عادت قضية الاستيطان لتحتل مكان الصدارة في الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي الأجندة الدولية والإقليمية المتعلقة بعملية التسوية. فالسلطة الفلسطينية باتت تربط استئناف المفاوضات مع إسرائيل بقيام هذه بوقف كامل لأنشطتها الاستيطانية في الأراضي المحتلة، في حين تعتبر إسرائيل بأن البت بقضية الاستيطان مطروح على المرحلة الأخيرة من المفاوضات، وأن أنشطتها الاستيطانية محصورة في مجرد دعم التوسع في المستوطنات القائمة لأغراض التوسع الطبيعي.
وبديهي فإن إسرائيل تراوغ كثيرا في هذا الأمر، لدرجة أن جورج ميتشيل المبعوث الأميركي (القديم الجديد) للشرق الأوسط اتهمها بالكذب والخداع. وكان ميتشيل شاهدا على التنامي السرطاني للأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، وسجل ذلك في تقرير قدمه لإدارة بوش، ما استرعى غضبا إسرائيليا عليه.
وفي الحقيقة فإن موقف إسرائيل، بشأن المستوطنات، ينطلق من حقها في الاستيطان في الأرض التي تعتبرها «أرض الميعاد» خاصتها، أو «أرض إسرائيل»، وفي الحد الأدنى فإنها تعتبر هذه الأرض موضع تنازع بين شعبين، أو بين حقين، بمعنى أنها لا تنظر إلى وجودها في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، على أنه احتلال.
فوق هذا وذاك فإن إسرائيل تصر على الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبيرة التي تقع على تخوم الخط الأخضر وفي محيط القدس. وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو صرح علنا في خطابه الشهير في جامعة بار إيلان، بحق إسرائيل بالاستيطان ووصف المستوطنين بالطليعيين، في نفس الوقت الذي سعى فيه للالتفاف على الضغوط الأمريكية بشأن وقف الاستمرار، من خلال العزف على وتر النمو الطبيعي للمستوطنات.
وفي الواقع فإن هذه المعزوفة باتت جد مكشوفة ومبتذلة، بواقع تضاعف عدد المستوطنين مرتين خلال عملية التسوية، إذ كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية عام 1993 حوالي 112 ألف مستوطن، في حين أنه بات يبلغ الآن 300 ألف مستوطن (عدا الاستيطان في القدس الشرقية). فوق ذلك فإن إسرائيل باتت تتلاعب بهذه العملية من خلال غض السلطات المعنية النظر عن الأنشطة الاستيطانية المنفلشة التي تنظمها عصابات المستوطنين المتطرفين، والتي نجم عنها إقامة عشرات النقاط الاستيطانية العشوائية، في الضفة الغربية، والتي لا يقطن في كل منها سوى بضعة أفراد، ولكنها تقطع التواصل بين المدن والمناطق الفلسطينية، وتعكر حياة الفلسطينيين.
ومعلوم أن مصير المستوطنات (مع قضايا أخرى مثل: اللاجئين والحدود والقدس والترتيبات الأمنية) أحيل على المرحلة الأخيرة من المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهي إحدى الثغرات الخطيرة في اتفاق أوسلو (1993). وكانت قضية المستوطنات سببا في تأزيم العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية إبان إدارة الرئيس بوش ورئيس الحكومة الإسرائيلية اسحق شامير. كما كانت أحد الأسباب الأساسية لاندلاع الانتفاضة الثانية (2001).
الآن تعود قضية المستوطنات إلى الصدارة، كما قدمنا، وهي هذه المرة ستساهم بتحديد أو توضيح ثلاثة ملفات على غاية في الأهمية، أولها، يتعلق بتحديد مصير عملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وثانيها يتعلق بطبيعة العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية في ظل إدارة أوباما. وثالثها، يتعلق بتوضيح ما إذا كانت إسرائيل مستعدة لتحديد حدودها.
