتح ملفي الحدود والنفط على نحو ما جرى في نيفاشا وضعت الوطن على حافة الجحيم. لا أحد حدث الشعب عن دوافع أو مبررات وضع الملفين على طاولة المساومات في المنتجع الكيني الثاني مجدداً.
المحاصصة النفطية المبنية على المناصفة تفتقد المنطق الجيولوجي. موقع الحفر لا يؤطر بالضرورة خارطة حقل النفط في باطن الأرض. القسمة استندت إلى وقوع الحقول داخل الاقليم الجنوبي. اقتسام عائدات النفط بين الشمال والجنوب مناصفة يجافي منطق حسابات التنمية القومية.
الإحصاء السكاني لا يسبغ على القسمة أدنى قدر من العقلانية. صحيح أن الجنوبيين يكابدون واقعاً متخلفاً إلى درجة مخجلة. هي حياة أقرب إلى البدائية، لكن الصحيح كذلك أن التخلف ـ لنقل التهميش ـ ليس وقفاً على الجنوبيين وحدهم. تلك خطيئة وطنية اغترفها نفر واعترفت بها نخبة من القياديين في المؤتمر الحاكم نفسه.
معروف عن الدكتور غازي صلاح الدين سلقه نيفاشا بألسنة حداد. معظم سهام مستشار رئيس الجمهورية على الاتفاقية انطلقت عبر هاتين الثغرتين. المحاصصة غير المنطقية تكشف في جلاء استحكام عقلية الانفصال لدى كل شريك أكثر من عكس رغبة أي منهما في تكريس الوحدة. المحاصصة ليست الكاشف الوحيد عن هذه العقلية التي أفضت إلى الاحتقانات السياسية حد التأزم الوطني.
الشريكان.. يجيشان القبائل
أبيي مؤهلة أكثر من التخوم الحدودية الأخرى بين الشمال والجنوب لأداء دور معبر التلاحم الوطني بين الإقليمين. هذه فضيلة تكتسبها المنطقة بفعل تراكم التداخل القبلي وتشابك المصالح بين قبائلها حد الاشتباك المسلح.
مشهور عن أبيي التماذج الإثني حد المصاهرة والتلاحم القبلي درجة المصادمة. للتجمع الوطني تجربة رائدة في شأن تعزيز التلاقح القبلي في أبيي إبان تسعينات القرن الأخير. تلك التجربة نافذة المفعول قصيرة الأجل عرفت ب«أسواق السلام». جون قرنق أدرك ببصيرة القيادي الثاقبة قيمة أبيي في البناء الوطني فاقترب منه بحنكة.
هو من كان وراء تبريد الجدل المحتدم إزاء المنطقة. ربما لم يكن يرتضي دفع الملف خارج الحدود. أياً كانت رؤاه فالثابت أن الرجل الذي تصادف هذه الأيام الذكرى الرابعة لرحيله المثير للجدل كان يحذق مهارة اللعب بالأوراق الرابحة في الوقت الملائم. مفصل أزمة الشريكين يتجسد في حشر كل الأوراق في أتون الخصومة المتأججة. كل طرف لجأ إلى تجييش القبائل الموالية في المعركة غير المبررة حول أبيي. الشريكان لم يراعيا في ذلك الحد الأدنى لمصالح الموالين فانتهت بلدة أبيي إلى رماد السنة الماضية.
اللجوء إلى التحكيم الدولي يشكل إخفاقاً إزاء استيعاب دروس تصدير القضايا الوطنية إلى الخارج. ذاك منهج يعكس الافتقار إلى إرادة الحسم الداخلية لدى الشريكين. نتيجة حكم القضاة الدوليين مخيبة لآمال الجميع. سلوك الشريكين في أعقاب إعلان القرار زاد الإحباط الوطني. رد الفعل جاء في سياق المنظور الحزبي إذ صور كل طرف رضاه المعلن بمثابة انتصار على الطرف الآخر. ما من مسؤول نظر إلى المسألة بعين من يرصد مكاسب الشعب أو خسائر الوطن.
