رغم أن قمة الثماني التي اختتمت أعمالها مؤخرا في لاكويلا بإيطاليا لم تحقق النتائج والآمال المعلقة عليها، إلا أنه يمكن القول إنها تعد من أكثر قمم المجموعة التي سادتها أجواء وفاق عكست رغبة عارمة من قبل الدول المشاركة فيها في تجاوز مجموع المشكلات التي يواجهها النظام الدولي سواء السياسية أو الاقتصادية أو الطبيعية وإن بطريقة تسكين هذه المشكلات دون حلول جذرية لها. ويبدو هذا الاستنتاج واضحا من خلال القراءة الدقيقة المتأنية للقرارات التي خرجت بها القمة بشأن القضايا التي جرى مناقشتها خلال أعمالها.

فعلى الصعيد السياسي ركزت القمة على قضيتين أساسيتين هما الموقف من إيران والقضية الفلسطينية، وإذا كانت الأولى محل شد وجذب بين أطراف القمة فيما الثانية محل قدر من الاتفاق، فقد تناول زعماء القمة الموقف من البرنامج النووي الإيراني بنبرة هادئة رغم ما بدا من محاولة الولايات المتحدة تبني القمة لهجة أكثر حزما، الأمر الذي عبرت عنه تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما والذي راح يؤكد على أن القوى الكبري لن تنتظر إيران إلى ما لانهاية بشأن ملفها النووي، معربا عن قلقه في الوقت ذاته بشأن الأحداث التي واكبت الانتخابات الرئاسية الإيرانية.

ورغم ذلك فقد أكد القادة التزامهم بحل سلمي لبرنامج إيران النووي وإمهال المفاوضات شهرين قبل اتخاذ قرارات جديدة، ما يعني إرجاء مناقشة الملف مرة أخرى إلى سبتمبر المقبل خلال اجتماع مجموعة العشرين وهو ما يعكس وجود اتجاه مضاد للموقف الأمريكي ما أدى إلى خروج القمة بموقف يمكن اعتباره متوازنا تجاه طهران، التي أفلتت من إدانتها بشكل محدد في القمة، وهو ما عكسه تصريح وزير الخارجية الإيطالي فرانكو فرتيني الذي ترأس بلاه مجموعة الثماني بقوله أن شروط إدانة إيران في القمة غير متوفرة حتى الساعة.

تأييد حل الدولتين

أما على صعيد الموقف من القضية الفلسطينية فقد تم اتخاذ موقف يمكن اعتباره من وجهة النظر العربية إيجابيا في حدود الطبيعة التي تعكسها قرارات مجموعة الثماني التوافقية حيث تبنى قادة المجموعة الدعوى إلى استئناف سريع للمفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين بهدف إيجاد حل يقوم على الدولتين، مع المطالبة بالفتح الفوري للمعابر إلى قطاع غزة من أجل تدفق المعونات الإنسانية والبضائع التجارية والأشخاص من غزة وإليها بطريقة «تراعي أمن إسرائيل» وهو الموقف الذي قد يبدو أكثر تطورا من مواقف دول عربية بشأن التعامل مع الملف الفلسطيني رغم ما يمكن أن يرد عليه من مؤاخذات.

من السياسة إلى الاقتصاد فقد كان الهم الأكبر المسيطر على المناقشات الأزمة المالية العالمية والتي ألقت بظلالها على أجواء القمة. ورغم الآمال التي سادت بتوصل القمة إلى خطة لوضع نظام مالي عالمي جديد، إلا أن مداولات القمة أثبتت أن هذه آمالا مبالغا فيها، حيث لم تخرج بموقف محدد يمكن التعويل عليه بشأن معالجة الأزمة.

ورغم إشارة القمة إلى حدوث تحسن طفيف في الاقتصاد العالمي وكذا مؤشرات على استقرار فيه، إلا أنها حرصت في الوقت ذاته على تبديد أية أوهام يمكن أن تسود على خلفية هذا الطرح، فأبدت حذرها الشديد بشأن فرصة حدوث نهوض دائم. بعبارة محددة راحت القمة تؤكد على أن الوضع الاقتصادي لا يزال غامضا بما يمكن أن يكون له من تداعيات اجتماعية خطيرة.

ويعكس ذلك إخفاقا من القمة في معالجة الأزمة ولو من قبيل طرح سبل منع تكرار الأزمة المالية في المستقبل التي كان من المفترض ان تكون واحدة من البنود الرئيسية على اجندة القمة.

تقويض الأزمات العالمية

غير أنه إذا كانت القمة قد أخفقت في التعاطي الفعال مع هذا الجانب، فإنها حققت نجاحا يذكر على صعيد عدد من القضايا الأخرى يماثل ما حققته على الصعيد السياسي، ويجب هنا عدم إغفال أن القمة تعكس مجموعة مصالح متباينة تعكس الدول التي تمثلها، وهو ما يلقي بتأثيره على مواقف أطرافها بشكل ينعكس في التضارب بشان القضايا المطروحة، وهو ما يجعلنا نصف ذلك القدر من التوافق بشأن القضايا المطروحة باعتباره نجاحا.

