منذ نشأتها في مؤتمر باندونج عام1955 على يد الآباء المؤسسين، الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو والرئيس اليوغوسلافي تيتو والرئيس الإندونيسي سوكارنو، ومرورا بأول قمة في بلغراد عام 1961 وحتى آخر قمة عقدت في مدينة شرم الشيخ، مرت حركة عدم الانحياز بالعديد من الأحداث الدولية، بما دفع البعض إلى القول إن الحركة، فقدت الهدف الذي قامت من أجله ابان الحرب الباردة وعالم الثنائية القطبية.
فقد ولدت حركة عدم الانحياز من رحم الحرب الباردة التي تصاعدت بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة وحلف الاطلسي (الناتو) وبين المعسكر الشرقي بقيادة الإتحاد السوفيتي وحلف وارسو عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث انصب دور الحركة على عدم الانحياز لأي طرف في كلا المعسكرين بما يكفل الحفاظ على مصالح دول الحركة التي لعبت دور لا يستهان به في مساعدة البلدان المستعمرة على الخروج إلى افق الاستقلال.
مياه كثيرة جرت في نهر السياسة الدولية منذ المؤتمر الأول لحركة عدم الانحياز وحتى القمة الخامسة عشر الأخيرة، واليوم يمر العالم بتحديات كبيرة على رأسها الأزمة المالية العالمية التي فرضت نفسها على جدول أعمال القمة وكانت موضوعها الرئيسي الذي حمل عنوان «التضامن الدولي من أجل السلام والتنمية».
وكما جرت العادة في السنوات الأخيرة فقد واكب انعقاد قمة عدم الانحياز في شرم الشيخ، الحديث حول الجدوى ليس من انعقاد القمة بل ومن فائدة وجود حركة عدم الانحياز ذاتها، في ظل الانتشار الكبير للعديد من التكتلات الدولية التي طفت على السطح، حيث دخلت دول كثيرة أعضاء في الحركة في تحالفات مع دول أخرى غير عضو بالحركة، بل أن الولايات المتحدة القطب الاوحد الآن، استطاعت أن تستقطب العديد من دول حركة عدم الانحياز لتصبح جزءا من الإستراتيجية الأميركية في العالم، وبما أفرغ الحركة من مضمونها والهدف الذي خرجت من أجله.
السؤال عن جدوى وجود حركة عدم الانحياز في ظل هذه المتغيرات سؤال مشروع، خاصة ان البعض يعتبر أن الحركة فقدت جزءا كبيرا من بريقها ودورها العالمي ولم تعد تقدم مواقف ذات تأثير قوي، كما كانت عليه وقت تألقها في ستينيات القرن الماضي، عندما كان صوتها مسموعا ويحسب له حساب، لكن البعض الآخر يبدو أكثر تفاؤلا، ويرى فرصة في تنشيط حركة عدم الانحياز باعتبارها تكتلا يضم 118 دولة، تمثل ثلث دول العالم، ويمكن ان تكون جسرا للتواصل والحوار بين الشمال الغني والجنوب الفقير، وبما يساعد على تهيئة العالم للخروج من الأزمة المالية الراهنة، بأقل قدر من الخسائر التي يمكن أن يدفع فقراء العالم الجزء الأعظم من فاتورتها، رغم مسؤولية الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا عن تلك الأزمة.
وجهة النظر المدافعة عن بقاء دور حركة عدم الانحياز، لا تنكر أن الحركة بحاجة فعلية للخروج عن طرق التعامل التقليدية، مع التحديات التي تواجه الدول الأعضاء، وان تبحث عن أفكار جديدة تعيد الدماء إلى الشرايين التي تيبست في السنوات الأخيرة، وبما ينفض الغبار عن طاقة هائلة يمكن لها أن تقي دول الحركة الكثير من المشكلات، التي تواجهها في الوقت الراهن، وتلك التي قد تفرض نفسها في المستقبل، وهذا هو الانحياز المطلوب.