الأصل في قرارات لجان التحكيم الدولية بلورة حلول توفيقية. تلك منابر تختلف عن منصة محكمة العدل الدولية. قضاة لاهاي أرضوا المؤتمر إذ أخذوا بحجة في ارتكاب لجنة الخبراء تجاوزات في رسم حدود أبيي.
القضاة أنفسهم أرضوا الحركة رغم دفع الحدود الشمالية للمنطقة جنوباً إلا أن الاجتزاء لم يرتد إلى بحر العرب. ذلك هو الحاجز الطبيعي المجسم في حدود يناير 1956. إدانة لجنة الخبراء على الأرض اقتطعت في الوقت نفسه مساحة كبيرة من طموحات المسيرية الحمر والجعايرة. قرار التحكيم منح الدينكا السيادة على الأرض والمرعى والماء.
المسيرية الخاسر الأكبر من التحكيم
هذا واقع يصيب المسيرية بغصة مرة وجفاف موسمي ماحل. ذلك إحساس عبر عنه شيوخ القبيلة علناً عند لقائهم رئيس الجمهورية في الخرطوم. مختار بابو نمر قال في اللقاء: ان التحكيم ظلمهم وطالب الدولة بالتعويض عن المظالم التي طالت القبيلة. شيخ المسيرية يدرك عجز الدولة عن تحقيق ذلك المطلب.
ربما لا يعلم بابو نمر المأزق الذي تعايشه الدولة الاتحادية في ظل الأزمة الحالية الخانقة. ربما لم يطلع الشيخ الزعيم على رسالة وزير المالية ومدير البنك المركزي إلى صندوق النقد الدولي يلتمسان فيها المساعدة على تنفيذ تدابير هي بالضرورة قاسية لمواجهة الأزمة المعترف بها والمبررة بالوضع المالي الدولي المتعثر. زعيم المسيرية لم يطلع غالباً على تقرير لجنة بعثة البنك الدولي الذي يكشف عجز الدولة عن تأمين غطاء أسبوعين من العملة الصعبة.
قضاة التحكيم الدولي أرضوا المؤتمر باجتزاء حقل هجليج النفطي خارج منطقة أبيي. نفط هجليج لن يؤمن حاجة 5 ملايين رأس من الأبقار للكلأ والماء خمسة شهور من العام. ما دام المسيرية يحتاجون إلى تفاهم مع الدينكا نقول: بغية الحصول على المرعى والسقيا فما جدوى التحكيم الدولي بالنسبة للرعاة؟
قبائل المسيرية بدأت تنفيس غضبها بتسيير التظاهرات. هذه مرحلة أولى. الغضب القبلي مفتوح على فضاءات عدة. مغادرة هجليج أبيي لا يعني خروجها من الجنوب. ذلك منطقة الحركة كما عبر عنه رياك مشار. قادة الحركة يحاججون بانتماء الحقل النفطي إلى بحر الغزال. تلك قضية يتم حسمها عند ترسيم ولاية الوحدة وجنوب كردفان. ربما يقتضي الحسم اللجوء مجدداً إلى التحكيم الدولي.
الاحتياط النفطي المخزون في هجليج لا يتجاوز 500 مليون برميل في الأصل. وفقاً لحسابات الانتاج فقد تم استنزاف نصف رصيد الحقل. ما تبقى لا يعتد به في الرهان على تعويض المسيرية والعجايرة. عائدات نفط أبيي في السنوات الخمس الأخيرة توازي ملياري دولار إلا قليلاً. ماذا كان نصيب الدينكا والمسيرية منها لإزالة مظاهر التهميش؟
بالإضافة إلى جدل مصير هجليج فتح التحكيم الدولي بابا على معركة ساخنة بين الشريكين. محور المعركة تعريف سكان المنطقة الذين يحددون مستقبلها في ضوء الاستفتاء المرتقب بعد سنتين.
