مازالت تداعيات الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان (12/7 ـ 14/8/2006)، تفعل فعلها في المشهد السياسي الإسرائيلي، والعقيدة الأمنية الإسرائيلية، كما في وجدان الإسرائيليين. وكانت هذه الحرب، التي استمرت 33 يوماً، عرفت باسم «الحرب السادسة»، لكونها كذلك في سلسلة الحروب العربية ـ الإسرائيلية، كما عرفت باسم الحرب الثانية، لكونها ثاني حرب تشنّها إسرائيل ضد لبنان بعد حرب يونيو (1982).
من ناحية أخرى، يمكن اعتبار هذه الحرب بمثابة الحرب الثالثة في قائمة الحروب غير الكلاسيكية، أو غير النظامية، التي خاضتها إسرائيل في المنطقة، إذا أخذنا في الاعتبار حرب إسرائيل ضد الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى (1987ـ 1993)، والثانية (2000ـ 20005). أيضاً يمكن تسجيل تلك الحرب باعتبارها الحرب الأولى من نوعها التي خاضتها إسرائيل خارج حدودها، ضد قوة غير نظامية، تنتمي إلى بلد معين.
وقائع الحرب وتداعياتها
والواقع أن نتائج هذه الحرب جد ملتبسة، حيث ان إسرائيل لم تستطع تحقيق هدفها بتحرير الجنديين الذين أسرهما حزب الله (وهما الحجة المباشرة للحرب) كما لم تستطع تقويض مقاومة حزب الله، الذي فاجأها بقدراته وتنظيمه. وبالمحصلة فقد نجم عن هذه الحرب مصرع أكثر من ألف من اللبنانيين، وإصابة عدة ألوف منهم بإصابات متفاوتة، ونزوح حوالي مليون من اللبنانيين من مناطق سكناهم.
أما إجمالي الخسائر، المباشرة وغير المباشرة، فقدرت بحوالي 5,9 مليارات من الدولارات (40 بالمئة من إجمالي الناتج القومي للبنان). وعلى الصعيد الإسرائيلي أدت هذه الحرب إلى مصرع 156 إسرائيلياً (ضمنهم 117 من العسكريين)، جراء القصف الصاروخي من قبل حزب الله، والذي استهدف المستوطنات والبلدات الإسرائيلية، من كريات شمونه إلى صفد وحيفا وعكا والخضيرة وطبرية، أما عدد الجرحى فبلغ خمسة آلاف.
وبالإجمال فقد قدرت الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية بحوالي 7,5 ـ 7 مليارات من الدولارات، أي ما يعادل نصف موازنة الدفاع الإسرائيلية، وحوالي 6 ـ 7 بالمئة من إجمالي الناتج القومي الإسرائيلي؛ وفي ذلك فإن إسرائيل لم تستطع منع هذه الحرب من الانتقال لأراضيها، في سابقة فريدة من نوعها في تاريخ الحروب الإسرائيلية ـ العربية، ما اعتبر خرقاً للاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية التقليدية.
لهذه الأسباب كلها اعتبرت هذه الحرب بمثابة فشل كامل للقيادتين السياسية والعسكرية، وشكلت إسرائيل لجنة خاصة لتفحص حيثيات هذه الحرب ودروسها وتعيين أوجه العطب الإسرائيلية فيها (لجنة فينوغراد). هكذا أدت تداعيات الحرب إلى تلطيخ سمعة الجيش الذي يعتبر بمثابة قدس الأقداس، ومركز الإجماع، في المجتمع الإسرائيلي، واستقالة عديد من قادته، ضمنهم رئيس الأركان السابق (دان حلوتس)، كما أدت إلى استقالة عمير بيريتس وزير الدفاع حينها من الوزارة ومن قيادة حزب العمل.
