حشرت إدارة أوباما إسرائيل في زاوية حرجة، بالنسبة للقضايا الشرق أوسطية، ولاسيما فيما يتعلق بعملية التسوية (الاستيطان والقدس وحل الدولتين).
وبحسب شمعون شيفر فإن «أوباما مصمم على الوصول في سياق ولايته إلى تسوية دائمة بين إسرائيل والفلسطينيين.. إسرائيل سيتعين عليها أن تنفذ نصيبها، بما في ذلك تجميد البناء في المستوطنات». ويصف شيفر هذا الموقف بأنه بمثابة «أزمة..شعلة، إذا لم نحرص على إطفائها في اقرب وقت ممكن من شأنها أن تحرق ما تبقى من العلاقات الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة».
(شمعون شيفر، «يديعوت احرونوت» 9/7). المهم في الموضوع الآن هو أن إدارة أوباما تبدو وكأنها متحررة في موقفها من إسرائيل من ضغوط اللوبي اليهودي في واشنطن، بل إن اوباما وصل حد الضغط من خلال هذا اللوبي على حكومة نتانياهو، كما تبدى ذلك في اجتماعه مع ممثلي هذا اللوبي (ايباك ومنظمة مؤتمر الرؤساء، اتحاد الطوائف اليهودية ومنظمة جي ستريت والسلام الآن)، في الولايات المتحدة (يوم 13/7).
وكان اوباما صريحا معهم بقوله: «على إسرائيل أن تجتاز عملية «حساب للنفس» في الموضوع الفلسطيني..أنا اتخذ سياسة متوازنة، أمارس الضغط على إسرائيل ولكن على الفلسطينيين أيضا وعلى الدول العربية. على كل طرف أن يفي بتعهداته». (باراك رابيد، «هآرتس» 14/7).
تخبط سياسي
ويتضح من ردود الفعل الإسرائيلية، خصوصا تلك الصادرة عن بنيامين نتانياهو ومستشاره لشؤون الأمن القومي غيورا ايلاند ووزير خارجيته افيغدور ليبرمان، بأن ثمة نوع من التخبط السياسي، وانعدام اليقين إزاء المستقبل، والقلق على المكانة الأثيرة والخاصة التي طالما تبوأتها إسرائيل لدى الولايات المتحدة الأميركية.
معلوم أن الأسابيع الماضية (وقبل خطاب أوباما في القاهرة) شهدت ضغطا سياسيا من أركان الإدارة الأميركية، على إسرائيل، ضمنها اعتبار دان كويل (نائب الرئيس الأميركي) بأن ثمة مصلحة للولايات المتحدة بإقامة دولة فلسطينية للتسهيل على سياستها الشرق أوسطية.
ولاسيما لتحجيم نفوذ إيران، وإعلان هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية بأن الولايات المتحدة لم تتعهد بشيء لإسرائيل في عهد بوش، يبيح لها توسيع المستوطنات، وبأن إسرائيل لا تملك لوحدها تقرير مصير القدس الذي يجب أن يبت في المفاوضات، كما ثمة تصريحات لجورج ميتشيل (المبعوث للشرق الأوسط) مفادها أن إسرائيل خدعت الولايات المتحدة بشأن الأنشطة الاستيطانية التي عملت على تعزيزها لفرض الأمر الواقع.
طبعا، ومع أهمية كل هذا الكلام، إلا أنه لا يعني بأن إدارة أوباما ستتخلى عن دعم إسرائيل، أو أنها ستكون متساهلة بشأن تعريضها لمخاطر، أو أنها ستفرط بالعلاقة الخاصة والمتميزة معها؛ فهذه المسائل من ثوابت العلاقة بين الطرفين.
وعلى الأرجح فإن سياسة إدارة أوباما، تتميز عن سابقاتها من الإدارات الأميركية، (بما يتعلق بملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي) بأنها بدأت عهدها بفتح ملف القضية الفلسطينية، والصراع العربي ـ الإسرائيلي عموما، بزخم عال، مؤكدة أولوية حل هذه القضية، واعتبارها مدخلا لحل مختلف الأزمات الموجودة في المنطقة.
وفي ذلك فقد أعادت هذه الإدارة الربط بين قضية فلسطين وقضايا المنطقة، من العراق إلى مكافحة التطرف والعنف إلى التعامل مع إيران. الأنكى أن هذه الإدارة تخلت عن مصطلح «الإرهاب»، الملتبس والأيديولوجي، متبنية مصطلح المقاومة والعنف، مع تأكيدها رفض العنف كأسلوب للمقاومة.
فوق ذلك فثمة ما يلفت الانتباه في خطاب أوباما (في القاهرة 4/6) بكلامه عن ستة عقود على معاناة الشعب الفلسطيني، بمعنى أنه يعتبر العام 1948 أي عام النكبة، العام المؤسس لهذه القضية، وليس العام 1967.
ضعف نفوذ اللوبي
ولعل مشكلة إسرائيل، هذه المرة، أن سياسات الرئيس أوباما تلقى إجماعا داخليا يضعف معها نفوذ اللوبي الإسرائيلي، بل إن ثمة قطاعات من يهود أميركا تؤيد هذه السياسات، في محاولة ل« إنقاذ إسرائيل من نفسها» (بحسب تعبير جورج بول مساعد وزير الخارجية الأميركية عند الرئيس كارتر).
إضافة إلى ذلك فثمة مجموعة قيادية متماسكة من حول اوباما من نائبه دان كويل، إلى وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، إلى وزير دفاعه روبرت جيتس، إلى رئيس موظفي البيت الأبيض رام عمانويل، وكل هؤلاء بعثوا بتصريحات قوية وحاسمة لإسرائيل بشأن ضرورة عدم التلاعب، ووقف تضييع الوقت، والسير في اتجاه حل الدولتين، وعدم شرعية الاستيطان، ورفض الادعاء الحصري لليهود بالقدس.
