في أبريل الماضي.. جاء أول لقاء على مستوى القمة بين روسيا وأميركا. هو ذلك الاجتماع الذي تم في العاصمة البريطانية وشهده قادة مجموعة الثماني وهي التجمع الدولي للدول الصناعية الكبرى الذي ينسق بين مصالح هذه الدول، الموسرة في معظمها.. في موازاة، وأحياناً على حساب، دول وشعوب ما يعرف بالعالم الثالث.
اللقاء المذكور جمع بين رئيسين شابين هما أوباما الأميركي ومدفيديف الروسي. ويومها قال مراقبون من موسكو إن الزعيمين يمثلان المستقبل.. ويومها أيضا قال مراقبون من واشنطن إن أوباما لم يكن على المستوى المطلوب من زعيم أميركي من حيث الحزم أو الصلابة ـ حتى لا نقول التشدد مع الجانب الروسي. في تلك الفترة، لاحظنا أن كثيرا من هؤلاء المراقبين ـ المحللين كانوا ينتمون سياسيا إلى المعارضة الجمهورية فيما كان بعضهم ينتمي عقائديا إلى ما تبقى في ساحة العمل الأميركي العام من جماعات ـ أو فلول المحافظين الجدد الذين ذاع صيتهم كما هو معروف خلال ولايتي الرئيس السابق جورج بوش.
بين روسيا وإيران
هؤلاء اتهموا الرئيس أوباما بأنه متساهل مع روسيا.. وكان ذلك منذ أكثر من شهرين.. تماما كما اتهم بعضهم الرئيس أوباما بأن تصريحاته كانت أقل من مستوى الحزم أو التشدد المطلوب خلال أحداث إيران في الأيام الأخيرة من يونيو الماضي.
وبقدر ما عمدت إدارة أوباما إلى تصعيد نغمة التشدد بالنسبة للشأن الإيراني وإن كان تشددا محسوبا بكل مقياس.. فقد عمدت إدارة أوباما أيضا إلى نفس النغمة من التشدد بالنسبة للشأن الروسي بعامة وبالنسبة لمواقف فلاديمير بوتين رئيس وزراء موسكو على وجه الخصوص.
لماذا بوتين بالذات؟
لأن هناك شعورا سائدا في واشنطون، وربما في عواصم أخرى من العالم، بأن رجل الاستخبارات السوفييتية المخضرم مازال يمسك بكثير من الخيوط في منظومة السلطة الأولى في روسيا المعاصرة. صحيح أنه يعد رسميا وبروتوكوليا الرجل الثاني من مصفوفة الكرملين الروسي..
حيث يتولى رئاسة الدولة مدفيديف فيما يتولى بوتين رئاسة الوزراء، لكن الصحيح أيضا أن رئيس الوزراء الروسي لا يزال، بالنسبة للجانب الأميركي، يمسك بكثير من الخيوط في روسيا الراهنة خاصة وأن مدفيديف يقدم نفسه لبلاده وربما للعالم الخارجي بوصفه مصلحا اقتصاديا.
ويعتز بأنه بذل جهودا مضنية خلال مسؤولياته السابقة للتصدي لتيار الفساد الذي ظل ينخر في بنية المجتمع الروسي وخاصة منذ أيام بوريس يلتسين خلال النصف الأول من عقد التسعينات، حيث كانت مصانع ومنشآت القطاع العام في روسيا (التابعة بالتأميم للدولة) تباع في مزادات علنية يشتريها شذاذ الآفاق في المجتمع الروسي، الذين أمكنهم بذلك تكوين ثروات طائلة بل فادحة.
سواء من حيث الحجم أو من حيث القدرة على شراء الذمم واكتراء النفوذ لصالح طبقة من الأثرياء الجدد الذين اصطنع علم الاقتصاد السياسي بالنسبة لهم مصطلحا أصبح معروفا ضمن أدبيات البنك وصندوق النقد الدولي وهو: كروني ايكونومي، ومعناه: اقتصاد الاتباع والحواشي، أو هو اقتصاد المحاسيب.
