العولمة قسمت العالم بالصراع الاقتصادي إلى شمال وجنوب لا إلى شرق وغرب.. بالصراع الأيديولوجي. عالم الشمال المسيطر غني ومتقدم، وعالم الجنوب المسيطر عليه فقير ومتخلف.. والهوة شاسعة بين العالمين!
المطلوب الآن الانتقال من الحوار بين الشمال والجنوب فقط إلى التكامل بين الجنوب والجنوب أيضا. مطلوب من الإعلام الاقتصادي العربي الإضاءة على قمم الدول النامية بقدر الاهتمام بقمم الدول الصناعية. لم يعد العالم في «عصر العولمة» منقسما بين شرق وغرب كما كان في عصر الحرب الباردة، بل أصبح منقسما بين شمال وجنوب.. شمال غني صناعي رأسمالي متقدم، وجنوب فقير نامي غير رأسمالي متخلف. وبسبب سياسات الشمال الاقتصادية والعسكرية الساعية إلى السيطرة على ثروات الجنوب، والتي ضاعفت الديون، وعرقلت التنمية، وأدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة ونقص الغذاء ومشاكل المناخ، فقد اتسعت مساحة الفقر والتخلف في الجنوب.
وبسبب اعتماد دول الجنوب على وعود الشمال بالمساعدة في تخفيف الديون ودعم برامج التنمية دون الوفاء إلا بربع هذه الوعود، وبسبب ضعف استثمار أرض الجنوب في الزراعة، وخامات الجنوب في الصناعة، وغياب التكامل بين الجنوب والجنوب.. فقد أصبحت الهوة بين العالمين واسعة، والفجوة بين القسمين عميقة، مما يحمل الدول الصناعية الكبرى مسؤولية كبرى في جسر هذه الهوة، ويضاعف مسؤولية الدول النامية في سد هذه الفجوة.
محاولة لمواجهة الفوضى
بينما كانت مجموعة الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى «تحت العشرين»، الست بدون كندا وروسيا، والسبع بانضمام كندا وبدون روسيا، التي كانت تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان، أو مجموعة الدول الثماني بانضمام روسيا بعد التحول في النظام السياسي والاقتصادي باتجاه نظام السوق، هي القوة العالمية الاقتصادية الكبرى المهيمنة بأدواتها العالمية الممثلة في البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي على النظام الاقتصادي العالمي بقيادة أميركية ولكنها انتهت إلى الفشل بانفجار الأزمة المالية العالمية وما تبعها من أزمات!
دعت الإدارة الأميركية التي تسببت بسياساتها الرأسمالية التي تعتمد حرية السوق المطلقة إلى حد الفوضى، إلى قمة انتقائية لعشرين دولة بدلا من دعوة الدول الثمانية الكبرى، لمساعدتها على الخروج من النفق وإعادة تنظيم النظام المالي العالمي، وهى الدول ذات الحجم الأكبر في الاقتصاد العالمي، ويغلب عليها إضافة للدول الثماني الكبرى أقلية من الاقتصادات الصاعدة والنامية كالصين والهند والبرازيل والسعودية،مع غالبية من الحضور الأوروبي والآسيوي المرتبط بالنظام الرأسمالي المأزوم.
وبينما عقدت قمة دول الشمال الثماني الصناعية في اليابان بيوم جنوبي بحضور قادة سبع دول أفريقية هي جنوب أفريقيا والجزائر وأثيوبيا وغانا ونيجيريا والسنغال وتنزانيا طالبت بالوفاء بتعهدات قمة اسكتنلدا عام 2005، بمضاعفة مساعدات الثماني السنوية للقارة في 2010، قياسا إلى مستواها في 2004، وهو 25 مليار دولار، إذ لم تف إلا بأقل من ربع ما تعهدت به فقط!!
وفي حين قدمت دولة الإمارات «والتي هي إحدى دول الجنوب» ما نسبته 5,3% من دخلها القومي، لم تنفذ دول الشمال المتقدم ما التزمت به من تعهدات في «مونتريه» والتي لم تزد على تخصيص نسبة 7.% من دخلها القومي لدعم برامج التنمية في الدول النامية، وما نسبته 15.% إلى 20.% لمواجهة الفقر في البلدان الأقل نمواً.
تحصيل حاصل
وقد أعاد قادة الدول الصناعية الكبرى اكتشاف الكهرباء بقولهم في ختام قمتهم:«إننا «قلقون للغاية» لأن الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء العالمي، بالإضافة إلى وجود مشاكل في توفر الغذاء في عدد من الدول النامية يهدد الأمن الغذائي العالمي.»!وبقولهم إن «التأثيرات السلبية لهذا الاتجاه الجديد قد تدفع ملايين الأشخاص مجددا إلى الفقر مما يقضي على التقدم الذي تحقق في سبيل تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة»...
