في كتابه الذي يمثل حصاد توقعات أو تنبؤات بشأن مستقبل العالم خلال المائة عام المقبلة يقدم لنا الكاتب الأميركي جورج فريدمان سيناريوهات عجيبة وفريدة بشأن التغيرات التي ستجري على صعيد النظام الدولي.
وإذا كان الكثير من تلك السيناريوهات يثير الدهشة، فإن أكثر السيناريوهات إثارة للانتباه في الكتاب ـ الذي قدمنا له مراجعة نقدية على صفحات «البيان» ـ يتمثل فيما يمكن وصفه ب«السيناريو المكسيكي» وهو سيناريو نرى أنه يجب الاهتمام به خليجيا ودراسته وبحث أوجه التشابه والاختلاف بينه وبين سيناريوهات ما يمكن أن يحدث في المنطقة خلال ليس المائة عام المقبلة وإنما الخمسين عاما المقبلة على أقصى تقدير.
في السيناريو الذي يرسمه فريدمان يشير إلى أن المشكلة التي ستواجه الولايات المتحدة خلال العقد الثالث من القرن الجاري ستتمثل في نقص الأيدي العاملة. سينتج عن ذلك تدفق كبير للمهاجرين من كل الأقطار وسيكون من بين المهاجرين بالتأكيد عمالة مكسيكية. غير أنه يشير إلى أنه إذا كان بقية المهاجرين سيتصرفون بشكل طبيعي بالاندماج والذوبان في المجتمع الأميركي، فإن المكسيكيين سيتصرفون بشكل مختلف. كيف؟
في عرضه لتفاصيل هذا السيناريو يخلص فريدمان إلى أن المكسيكيين لاعتبارات الجوار الجغرافي وسهولة الانتقال، لن يكونوا في عزلة عن وطنهم الأم وأنهم بطرق مختلفة سيمثلون امتداد لوطنهم داخل الولايات المتحدة. وبحلول عام 2060 حسب فريدمان فإن المناطق التي نراها تضم نحو 50% من المكسيكيين ستتحول إلى مناطق يقطنها مكسيكيون بنسبة 100%، وأن تلك التي تضم 25% ستتحول ليصبح نصفها من المكسيكيين.
وسيواكب ذلك مظاهرات من المكسيكيين في عدد من الولايات والمدن الأميركية مثل مكيسكو سيتي ولوس أنجلوس وسان دييجو وهويستن وسان انطونيو ومدن أخرى في المناطق الحدودية للانضمام إلى المكسيك. وسينتهي الأمر بأن تصبح المكسيك المنافس الرئيسي للولايات المتحدة على زعامة النظام الدولي.
لا شك أن هذا الأمر يعبر عن خيال في خيال، ولكن الحقيقة تكون في بعض الأحيان أغرب من الخيال، وإذا كان دي توكفيل ونيتشه توقعا بزوغ نجم الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي في القرن العشرين، وفق ما يشير له المؤلف في كتابه، فمن يدري لعل توقعاته هو تتحقق بشكل أو بآخر.
على صعيد المقاربة والمشابهة مع الوضع في الخليج ليس في الأمر محاولة للتهويل، وإنما لإطلاق العنان للخيال السياسي ـ وغير السياسي ـ السمة التي تميز العقل الغربي، حتى يمكن تلمس مسارات الأحداث وأخذها في الاعتبار ما أمكن ذلك.
السؤال: كيف سيتطور حال الخليج في ظل هذا الانتقال الكثيف للعمالة من دول بعينها، بالشكل الذي يغير من التركيبة السكانية في دول المنطقة؟ السؤال مشروع، ومحاولة إعمال الخيال الخلاق بشأنه واجبة، ولكن للأسف نشير، إلى أنه في حدود علمنا، لا توجد محاولة متكاملة على شاكلة تلك التي قدمها فريدمان.
في اجتهاد سريع على خلفية هذه القضية راح كاتب ـ غربي أيضا هذه المرة هو أندرو هاموند ـ يحذر الولايات المتحدة حين تصاعدت موجة نشر الديمقراطية خلال حقبة بوش الابن، من أن ذلك قد ينتهي حال تنفيذ هذا المطلب حرفيا إلى تسيد الهنود في المنطقة. الصورة كئيبة والسيناريوهات قد تكون مخيفة، والتحسب لها يبدو في أقل أوضاعه استعدادا، وأبواب المستقبل مشرعة على كل الاحتمالات.