زيارة مصممة بدقة
وعلى الجانب الأميركي جاءت زيارة أوباما إلى روسيا منتصف الأسبوع الماضي وقد صممت مفرداتها بدقة بالغة حيث اصطحب الرئيس الأميركي أسرته الصغيرة إلى موسكو في محاولة لإضفاء المزيد من الدفء على علاقات الطرفين .. حتى على رغم من التصريحات التي وردت على لسان أوباما شخصيا حين قال إن السيد بوتين لا يزال يضع قدما في ساحة الأساليب العتيقة لإدارة الأعمال بينما وضع قدمه الأخرى في مضمار الأساليب الحديثة.
من موسكو يعلق الكاتب الأميركي كليفورد ليفي قائلا: إن هذا التوصيف يوحي بأن أوباما كان يحاول بناء علاقة مستجدة ومتينة مع ميدفيديف الذي يتصور الأميركيون أنه أسهل في التعامل من فلاديمير بوتين.
والحق أن مراقبي الشأن الروسي في موسكو تنفسوا كثيرا من الصعداء عندما أخذ بوتين عبارات أوباما على محمل من التساهل الملحوظ وإن كان رد على الأميركي الزائر قائلا: «نحن نضع أقدامنا على أرض وطيدة ثابتة.. ومنها نتطلع إلى المستقبل». وقبل أن تخضع المسألة إلى تفسيرات وتأويلات شتى أضاف بوتين يقول في نفس السياق: «إنني أرتقب زيارة السيد أوباما بمشاعر من الدفء العميق».
وسواء استطاع أوباما أن يشيّد جسورا من صداقة متينة مع رئيس روسيا، أو استطاع أن يعبر جسورا من التشكك كي يصل إلى وجدان رئيس وزرائها (بوتين) فالحاصل أن الشأن الروسي أصبح أمرا مسيطرا أو يكاد، في دوائر صنع وتخطيط السياسة الخارجية للولايات المتحدة. والقوم لا ينسون، لا في موسكو ولا في واشنطن، أن روسيا كان اسمها اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، وأنها كانت خصما عنيدا ومخيفا لأميركا في إطار منافسة اندلعت في غاية الشراسة ولم تضع أوزارها إلا في تاريخ عقدين اثنين وهما أقل من غمضة عين في عمر الدول والشعوب.
روافد الكيان الروسي
وبرغم ذوبان أو انصهار جبل الثلج السوفييتي العملاق إلا أن مساحات من سوء الفهم مازالت تفصل بين الطرفين.. بمعنى أن روسيا مازالت تمثل نوعا من اللغز السياسي بكل مواريثها الثقافية وأدوارها السياسية وتاريخها الحافل الطويل الذي تتشابك في مجراه العام روافد عديدة ومتنوعة: منها الرافد الأوروبي والرافد الآسيوي ورافد الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والرافد الإسلامي (في أصقاع وسط آسيا) والرافد الشمالي السيبيري والرافد الجنوبي القزويني (المغول ـ التتار ـ التركمان ... الخ).
وفي ضوء هذا كله.. ولإزالة سوء الفهم سبيلا إلى الفهم الموضوعي.. فقد نجمت مؤخرا دعوة في الأوساط السياسية والأكاديمية الأميركية لدراسة روسيا بشكل متأن ومتفهم ودقيق تحت عنوان مستجد هو: فك الشفرة المسماة بروسيا.
ومرة أخرى يكتب «كليفورد ليفي» من العاصمة الروسية موسكو محاولا تحليل النفسية الروسية الراهنة بأسلوب نراه دقيقا بقدر ما أنه طريف حين يقول إن الأجيال الحالية في روسيا لا تشعر بشوق أو أسى إزاء النظام الشيوعي الذي كان: هم يحبّون السيارات الحديثة والهواتف المتحركة، وفوق البيعة لا ينكرون مساحات زادت لصالحهم من الحريات الشخصية. لكن ـ يضيف المحلل الأميركي مستدركا ـ لكن .. ضياع الإمبراطورية، مازال أمرا مؤلما يحز في النفوس.. وهذا الافتقاد للزهو الإمبراطوري مازال يتجسد في ميدان له خطورته هو احتفاظهم بترسانة نووية هائلة.