فليس في هذا جديد وسبق أن حذرت منه الدول النامية والمنظمات الدولية وحملت فيه المسؤولية للدول الصناعية الكبرى. لكن الجديد هو «دعوة» هذه الدول الجهات المانحة إلى تقديم مساعدات إضافية للدول النامية مشيرين إلى أنهم تعهدوا بتقديم مبلغ 10 مليارات دولار لدعم مساعدات الغذاء وسبل زيادة الإنتاج الزراعي في بعض أفقر المناطق في العالم.. ولا نقول سوى أفلحوا إن صدقوا!
وفي أول اجتماع لقمة الثمانية الصناعية الكبرى بعد الأزمة المالية العالمية وما تبعها من أزمات، في لاكويلا بإيطاليا في الأسبوع الأول من الشهر الحالي بدا أن إدراك هذه الدول الكبرى بأنه ليس في مقدورها وحدها حل الأزمات العالمية التي تسببت بها، لذا ضمت إلى هذا المنتدى الثماني ست دول صاعدة ونامية للمشاركة في اجتماعاتها، والجديد هو اقتراح رئيس الوزراء الايطالي سلفيو برلسكوني بتحويل مجموعة الثمانية إلى مجموعة الـ 14 باعتبارها الصيغة الأفضل، في إشارة إلى أن قيادة الدول الكبرى قد تجاوزها العالم.
شيء من الماضي
ومثلما تجاوز العالم صيغة الدول الست الكبرى، وصيغة الدول السبع الكبرى، يبدو أن العالم قد تجاوز صيغة الدول الثماني، يؤكد ذلك ما أوضحه «جيمس ولفنستون» المدير العام السابق للبنك الدولي من أن قيادة الدول السبع الصناعية الكبرى للاقتصاد العالمي «أصبح شيئا من الماضي». تماما مثلما بات النظام الاقتصادي الرأسمالي التقليدي القديم الذي بقوم على حرية السوق إلى حد الفوضى يبدو لنا شيئا من الماضي!
لكن حتى صيغة مجموعة الـ 14 ( 68) الأخيرة وتضم إلى مجموعة الثمانية الشمالية الصناعية وهي أميركا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وكندا وروسيا، مجموعة الستة الجنوبية الصاعدة والنامية وهي:
الصين والهند والبرازيل والمكسيك وجنوب أفريقيا بالإضافة إلى مصر التي تحضر لأول مرة، لم تصل إلى 16 بصيغة (8 +8)، بل تفوقت فيها الدول الثمانية على الدول الستة، تبقى أيضا عاجزة عن الحل، وهي الأقلية التي لن تملك التأثير الكبير في صناعة قرار المجموعة، كما لا تمثل في الواقع كل بلدان العالم وبالتالي يصعب عليها حل مشاكل العالم.
فأين مثلا مجموعة السبع وسبعين من هذه المنتديات؟.. بل أين مجموعة الدول الإسلامية النامية الكبرى التي تكونت في قمتها الأولى في «استانبول» عام1997 بمبادرة من رئيس الوزراء التركي الأسبق» نجم الدين أربكان؟.. للعمل المشترك لمواجهة التحديات الخارجية التي تواجه الدول النامية عموما والدول الإسلامية خصوصا في ظل سياسة «العولمة» التي تكرس في النهاية «الهيمنة» الاقتصادية للدول الثماني الصناعية الكبرى على اقتصادات الدول النامية الصغرى في العالم.
مبادرات شمالية خالصة
لكننا في النهاية وأيا كانت الصيغ المتعددة السابقة أمام مشهدين قمة العشرين في جنيف بمبادرة أميركية، وقمة الأربعة عشر في لاكويلا عام 2009 بمبادرة إيطالية، وكلها صيغ لمبادرات شمالية، بما يعني رسوخ إدراك الدول الشمالية الكبرى أنها ليست قادرة وحدها دون مشاركة بنسبة ما مع دول الجنوب الصاعدة والنامية على حل جملة الأزمات التي تسببت فيها بسياساتها الرأسمالية العولمية لا العالمية.
فمنتدى الستة، الذي نشأ بمبادرة من الرئيس الفرنسي فاليري جسكار ديستان عام 1975 قد أصبح منتدى لثمانية بلدان بعد أن انضمت إلى الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا واليابان كل من كندا وروسيا. فهذه المجموعة كانت تمثل البلدان الصناعية الكبرى، ويصل إجمالي نصيبها في صادرات العالم إلى 49%، وتنتج 51% من إجمالي الانتاج الصناعي العالمي قبل التحول إلى صيغة الدول الأربعة عشر في اجتماعها بإيطاليا.
فماذا قدمت قمة لاكويلا من جديد لحلول الأزمات المالية والاقتصادية والمناخية والتنموية في ظل المتغيرات الأميركية والعالمية ؟.. وإلى أي مدي عكست قراراتها رؤى ومطالب دول الجنوب الخمسة لا دول الشمال الثماني؟.. (انظر البيان الختامي، واحكم بنفسك).
العالم الآن يشهد تغيرا يستدعى التغيير على قمته إن لم يفرضه، هذا إن لم يكن العالم قد تغير بالفعل في ملامح كثيرة سواء قبل انكشاف الأزمات المالية والاقتصادية الأميركية في ظل معادلات جديدة للقوى الاقتصادية والسياسية والعسكرية الجديدة، أو بعد انهيار النظام المالي الأميركي وبالتالي النظام الرأسمالي الأوروبي والآسيوي التابع للنظام الأميركي بما غير موازين القوى في المعادلات التقليدية القديمة إلى موازين جديدة فرضت نفسها سواء في دعوتها لقمة العشرين أو لقمة الأربعة عشر.
