استطلعت «البيان» آراء عددٍ من الباحثين والإعلاميين العرب الذين أدلوا بدلوهم بمناسبة الذكرى الـ 30 للانقلاب الذي أوصل صدام حسين إلى رئاسة العراق والتي مرت أمس.
وأجمع الكاتب الجزائري سليمان بوصوفه والباحث الفلسطيني أحمد أبو مطر والأكاديمية اليمنية إلهام مانع على تحميل النظام السابق مسؤولية الأحداث الجسام التي شهدها العراق والمنطقة من المشاكل الداخلية مروراً بالحرب مع إيران وغزو الكويت وليس انتهاءً بالتوترات مع الدول العربية والولايات المتحدة. وذكر هؤلاء أن حزب البعث العربي الاشتراكي بات في موقفٍ ضعيف بعد سقوط النظام العام 2003، مشيرين إلى أن أخطر ما يواجه مستقبل العراق هو الطائفية والانقسام السياسي. وأضاف الكتاب العرب أن على العراقيين التوصل إلى أجندة وطنية توافقية. فحول أسباب وأبعاد الانقلاب، أشار الكاتب الجزائري سليمان بوصوفه إلى أن صدام بعد توليه مقاليد الحكم «أقدم على استئصال كل من كان يشك بولائه».
ولفت إلى أنه «وبعد ستة أيام فقط من تدشين رئاسته، قام بتصفية أربعة وثلاثين قيادياً من العسكريين والكوادر الحزبية المتقدمة كان من بينهم محمد محجوب وزير التربية ومحمد عايش وزير الصناعة وعبد الخالق السامرائي والجنرال الطيار وليد محمود سيرت».
وأضاف الكاتب الجزائري أن الرئيس العراقي المخلوع «كان وظّف كافة وسائل الإعلام وغلّفها بالترويج لحزب البعث العربي الاشتراكي»، موضحاً أن «الصحف والمجلات والإذاعات من بغداد إلى بيروت إلى لندن كانت تروج للزعيم المحبوب لدى النقابات العمالية والمدافع عن حقوق الطبقة الكادحة» على حد وصفه. وقال بوصوفه إن نائب رئيس الوزراء العراقي آنذاك طارق عزيز، والمعتقل حالياً، «لعب دوراً محورياً في هذه الدعاية».
وبشأن سياساته الخارجية، أفاد أن صدام «كان يخطط لمواجهة المد الإيراني الذي استشعر خطره قبل هروب الشاه ورأى أن إيران ستلتهم العراق قريباً ويجب التحضير لذلك. وما هي إلا أشهر حتى اندلعت الحرب مع إيران».
وأردف الكاتب الجزائري معتبراً أن «طموحات صدام ازدادت في أن يخلف جمال عبد الناصر في الزعامة العربية»، محملاً إياه المسؤولية وراء قرار القمة العربية في بغداد العام 1978 بطرد مصر من جامعة الدول العربية ونقل مقرها من القاهرة إلى تونس احتجاجا على توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل.
أما بخصوص مصير «البعث» بعد سقوط النظام، فذكر بوصوفه أن «البعث كفكرة ماتت». وعزا السبب إلى «تعسف البعثيين وغزو صدام للكويت»، مشيراً إلى أنه «وبعد تطبيق قانون اجتثاث البعث، لم يبق من هذا الحزب سوى قيادات من الصف الأول استماتت في الدفاع عنه باعتباره الوسيلة الوحيدة في نظرهم لحشد الجماهير واسترداد السلطة».
واختتم بوصوفه حديثه لـ «البيان» بالتأكيد على أن النظام الديمقراطي في العراق «ارتهن بالمحاصصة الطائفية»، لافتاً إلى «غموض الكثير من بنود الدستور العراقي الحالي، ما يفتح باباً واسعاً للتأويل». وأضاف أن الوضع الأمني «لم يعد عراقياً بحتاً باعتبار أن دول الجوار لها دور كبير في تحريك الأحداث استجابة لرغباتها وخدمةً لمصالحها الإقليمية والدولية».
أما الباحث الفلسطيني أحمد أبو مطر، فذكر بدوره أن انقلاب صدام «كان كغيره من الانقلابات التي شهدها العالم العربي»، موضحاً أن «لا أبعاد سياسية له، بل هو مجرد صراع شخصي على السلطة والحكم». وأفاد أبو مطر أنه يمكن الاستدلال على ذلك بـ «الصراع بين حزبي البعث الحاكمين في سوريا والعراق حيث الحدود مقفلة بين القطرين طوال ما يقرب من ثلاثين عاماً». كما قال، مستطرداً: «بدليل أن بعض الأقطار العربية التي شهدت انقلابات ضد أنظمة ملكية كانت أحوال شعوبها في زمن الأنظمة الملكية أفضل بكثير من زمن الانقلابيين».
وانتقد الباحث الفلسطيني ما وصفه بـ «بمحدودية الأفق السياسي» للرئيس العراقي المخلوع، مشيراً إلى أنه «لم يستقر على سياسة محددة مع الولايات المتحدة أو مع دول الجوار».