وقد أقرت القمة في ذلك الصدد مجموعة من السياسات والقرارات التي تعكس رغبة في خلق أجواء جديدة تحد من مستوى الأزمات التي يواجهها النظام العالمي ومن ذلك الجانب الخاص بالأمن الغذائي ويرتبط به مباشرة الموقف من الأوضاع في أفريقيا، إلى جانب قضية التغير المناخي.

فبالنسبة للأمن الغذائي فمع إقرار القمة بقلقها إزاء حالة الأمن الغذائي العالمي وأثر الأزمة المالية العالمية وارتفاع أسعار المواد الغذائية على الدول الأقل قدرة على مواجهة تفاقم المجاعة والفقر، فقد أقرت خطوة يعتبرها الكثيرون تعكس تحولا من معالجة أزمة الغذاء تتمثل في التركيز في المرحلة المقبلة على زيادة إنتاج الدول الفقيرة من المحاصيل بدلا من المساعدات الغذائية المباشرة.

وتبدو أهمية هذه الخطوة في ضوء إدراك ارتفاع عدد الجياع في العالم، حسب تقديرات برنامج الغذاء العالمي بنحو مليار شخص، فضلا عن تحذير وكالات الإغاثة من أن الأزمة الاقتصادية العالمية دفعت بمئة مليون شخص يعيشون في الدول النامية إلى ما تحت خط الفقر، وأنها صعدت من مخاطر حدوث مجاعات وثورات جوع في أنحاء العالم.

وعلى ذلك يمكن تفهم الترحيب الذي لقيه موقف قادة المجموعة والذي انعكس في اشادة المختصين بموقف قمة الثماني حيث أشاد بها كانيا نوانز مدير الصندوق الدولي للتنمية الزراعية معتبرا أن الأمن الغذائي لا يعني فقط المساعدات الغذائية بل أيضا قدرة الشعوب على إنتاج الغذاء محليا والوصول بحرية إلى الأسواق المحلية.

غير أنه يبقى ما أكد عليه البعض، وحتى لا تتحول القمة إلى مجرد مكان لاتخاذ القرارات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، ضمان الآلية التي تحقق هذه الخطوة سواء من خلال زيادة الاستثمارات في قطاع الزراعة بالدول النامية، وكذا التغلب على المشكلات السياسية ومشاكل الطقس التي قد تعرقل المساعدات الغذائية حسبما أكد رئيس البنك الدولي.

زيادة الدعم لأفريقيا

ويرتبط بالموقف الخاص بالأمن الغذائي التزام قادة المجموعة بالوفاء بوعودها بزيادة مساعداتها من أجل التنمية في إفريقيا إلى 25 مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة عبر استراتيجية شاملة ومنسقة تركز على التنمية الزراعية المستدامة وهي المصدر الرئيسي للدخل في العديد من الدول الإفريقية جنوب الصحراء.

ورغم ما قد يبدو من ضخامة المبلغ إلا أنه على أرض الواقع ليس كذلك، سواء لدى مقارنته بما أنفق على البنوك في مواجهة الأزمة المالية العالمية، أو سواء بما كان مقرر سلفا، وهو ما دعا جاك ضيوف مدير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة إلى التأكيد على أن المبلغ المخصص ليس كافيا، رغم ترحيبه المبدئي بهذه الخطوة، حيث كانت المجموعة قد تعهدت بدفع مبلغ 50 مليار دولار إضافية كمساعدات لأفريقيا بحلول 2010 ولم يسدد سوى أقل من ربع المبلغ.

وإزاء ذلك الجانب والمتعلق بضمان تنفيذ القرارات التي يتم اتخاذها اتفق المشاركون في القمة على آلية للتحقق من عملية التسديد، وهو ما أشار اليه كذلك تصريح ساركوزي والذي أوضح فيه أن مجموعة الثماني ستقوم بالتحقق من التزاماتها وستقدم أرقاما لكل قطاع على حدة للتمكن من إجراء مقارنة.

التغير المناخي: مواقف متضاربة

يضاف إلى ما سبق، فإنه من بين القضايا الحيوية التي طرحت على القمة وعملت على اتخاذ قرار بشأنها تلك المتعلقة بالتغير المناخي، وهو الأمر الذي يسود الجدل بشأن ما تم الاتفاق عليه بشأنها خلال القمة ففيما يعتبر البعض ما تم إنجازا يراه البعض يعبر عن قصور في الجهود الدولية للحد من تأثير التغيرات في المناخ.

وفي ذلك الصدد جرى الاتفاق على خفض انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري في محاولة للوصول بها إلى نصف ما كانت عليه في العالم عام 1990، وخفض انبعاثاتها هذه الدول ذاتها إلى 80% أو أقل حسبما جاء في البيان الختامي.

