تؤكد التجربة المعاشة بأن ثمة صعوبة في تحديد معنى النصر والهزيمة، وتعيين معاييرهما، في الصراع العربي ـ الإسرائيلي الممتدّ والعميق والمعقّد، بدليل أن هذا الصراع برغم الحروب العديدة لم يتم حسمه بعد، لا سلباً ولا إيجاباً. هكذا لا يمكن القول ان إسرائيل حققت النصر الناجز على العرب، بحكم استمرار رفض التعامل معها، على الصعيد الرسمي، واستمرار رفضها ومقاومتها على الصعيد الشعبي. كذلك لا يمكن القول ان العرب استطاعوا هزيمة إسرائيل، بواقع استمرار وجودها، واستقرارها وتطور قدراتها باستمرار، ورغماً عنهم وعن رفضهم لوجودها.
والواقع أن الصراع ضد إسرائيل يستمد تعقيداته من أنه ليس صراعاً ضد سلطة أو جيش استعماريين، فحسب، بل إنه أيضاً صراع ضد مجتمع هذه الدولة، بما هو عليه كمجتمع يتمحور حول الفكرة الصهيونية، كفكرة استعمارية ـ استيطانية وإحلالية وعنصرية.
كما أن هذا الصراع يتغذى من الدور الوظيفي للكيان الصهيوني، في خدمة مشاريع الهيمنة الخارجية على المنطقة العربية، الأمر الذي يؤمن له استمرار ضمانة الدول الكبرى لأمنه واستمرار تفوقه على محيطه. وبالطبع فإن تشتت الوضع العربي وضعف قدراته يسهم بتمكين إسرائيل من تجاهل الحقوق العربية، وفرض غطرستها وجبروتها في المنطقة.
بالمقابل فإن إسرائيل، بحكم ضعفها العضوي، من ناحية المساحة وعدد السكان والموارد وافتقادها للعمق التاريخي في هذه المنطقة، لا يمكن لها أن تفرض أجندتها على الوضع العربي، برغم كل ما يمكن أن تقوم به من عمليات إعاقة لعمليات التكامل والتنمية والنهوض في المجال العربي، كما لا يمكن أن تطبع وضعها أو أن تفرض ذاتها على الواقع العربي، الرسمي والشعبي. هكذا ففي مجال الزمان والمكان والموارد والعمق الثقافي والتاريخي ثمة واقع عربي لا يسمح لإسرائيل، مهما كان جبروتها العسكري، بفرض إرادتها بشكل مطلق أو دائم.
ما الذي يمكن استنتاجه من كل ذلك؟ واضح أن الدرس الأساسي من ما تقدم، يفيد بأن إسرائيل تستطيع أن تمعن قتلاً وتدميراً في المنطقة، كما فعلت بخاصة ضد الفلسطينيين، وضد اللبنانيين (حربي 1982 و2006)، ولكنها لا تستطيع أن تفرض قبولها أو إرادتها عليهم، كما لا تستطيع أن تنهي أعمال المقاومة التي تتغذى من وجود الاحتلال وغطرسة القوة الإسرائيليين.
والمعنى من ذلك أن إسرائيل منذ قيامها إنما تخوض حروباً عبثية في هذه المنطقة، التي تستعصي عليها، كونها لا تستطيع، كما قدمنا وكما أثبتت التجربة، أن تحقق النصر الناجز، لأسباب تتعلق بواقع إسرائيل وقدراتها. ويستنتج من ذلك أن الحديث عن معايير الانتصار والهزيمة هو حديث نسبي، ومؤقت، وجزئي، وعلى الجانبين، في هذا الصراع الضاري والمفتوح، على الدم والدمار، وعلى معنى الوجود والهوية والتاريخ.
ويخشى أن هذه الدوامة من القتل والتدمير ومحاولات الإنكار المتبادل ستستمر طالما ظلت إسرائيل تصر على طابعها كدولة يهودية استيطانية وعنصرية، تحارب بدعاوى قبلية ودينية، تنتمي إلى عهود الحروب الوجودية والاستئصالية.