وعلى الصعيد السياسي تراجعت مكانة حزب «كاديما»، وإضعاف قيادة إيهود أولمرت له، وحلول تسيبني ليفني مكانه، حتى أنه يمكن رؤية إعادة الاعتبار لحزب الليكود وزعيمه بنيامين نتانياهو باعتباره من نتائج هذه الحرب. وبشكل عام فقد أحدثت الحرب هزة كبيرة في المجتمع الإسرائيلي، لجهة ثقته بقيادته السياسية وبجيشه وبأمنه وحتى بمستقبل دولته في الشرق الأوسط المليء بالمتغيرات والمفاجآت.
مراجعة العقيدة الاستراتيجية
أما على صعيد الاستراتيجية العسكرية فإن دروس هذه الحرب حضّت المؤسسة العسكرية على مراجعة استراتيجيتها الحربية، والتي اعتمدت أكثر على سلاح الطيران والقصف الصاروخي، على حساب سلاحي الدبابات والمشاة (بالاستناد لدروس حرب العراق في العام 2003)، لصالح العودة إلى الاستراتيجية الكلاسيكية القديمة للجيش الإسرائيلي، والتي تتأسّس على عناصر، المفاجأة، ونقل المعركة إلى أرض العدو، والاستخدام المكثف لقوة النيران، والاعتماد على سلاحي الطيران والدبابات، وتقصير أمد المعركة، وضمن ذلك استخدام سلاح المشاة (وهي عبر تم تطبيقها في الحرب الأخيرة على قطاع غزة).
من ذلك يمكن الاستنتاج بأن الحرب على لبنان بمجرياتها ومساراتها كانت بمثابة مفاجأة لإسرائيل، لاختلافها كثيراً عن الحروب السابقة التي كانت خاضتها في المنطقة؛ وستظل تذكر باعتبارها الحرب التي قوضت صورة إسرائيل كدولة رادعة، تلك الصورة التي حاولت إسرائيل تعويضها بعدوانها الوحشي الأخير على قطاع غزة.
طبعاً لا يمكن القول ان إسرائيل خسرت تماماً هذه الحرب فبرغم عدم تمكنها من إضعاف قوة حزب الله، إلا أنها اضطرته للتراجع بعيداً عن الحدود اللبنانية، كما اضطرته للاعتراف بالخط الأخضر، إضافة إلى دفعه لتصريف طاقته في الداخل اللبناني، ما أثر على مكانته وشعبيته. كذلك فإن من نتائج هذه الحرب إدخال الجيش اللبناني إلى الجنوب وجلب المزيد من القوات الدولية إلى هناك.
النقد الإسرائيلي للحرب
بسبب كل ما تقدم ظلت الحرب الإسرائيلية إلى لبنان، بجانبيها السياسي والعسكري، عرضة للنقد والفحص والمراجعة من قبل السياسيين والعسكريين والمحللين الإسرائيليين. ففي الذكرى الأولى لهذه الحرب كتب يوئيل ماركوس ان حرب لبنان «بين كل حروب إسرائيل هي الحرب الوحيدة المذكورة كفشل. إذ كانت الأطول.. الحرب الوحيدة التي ضرب فيها العدو عمق الجبهة الداخلية.. الحرب الوحيدة التي انطلقنا إليها ونحن غير مستعدين.
والأخطر من كل ذلك، إذ كانت هذه الحرب الوحيدة التي قضمت من فكرة الردع والقوة العسكرية لإسرائيل في نظر جيرانها والعالم» (هآرتس 13/7/2007) وبحسب افرايم عنبار (باحث) «ففي صيف 2006، تمتعت إسرائيل بتفوق عسكري حاسم وظروف سياسية مريحة. لكن سلسلة من الأعمال الغبية من جهة استراتيجية والعيوب التنفيذية سببت حرباً مترددة لم تحسم.. إسرائيل موجودة في موقع صعب، القوة العسكرية فيه هي الضمان النهائي للبقاء.