الوهن السياسي يكتنف المرحلة الانتقالية
محنة السودان إبان الفترة الانتقالية تتمثل في عدم قدرة الشريكين على بلورة برنامج وطني يؤمن الوحدة. الأسوأ من ذلك عجزها على الحفاظ على تناغم الائتلاف. شريكان يعجزان عن جعل الشراكة الحزبية جاذبة لن يستطيعا بالطبع خلق جاذبية للوحدة الوطنية.
معضلة الحركة الشعبية أنها ألقت مسؤولية جعل الوحدة جاذبة على المؤتمر الوطني. ذلك قدر يحتم على الحزب الشمالي الحاكم إبداء أكبر قدر من المرونة وطرح أكثر عدد من المبادرات للحفاظ على الوحدة.
ما جدوى أنبوب النفط الممتد من بحر الغزال إلى البحر الأحمر إذا أدار الجنوب ظهره للشمال؟ ما قيمة مصفاة الجيلي اذا اختار الجنوبيون الانفصال. الاستكشافات الجيولوجية تؤكد وجود مخزون نفطي مهول في جونقلي.
إذاً هجليج وكل نفط أبيي لن يحسم وحدة غبار الوحدة والانفصال. في حالة انقسام الوطن يصبح الاحتمال الأرجح تغيير مجرى أنبوب النفط من الشمال إلى الجنوب. الانفصاليون لن يفعلوا ذلك حباً في القبائل النيلية بل كرهاً في قبائل الشمال.
أبرز مهابط العمل السياسي في السودان حالياً يتمثل في ضعف القوى المعارضة وتفتتها. بعد رحيل جون قرنق انهار التجمع المعارض. قيادة الحركة لم تستطع سد فراغ الزعيم المؤسس. أحزاب الشمال لم تفرز قيادياً يتسم بكاريزما الجنوبي الراحل. المؤتمر الوطني استأثر بقدرة الإقصاء والترغيب. كل الأحزاب السياسية مارست الهرولة لجهة المؤتمر الحاكم.
الشريكان عجزا عن بلورة برنامج يشكل عصب العمل الوطني إبان المرحلة الانتقالية.
الوهن التنظيمي السياسي ساهم في مراكمة الضباب الذي يكتنف المرحلة الانتقالية. ما من حزب داخل السلطة أو خارجها يمتلك رؤى مؤطرة لمهام المرحلة أو ما بعدها بما في ذلك الشريكان. قيادة الحركة الشعبية وجدت في شعار «جاذبية الوحدة» مهرباً تنكفئ فيه.
المؤتمر الوطني المستعصم بالسلطة والثروة ليس مهموماً بمصير الوحدة أو الانفصال. هو مزهو بالشعور على القدرة على البقاء إذ أنه الأقوى ومن ثم ينظر إلى نفسه أنه الأصلح.
مثل هذا الكبرياء يحمل المؤتمر على إجهاض فرصة متاحة في استثمار التحكيم الدولي بغية إنعاش التصالح الوطني.
الأدنى من ذلك تعزيز الشراكة بروح التوافق الثنائي على الأقل. تلك قضايا ليست واردة على أجندة عمل المؤتمر فيما يبدو. على الجهة الأخرى وبما يشكل التحكيم نفسه فرصة أمام الحركة الشعبية من أجل إعادة إحياء تراثها الوطني مع المعارضة تحت ظل التجمع.
ذلك سبيل يختزل الجهد والوقت على طريق ترجمة التحول الديمقراطي واقعاً سياسياً. هو الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى «السودان الجديد». هو الطريق المفضي إلى وحدة مبنية على المواطنة. إذا كانت مثل هذه القضايا لا تزال على أجندة الحركة فمن الأفضل أن تدفع القوى السياسية المتململة إلى مائدة مؤتمر جوبا المقترح.