وبالمناسبة أيضا، فشتان بين زيارة أوباما رئيسا للولايات المتحدة وقد تمت، كما ألمحنا منذ أيام.. وبين زيارة أوباما .. عضوا في مجلس الشيوخ بالكونجرس منذ 4 سنوات: يومها تعرض جناب السيناتور الأميركي لمواقف لا تسر أحدا.. احتجزته سلطات الأمن في أحد المطارات الإقليمية النائية بمنطقة سيبيريا لأكثر من 3 ساعات.. صادروا جواز سفره وتركوه خلالها حبيس صالون ضيق محصور.. وكأنهم يشخصّون فصلا من إحدى روايات الجاسوسية للكاتب الشهير جون لوكاريه .. بعدها «أفرجوا» عن السيناتور الشاب المحترم مرددين العبارات التقليدية.. نأسف لهذه الحالة من سوء التفاهم.
محاولات فك اللغز
بهذا كله يدعو المهتمون بحكاية فك اللغز الروسي إلى أن يشمل هذا التفكيك للأسرار الموسكوفية منظومة من المفاهيم والسلوكيات نلخصها بإيجاز شديد في القواعد (أو النصائح) الست التالية:
(1) ليس للغرباء أن يمعنوا في انتقاد روسيا.. الروس وحدهم هم الذين يملكون حق انتقاد بلادهم.. في هذا الصدد تسوق مثقفة روسية هي «ايليزا فيتا ليخاشيفا» مثلا متواترا من ثقافتهم الشعبية يقولون فيه: روسيا بالنسبة لمواطنها مثل الزوجة.. تستطيع أن تلومها .. ويمكن أن تنتقدها ليل نهار.. لكن لو تعرض لها أحد بسوء.. لن تتردد في أن تنزل به سوء العقاب.
(2) إذا أردت أن تتصور عقلية الروس هذه الأيام فما عليك إلا ن تسترجع ما كان عليه الأميركيون خلال عقد الخمسينات من القرن الماضي. من حيث التركيز على العمل بوصفه مصدر القيمة.. الاهتمام بحياة الفرد الخاصة وإمكانات تقدمه الوظيفي، فضلا عن الاهتمام بالمحيط العائلي..
ربما يفسر هذا رضا الروس عن إدارة الأمور في رئاسة الكرملين.. هذه الإدارة منذ عهد بوتين استطاعت أن تكفل لهم سبل الاستقرار، وأن ينعموا بحياة العائلة والتواصل مع الأصدقاء، وبمعنى أن أصبحت أحلامهم أكثر تواضعا بالمقارنة مع حقب سبقت في تاريخهم (حين كانوا دولة عظمى).
(3) تختلف نظرة الروس عن نظرة الأميركيين بالنسبة لسنوات عقد التسعينات: ربما يغضبون في موسكو حين يقرأون في أدبيات السياسة الأميركية تلك الإشادة بتسعينات القرن الماضي بوصفها مرحلة الحريات في روسيا بعد الكابوس الشيوعي وعقب غروب شمس الفكر الماركسي.. الخ.
إن نظرة الروس، كما يقول خبراء الشأن الروسي أنفسهم، هي أن التسعينات كانت سنوات من اليأس والضياع وتدمير ما سبق وأن بنوه وأنجزوه حتى خلال الحقبة السوفييتية وخاصة في مجالي الاقتصاد الذي انهار لدرجة الدمار، والمكانة السياسية التي تداعت إلى درجة أن استطاع حلف الناتو الغربي أن يتوسع دون خشية من روسيا إلى أن وصل إلى حدودها الغربية شخصيا.
(4) ثمة إحساس داخل روسيا بأن كيانها رغم اتساع رقعته معرّض للخطر وخاصة عند حدودها الشرقية التي تجاور الصين. صحيح أن روسيا تعد أكبر بلد في العالم من حيث المساحة، إلا أنها تقيس أمنها حسب ما ترصده من تطورات سواء عند جيرانها في آسيا أو لدى جيرانها في أوروبا. وهناك من يتصور أن ثمة شعورا بالحنين (النوستالجيا) إلى الأيام الإمبراطورية، سواء إمبراطورية القياصرة أو إمبراطورية الكيان السوفييتي ـ لكن الحقيقة أنه شوق إلى الأمن ولهفة على الاستقرار.