إن هوامش الأمن لدولة إسرائيل ضيقة وقد تكون الأخطاء باهظة الثمن جداً.. ينبغي أن نؤمل أن تكون قيادة إسرائيل أفضل استعداداً، مع استراتيجيات عسكرية ودبلوماسية مناسبة، لإحراز نصر واضح في الجولة الآتية. (مركز بيغن ـ السادات للأبحاث الاستراتيجية ـ العدد 73- 2007).
وفي الذكرى الثانية للحرب كتب جيورا ايلند (لواء احتياط وباحث في معهد أبحاث الأمن القومي) انه «لا يمكن الانتصار على منظمة عصابات ناجعة ومسلحة جيدة .. السبيل لمنع حرب لبنان الثالثة والسبيل للانتصار فيها إذا نشبت أن نبين لصديقات لبنان، وبمساعدتهن لحكومة لبنان وشعب لبنان ان الحرب المقبلة ستكون بين إسرائيل ولبنان لا بين إسرائيل وحزب الله. ستفضي حرب كهذه إلى القضاء على جيش لبنان، والى تدمير البنى التحتية في الدولة والى معاناة شديدة للسكان. لن يتكرر وضع أن يتمتع مواطنو بيروت بالذهاب إلى البحر والى المقاهي في حين يمكث مواطنو حيفا في الملاجئ». (تقدير استراتيجي ـ المجلد 11 العدد 2 أكتوبر 2008).
وكتب بن كسبيت بمناسبة مرور ثلاثة أعوام على الحرب، انه «بعد مرور حوالي ألف يوم على الحرب التي هزت الدولة والجيش.. يتوجب علينا العودة إلى الوراء تسع سنوات. في عام 2000 خرج الجيش الإسرائيلي من لبنان. الفلسطينيون حذروا من أنه إن استطاع بضع مئات من مقاتلي حزب الله هزيمة الجيش الإسرائيلي ودفعه للتقهقر فإنهم سيضطرون للتصرف مثلهم. حسن نصرالله ألقى خطاب «خيوط العنكبوت» الشهير. إسرائيل أهينت.. ما الذي تمخضت عنه هذه الحرب؟ هي جلبت الهدوء وانتصاراً استراتيجياً مثيراً.. حزب الله خسر..
وتوقف عن التحرك بصورة علنية في جنوب لبنان. الجيش اللبناني نشر قوته على الحدود. 12 ألف جندي من قوات الطوارئ الدولية يتجولون في جنوب لبنان بلا عوائق. والأمر الأهم: خلال هذه السنوات الثلاث لم يتم إطلاق أية رصاصة على التجمعات السكانية في الجليل. لم نشهد ثلاث سنوات هادئة كهذه في الشمال منذ عام 1968». (73/ 2009).
وبحسب رونين منليس (ضابط استخبارات) فإن «فحص رد منظمة حزب الله على عملية «الرصاص المصهور» (أي الحرب على غزة) ومقارنته بردها في عملية «السور الواقي» يشهدان ان عمل إسرائيل في حرب لبنان الثانية أفضى إلى تعزيز الردع تعزيزاً ملحوظاً. (الجيش والاستراتيجية ـ المجلد 1، العدد 1، أبريل 2009).
إضاءة
يمكن الاستنتاج بأن الحرب على لبنان بمجرياتها ومساراتها كانت بمثابة مفاجأة لإسرائيل، لاختلافها كثيراً عن الحروب السابقة التي كانت خاضتها في المنطقة؛ وستظل تذكر باعتبارها الحرب التي قوضت صورة إسرائيل كدولة رادعة، تلك الصورة التي حاولت إسرائيل تعويضها بعدوانها الوحشي الأخير على قطاع غزة. طبعاً لا يمكن القول ان إسرائيل خسرت تماماً هذه الحرب فبرغم عدم تمكنها من إضعاف قوة حزب الله، إلا أنها اضطرته للتراجع بعيداً عن الحدود اللبنانية.