وفي إشادة بهذا التطور يرى البعض أن موافقة الصين والهند على الانضمام للمسعى الدولي لخفض كبير في نسبة الانبعاثات بحلول عام 2050 يعتبر إنجازا كبيرا حيث يلزمهما الاتفاق بتحمل المسؤولية إلى جانب الدول الأكثر تلويثا للبيئة. وفي ترويج لهذا التطور راح الرئيس أوباما يشيد بما وصفه التوافق التاريخي بشأن هذا التطور.

غير أنه في المقابل وفيما يثير الدهشة بشأن التباين في تقييم هذه الخطوة تحفظ الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حيث اعتبر موقف قمة الثمانية يعكس فشلا في اتخاذ قرارات أكثر حزما في قضية الانبعاثات الكربونية على المدى القريب، داعيا الدول الصناعية الكبرى إلى التقدم بالدعم المالي للدول الأفقر للحد من الرقعة الكربونية المتوسعة لديهم والتكيف مع تأثيرات التغير المناخي وإجراءاتها التي تقدر بـ 150 مليار دولار سنويا.

وفيما يعكس ضآلة ما تم التوصل إليه كذلك وصف رئيس اللجنة الدولية للاحتباس الحراري الدكتور باشاوري الالتزام الذي تعهد به قادة المجموعة بأنه مدعاة للسخرية.

ويصل البعض في انتقاده لهذه الخطوة إلى حد اعتبارها بمثابة وضع الكرة في ملعب الدول الناشئة الأمر الذي كان بمثابة إرجاء للمشكلة في ضوء انسحاب الرئيس الصيني هو جنتاو جراء اضطرابات شينغيانغ التي وقعت خلال أعمال القمة وهو ما لم يترك مجالا لحصول تقدم في ضوء أن الصين تبوأت عام 2008 المرتبة الاولى في قائمة الدول الأكثر تلويثا.

إرجاء تحرير التجارة

وبعيدا عن هذه القضايا الحيوية فقد ناقشت القمة عدداً آخر من القضايا الحيوية والتي لم تتوصل إلى تحقيق اختراق بشأنها ومن ذلك مفاوضات التجارة العالمية والتي تم إرجاء اتخاذ قرار بشأنها إلى قمة العشرين المقبلة حيث جرى التعهد بإنجاز مفاوضات جولة الدوحة التجارية حول تحرير التجارة العالمية في 2010.

وأما فيما يتعلق بالملف النفطي فلم يتم الاتفاق على موقف محدد بشأنه باستثناء الدعوة إلى زيادة الشفافية وتعزيز الحوار فيما بين المنتجين والمستهلكين للحد من التقلبات المفرطة في الأسواق، مع الاتفاق في الوقت ذاته على أن السعر العادل لبرميل النفط ينبغي أن يتراوح بين 70 و80 دولارا للبرميل. كما لم يتم حسم الموقف بشأن موقف الدولار كعملة رئيسية للاقتصاد العالمي.

في تحليل دلالة القرارات التي اتخذتها القمة يمكن القول أنها تعكس مناخ توافقي يعكس رغبة دولية في التعاون من اجل مواجهة المشاكل التي أصبحت تتخذ طابعا عالميا يتجاوز الإطار القطري، وهي الرغبة التي تحول دون تحققها بشكل كامل المصالح الضيقة لكل دولة على حدة.

وفي ذلك الخصوص لا يمكن إنكار أن الأزمة المالية العالمية والتي ألقت بتأثيراتها على مختلف دول العالم كان لها تأثيرها في توافر رغبة حقيقية في الخروج منها لتعافي الاقتصاد العالمي، وإن فشلت القمة رغم ذلك في تحديد مثل تلك الإجراءات.

كما وفر حضور الرئيس أوباما خلال القمة أجواء إيجابية في ضوء مسعاه للتغيير على الصعيد العالمي خصوصا أنه يشارك في القمة لأول مرة منذ تسلمه الرئاسة في الولايات المتحدة.

وما بين تواضع النتائج والأجواء التي عكست رغبة في تجاوز الخلافات فإن الآمال تتجه لقمة العشرين المقبلة باستكمال ما بدأته قمة لاكويلا على طريق حل المشاكل العالقة في إطار النظام الدولي ولو في حدود الصيغ التوافقية التي تعكس نوعا من الحلول الوسط.

إضاءة

من بين القضايا الحيوية التي طرحت على القمة وعملت على اتخاذ قرار بشأنها تلك المتعلقة بالتغير المناخي، وهو الأمر الذي يسود الجدل بشأن ما تم الاتفاق عليه بشأنها خلال القمة ففيما يعتبر البعض ما تم إنجازا يراه البعض يعبر عن قصور في الجهود الدولية للحد من تأثير التغيرات في المناخ.

وفي ذلك الصدد جرى الاتفاق على خفض انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري. وفي ذلك الصدد تهدف المجموعة إلى خفض انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم إلى نصف ما كانت عليه في عام 1990، وخفض انبعاثاتها هي إلى 80% أو أقل حسبما جاء في البيان الختامي.

كتب ـ المحرر السياسي