(5) هناك أزمة في الزعامة قد تشعر بها روسيا بعد أن اجتازت حقبة صعبة برئاسة بوريس يلتسين الذي كان لا يفيق من الشراب حتى خلال إدارته شؤون الدولة.. أو كان لا يتورع عن إتاحة ذلك الزواج غير المشروع بداهة بين السلطة والثروة .. حيث إن مثل هذا الزواج السياسي لا ينجب سوى كائن شائه وخبيث اسمه.. الفساد.
بعد ذلك جاء بوتين الذي يعترف له الروس بأنه أنجز قدرا من الاستقرار في مجالات السياسة والاقتصاد والحياة بشكل عام.. ولكن ما زال ينقصه، كما تقول مصادر إعلامية روسية، أن يلقى قبولا كزعيم عالمي بعد أن أظهرت استطلاعات دولية أن بوتين لا يلقى التقدير الذي يجدر بأن يحظى به قائد لبلد مهم اسمه روسيا.
(6) على الأميركيين أن يقلعوا عن الفكرة الثابتة، أو شبه الثابتة التي ظلوا يرددونها حتى اقتنعوا بها.. وهي أن الروس يتطلعون بشوق عارم إلى أن يصبحوا مثلنا (في أميركا).
يقول الكاتب كليفورد ليفي: ظلت أجيال عديدة تردد هذه المقولة.. منذ أيام الرحالة الأميركيين في ثمانينات القرن التاسع عشر وحتى المبشرين الذين توجهوا من أميركا إلى الأراضي الروسية في فترات زمنية حديثة نسبيا.
روسيا وخصائصها المتميزة
وفي الواقع ـ يؤكد الكاتب الأميركي ـ فالروس لا يريدون شيئا من هذا على الإطلاق: صحيح أنهم يغبطون الأميركان على ما قد يرفلون فيه من رغد مادي بصورة أو بأخرى لكنهم لا يرون في الولايات المتحدة نموذجا لا بد وأن يُحتذى.
وفي هذا الإطار.. قد نحيل إلى كتاب مهم في هذا الموضوع أصدره البروفيسور ديفيد فوجلبيسونغ، الأستاذ بجامعة روتجرز في أميركا بعنوان «رسالة أميركا وإمبراطورية الشر». (ومعروف أن وصف «إمبراطورية الشر» يرجع إلى أحد خطابات الرئيس الأسبق ريجان تنديدا بالاتحاد السوفييتي).
يقول الأكاديمي الأميركي: ظل الأميركيون يتصورون أنه ما دام الروس يتصفون ببشرة بيضاء ويعتنقون الديانة المسيحية ويعيشون في بلد له حدود طويلة مثل أميركا ـ فإن من شأنهم أن يتطوروا إلى أن يحاكوا الولايات المتحدة مع مرور الأيام.. والحقيقة أن روسيا بلد له خصائصه المتميزة تماما.. فلا هو التوأم الطيب لأميركا ولا هو الند الشرير .. روسيا هي روسيا.. وهذا ما ينبغي أن يفهمه الطرف الأميركي: يستوي في ذلك المواطن العادي أو صانع السياسة.
إضاءة
سواء استطاع أوباما أن يشيّد جسوراً من صداقة متينة مع رئيس روسيا، أو استطاع أن يعبر جسورا من التشكك كي يصل إلى وجدان رئيس وزرائها (بوتين) فالحاصل أن الشأن الروسي أصبح أمرا مسيطرا أو يكاد، في دوائر صنع وتخطيط السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
والقوم لا ينسون، لا في موسكو ولا في واشنطن، أن روسيا كان اسمها اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، وأنها كانت خصما عنيدا ومخيفا لأميركا في إطار منافسة اندلعت في غاية الشراسة ولم تضع أوزارها إلا في تاريخ عقدين اثنين وهما أقل من غمضة عين في عمر الدول والشعوب.
محمد الخولي