ولفت إلى «قيامه بسابقة تاريخية لا مثيل لها في التاريخ العربي الحديث متمثلةً في احتلاله لدولة الكويت»، متسائلاً عن «فرار الجيش العراقي وعدم إطلاقه أية رصاصة» على القوات الأميركية إبان حرب العام 2003. وأعرب أبو مطر عن تشاؤمه من مصير حزب البعث بعد الإطاحة بالنظام، معتبراً أن «لا مستقبل إيجابياً للحزب».
وذكر أن الحزب «مرفوض من أغلبية الشعب العراقي، وبالتالي فنضاله الآن مجرد بيانات على شبكة الانترنت»، متابعاً بالقول: «أما في داخل العراق فوجوده كحزب هامشي جداً».
كما لفت الباحث الفلسطيني إلى أن مستقبل البلاد «محفوف بالمخاطر» لأن الشعب العراقي «منقسم سياسياً».
وذكر أن أخطر ما يهدد هذا المستقبل «تنامي النزعة الطائفية»، منوهاً إلى أن «الكرة باتت في ملعب الشعب العراقي أن يتفق على أجندة وطنية توافقية، وإلا فسيظل الأمن والمستقبل مهددين». ومن جهتها، أوضحت الأكاديمية اليمنية إلهام مانع لـ «البيان» في تعليقها على انقلاب صدام أنه «في بلداننا العربية يصبح السؤال عادة: هل هناك بوادر انفراج سياسي؟»، مشيرةً إلى أن السؤال في حد ذاته يظهر أن «الدولة العربية تعيش في مأزق مزمن» كما قالت.
وذكرت مانع أن مأزق العراق «لم يبدأ فقط مع وصول صدام حسين إلى السلطة العام 1979، بل المشكلة في الواقع ترتبط بنشأة الدولة في حد ذاتها في العشرينيات من القرن الماضي». وأضافت أن «السؤال الغائب هو كيف يمكن التوفيق بين كيانات عرقية ولغوية ومذهبية ودينية متعددة دون اتفاق هذه الكيانات على مبدأ الاندماج في دولة واحدة؟».
واعتبرت الأكاديمية اليمنية أن الأهم هو «كيف نخلق مفهوم المساواة بين المواطنين أمام القانون»، منوهةً إلى أن «بداية الخلل كانت في تلك الفترة».
ولفتت إلى أن وصول صدام حسين إلى السلطة قبل ثلاثة عقود لم يسفر، بحسب وصفها، «سوى عن رفع ورقة التوت عن النظام القائم في الدولة وعرى الواقع المذهبي العشائري للدولة العراقية». وقالت إن النظام السابق «بدأ عملية منهجية لإزالة كافة العناصر المدنية والوطنية المؤمنة بمفهوم دولة العراق بغض النظر عن المذهب أو العرق من مواقع القوة والسلطة في الدولة»، معتبرةً أن صدام أقام مكانهم «مجموعة عسكرية قروية تنتمي في أغلبها إلى منطقة محددة ».
واختتمت مانع حديثها قائلةً إنه «لم يكن مستغرباً أن يستخدم النظام السابق الحديد والنار لكي يطوع كل من اختلف في المذهب والعرق»، موضحةً أن وصول صدام إلى سدة الحكم «كان حاسماً في تأصيل التشويه الحاصل في كيان الدولة العراقية».
إضاءة
عائلة صدام
ـ عدي صدام حسين:
الابن البكر لصدام. قتل على أيدي قوات أميركية عراقية مشتركة مع شقيقه الأصغر قصي في مدينة الموصل في ال22 من شهر يوليو العام 2003. قيل إن أحد أقربائه وشى بهما إثر عودتهما إلى العراق من سوريا، في وقتٍ كان يحتل فيه عدي المرتبة الثالثة على قائمة المطلوبين التي وزعها الجيش الأميركي على شكل أوراق لعبٍ. ترأس ميليشيا «فدائيي صدام» ومؤسسات رياضية وإعلامية.
ـ قصي صدام حسين:
كان ينظر إليه على أنه الرئيس المقبل للبلاد بعد صدام. تمتع بثقة والده المطلقة الذي عهد إليه بتولي أمر حمايته الشخصية. ألقى الكثيرون اللوم عليه بالتسبب في هزيمة الجيش العراقي أمام الولايات المتحدة العام 2003 لقلة درايته العسكرية بحكم منصبه كرئيس لجهاز «الحرس الجمهوري». لقي نجله البكر مصطفى مصرعه خلال الاشتباك مع القوات الأميركية في شهر يوليو العام 2003.
ـ ساجدة خير الله طلفاح:
زوجة صدام وابنة خاله. تولى شقيقها عدنان وزارة الدفاع قبل مقتله. فرت إلى الأردن قبل انتقالها للعيش في قطر مع ابنتها الصغرى حلا.
ـ رغد صدام حسين:
وهي أرملة حسين كامل الذي انشق عن صدام وهرب إلى الأردن منتصف التسعينيات قبل أن تتم تصفيته بعد عودته مع شقيقه صدام كامل الذي كان متزوجاً بدوره من شقيقة رغد الصغرى رنا. تقيم حالياً مع شقيقتها في الأردن.
دبي - رؤوف بكر