في هذا الإطار أيضا يمكن احتساب عدم قيام اوباما بزيارة إسرائيل، لدى زيارته للمنطقة (الشهر الماضي)، بمثابة سابقة فريدة من نوعها، ونوع من الضغط على إسرائيل لدفعها لمسايرة السياسة الأميركية، التي باتت ترى بقيام دولة فلسطينية مصلحة أميركية، وجزءا من الأمن القومي الأميركي، باعتبار التحديات التي تواجهها هذه الإدارة، لجهة الانسحاب من العراق، وتحجيم نفوذ إيران الإقليمي، ومواجهة التطرف والعنف لاسيما في أفغانستان وباكستان.
كل هذه التطورات المتعلقة بالعلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، مع الأزمات الدولية والإقليمية، ترجّح ازدياد الضغوط الخارجية والداخلية على نتانياهو وحكومته لإيجاد مقاربة مع إدارة أوباما، تجنب إسرائيل الضغوط، وتسهل على سياسة الولايات المتحدة في المنطقة، وتحافظ على المكانة الخاصة لإسرائيل لديها.
إخفاق من نتانياهو
ويشرح ألوف هذه الحال بالكلمات التالية: «نتانياهو اخفق في بناء علاقات ثقة مع الرئيس الأميركي..إسرائيل والولايات المتحدة تتبادلان الرسائل السياسية عبر الخطابات والصحف، وليس عبر المشاورات السرية.
نتانياهو مقتنع بأن أوباما يسعى للمواجهة مع إسرائيل، أما أوباما وهيلاري فيوصيان رئيس الحكومة علنا بتغيير لونه السياسي كما فعل بيغن، شارون وأولمرت..الصورة التي وزعها البيت الأبيض عن المكالمة الهاتفية بين أوباما ونتانياهو أول من أمس تقول كل شيء: الرئيس واضعا حذاءه على الطاولة، وجهه جدي ويده تشير بحركة «أصغ إلي واكتب مائة مرة، الدولة الفلسطينية. اجل، فلسطين»..
يعرف أوباما انه لا توجد في الشرق الأوسط إهانة اكبر من توجيه الحذاء إلى الشخص الذي تحادثه.. («هآرتس» 10/6) ويتفق بن كسبيت مع هذا التحليل، بكشفه عن الهواجس التي تنتاب حاليا نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، والذي بات يتحدث في الغرف المغلقة عن أن «الأميركيين سيعرضون في الصيف خطة سلام أساسها العودة إلى حدود 1967. وهم سيعقدون مؤتمرا دوليا يفترض فيه أن يبرم كل شيء بين إسرائيل والعالم العربي». («معاريف» 4/6). مقابل هذه الأوضاع والضغوطات والتجاذبات في العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، تبدو حكومة نتانياهو في مواجهة سيناريوهات عديدة وصعبة.
وإذا نحينا جانبا السيناريو المتمثل بالتسليم تماما لتوجهات السياسة الأميركية، فثمة السيناريو المتمثل برفض هذه التوجهات، لكن هذا السيناريو سيكون جد صعبا على إسرائيل، بسبب كلفته الخارجية والداخلية، ولأنه سيضع إسرائيل بمكانة المعرقل للترتيبات الأميركية في المنطقة، خصوصا أن الأوضاع الدولية والإقليمية المتأزمة لا تحتمل مثل هذا التأزم في العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية، والذي ستتحمل مسؤوليته حكومة نتانياهو تحديدا.
هكذا لجأ نتانياهو لسيناريو ثالث يتمثل بالقبول بصيغة ما لحل الدولتين، تماما مثلما ابتلع اتفاق أوسلو في ولايته الأولى (بحسب ألوف بن هآرتس 10/6)، وهو حل قاربه سلفه أرئيل شارون، وبعده ايهود اولمرت، وهما من قيادات اليمين الإسرائيلي؛ وليس صدفة أن حزب الليكود انقسم (بخروج شارون واولمرت وليفني)، وتشكيل حزب كاديما، على خلفية ذلك.
وبالطبع فإن نتانياهو لن يسهل على هذا الخيار، وهو منذ البداية وضع شروطا صعبه عليه، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل ستقبل الإدارة الأميركية بهذه الشروط؟ وإلى أي حد ستكون حازمة بسعيها لإيجاد حل للقضية الفلسطينية ولكل القضايا الشرق أوسطية، ومدى الضغط الذي تبذله إزاء إسرائيل.
خطة لدولة فلسطينية
وبرأي المحلل السياسي أري شافيط «هناك سبيل واحد فقط يمكن لبيبي من خلاله أن ينقذ نفسه والآن.. خطة طويلة المدى لبناء الأمة الفلسطينية. لا انابوليس فاشلاً على غرار اولمرت وبوش. لا خطابات خاوية حول الدولتين فورا على غرار ليفني ورايس. خطة تتلاءم مع معتقدات أوباما حول بناء الأمم والحاجة العربية لعملية فلسطينية من دون إحداق الأمن الإسرائيلي بالخطر.
خطة تتيح للولايات المتحدة وإسرائيل ومصر والسعودية والأردن بلورة مشروع إقليمي يوفر للشرق الأوسط المتكدر افقاً من الأمل. (آري شافيط، «هآرتس» 4/6)
أخيرا فإن المسألة لا تتوقف على ما يدور بين إسرائيل والولايات المتحدة، فقط، فهي تتوقف أيضا على ما يفعله الفلسطينيون، وعلى سلامة ووحدة الموقف العربي.
ماجد كيالي