والمتغير الأساسي الذي ميز القمة الأخيرة للدول الصناعية الكبرى التي اختتمت أعمالها في إيطاليا ويصب في صالح الدول النامية، جاء اتساقا مع المتغيرات العالمية خاصة في العلاقة بين الشمال والجنوب مع تغير الإدارة الأميركية بغياب بوش وحضور أوباما.
إطار أوسع شكليا
فقد تحولت هذه القمة من إطار ضيق للدول الثماني المتقدمة فقط يقرر بأحادية شؤون العالم، إلى إطار أوسع يضم الدول الست الناشئة والنامية أيضا، ويعتمد الحوار والتشاور منهجا لقراراته، إدراكا من هذه الدول الكبرى أنها لن تستطيع وحدها معالجة الأزمات العالمية دون شراكة عالمية، وصولا إلى نوع من العدالة الإنسانية بين عالمين في الشمال والجنوب تفصل بينهما هوة كبيرة، عالم كان يزداد فيه المتقدمون والأغنياء تقدما وغنى على حساب عالم ظل يزداد فيه الساعون إلى النمو تخلفا ويزداد فيه الفقراء فقرا!
لذلك أدركت التجمعات والمنظمات الاقتصادية العالمية ضرورة إعادة تقويم نتائج سياسات العولمة الاقتصادية وما أدت إليه من آثار سياسية واجتماعية سلبية خطيرة خصوصا على فقراء النصف الجنوبي، بل وعلى الطبقة الفقيرة في النصف الشمالي من العالم، واتجهت لوضع سياسات عالمية لا عولمية جديدة تعتمد على مشروعات تنموية إنتاجية جديدة، وتوجه مزيدا من الاستثمارات إلى الدول النامية والفقيرة، في مجالات الزراعة والإنتاج الغذائي.
وبينما كانت الأزمة المالية العالمية، ومشكلة الانبعاث الحراري، والموضوع النووي هي المسائل الأهم المطروحة في مؤتمر قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى والدول الناشئة والدول الأفريقية، استأثرت الدول الفقيرة في أفريقيا جنوب الصحراء بالقرار الأهم الذي يتفق مع ما جعلته القمة الأفريقية الأخيرة في ليبيا موضوعا لها وهو «الاستثمار في مشروعات الزراعة لتحقيق الأمن الغذائي» وطالبت العالم المتقدم بزيادة استثماراته في هذا المجال لأفريقيا.
لقاء أوباما ـ القذافي
وعدا ما تحقق بمشاركة قادة أفارقة في مقدمتهم الرئيس المصري والجنوب أفريقي، وبأول لقاء بين رئيس الاتحاد الأفريقي معمر القذافي ورئيس الولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما، فقد تحققت خطوة على هذا الطريق عندما تمثل ذلك القرار في تقديم 20 مليار دولار لدعم مشاريع التنمية الزراعية في الدول النامية والفقيرة وزيادة الاستثمار خاصة في أفريقيا لتحقيق الأمن الغذائي الإقليمي والعالمي، ولتخفيض معدلات الفقر والجوع في العالم..
فماذا ينتظر من قمة الأربعة عشر، التي لا هي تحت العشرين كما كانت بصيغة الثمانية، ولا فوق العشرين بصيغة الـ 191 كما يلزم ؟.. للتوصل إلى نظام مالي واقتصادي عالمي صحيح وجديد أكثر عدالة وأكثر توازنا بين الشمال والجنوب، بما يكفى لتجنيب النظام الاقتصادي والاجتماعي العالمي مخاطر الركود والكساد والبطالة والفقر، ولتصحيح الخلل في هياكل النظام السياسي العالمي الحالي ؟.. لننتظر ونرى!
إضاءة
العالم الآن يشهد تغيرا يستدعي التغيير على قمته إن لم يفرضه، هذا إن لم يكن العالم قد تغير بالفعل في ملامح كثيرة سواء قبل انكشاف الأزمات المالية والاقتصادية الأميركية في ظل معادلات جديدة للقوى الاقتصادية والسياسية والعسكرية الجديدة، أو بعد انهيار النظام المالي الأميركي وبالتالي النظام الرأسمالي الأوروبي والآسيوي التابع للنظام الأميركي بما غير موازين القوى في المعادلات التقليدية القديمة إلى موازين جديدة فرضت نفسها سواء في دعوتها لقمة العشرين أو لقمة الأربعة عشر.
والمتغير الأساسي الذي ميز القمة الأخيرة للدول الصناعية الكبرى التي اختتمت أعمالها في إيطاليا ويصب في صالح الدول النامية، جاء اتساقا مع المتغيرات العالمية خاصة في العلاقة بين الشمال والجنوب مع تغير الإدارة الأميركية بغياب بوش وحضور أوباما.
ممدوح طه

