بعيدا عن نظرية المؤامرة التي نحيا عليها ليلا ونهارا ولا ننكرها على الإطلاق.. ودون الحديث عن خفايا السياسة الأميركية التي نعرف أنها قائمة على الهيمنة والتسلط على الآخرين..
ودون الإشارة أيضا الى القول المأثور بان «أميركا تعطي باليمين وتأخذ بالشمال».. لا يمكن أن نبخس حق الرئيس الأميركي باراك أوباما.. الذي اهتدينا مؤخرا وطبقا لنظرية المؤامرة الى أن اسمه الحقيقي هو بركة حسين أبوعمامة (!!) ونغفل خطابه أمام برلمان غانا الأسبوع الماضي. كان الخطاب رسالة واضحة تفضح عاشقي السلطة وكراسي الحكم. رسالة لا تقتصر على أفريقيا، وإنما موجهة لكل من يحكم فيطول حكمه فيفقد الحكم شفافيته ونزاهته وأمانته.
أوباما.. حتى وإن كان يقصد إعطاء دروس في أصول الحكم.. أشار الى مصطلح «الحكم الرشيد» الذي تفتقده القارة الأفريقية في معظمها وتفتقده معها غالبية دول العالم النامي التي تفسدها السلطة التي يطول عمرها بلا تغيير أو محاسبة. قال أوباما ان التنمية تعتمد على الحكم الرشيد.. وهذا هو العنصر المفقود في أماكن كثيرة ومنذ وقت طويل.
والحكم الرشيد حسب التعريف الدولي الذي أشار إليه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.. يعني سيادة القانون والشفافية والاستجابة والمشاركة والإنصاف والفعالية والكفاءة والمساءلة والرؤية الإستراتيجية. كل ذلك إن توافر في دولة، فهذا يعني أن حكمها يحمل صفة «الرشيد» وخير نموذج اهتدى اليه أوباما لـ «الحكم الرشيد» هو النموذج الغاني.
اختار أن يزور في أفريقيا دولة غانا لأنها تتمتع ؟ فعليا - بالاستقرار والديمقراطية وباعتبار أنها من وجهة نظره النموذج لباقي دول أفريقيا. فالإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها هذه الدولة التي عرفت بإنتاج الذهب والكاكاو.. ساهمت إلى حد كبير في تعزيز وجذب الاستثمارات الأجنبية مما ساهم في تحقيق نمو لم يسبق له مثيل. وبفضل هذه الاستثمارات تستعد لضخ النفط من العام المقبل. وهذا كما يرى أوباما.. ثمرة حكم رشيد يقوده الرئيس جون اتا ميلز الذي أتت به انتخابات شفافة في دولة تنتسب الى قارة معظمها غارقة في فوضى وفساد وانقلابات.
غانا مثال للتغيير يطلق طاقات الأفارقة حسب تعبير أوباما. تغيير على غير هوى الصور النمطية.. صور الفوضى والعنف والصراع القبلي والانقلابات والفساد وانتهاكات حقوق الانسان. فمن غير أفريقيا من القارات .. تعاني مثل ما تعاني منه القارة السمراء. على سبيل المثال كان أمام قمة الاتحاد الأفريقي في بداية هذا الشهر، 14 حربا ونزاعا وأزمة في أفريقيا.. على رأسها الصومال.
استمرار الفساد والفوضى والحروب والصراعات السياسية والقبلية الدامية وحرمان المواطن الأفريقي من حقوقه الديمقراطية.. يعني أنه لا أمل في تنمية ولا نمو. وقد أراح أوباما أصحاب نظريات المؤامرة، فقال (وأظن أنه صادق حتى ولو كان لا يتمنى الخير للقارة) ان أميركا لن تفرض أي نظام للحكم، وان مستقبل أفريقيا بيد الأفارقة.. ولن يتمكن مجتمع من تكوين ثروة اذا قام زعماؤه باستغلال الاقتصاد لإثراء أنفسهم.
إن الحكم الرشيد.. لايستحقه سوى الراشدين الذين يرفضون أن يتولى أمورهم من ينحون الشفافية جانبا ويستغلون اقتصاد شعوبهم لإثراء أنفسهم. وهؤلاء كثر.. وإلا فما كان في العالم ثماني دول صناعية كبرى.. وحفنة من الدول الناهضة.. وعدد لا يحصى ممن يطلقون على أنفسهم بلدانا نامية ، وهي في حقيقة الأمر بلدان غارقة في الفساد والتخلف.
