قبل ثماني سنوات، عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى قيادة دفة الحكم في تركيا، نظر العسكر الذين يعرفون تقليدياً بحراس العلمانية، التي أسسها كمال أتاتورك، بنوع من التشكك في نوايا زعيم الحزب أردوغان ذي الخلفية الإسلامية، ودخل الطرفان في اختبارات شد وجذب، كادت ان تؤدي في إحدى مراحلها إلى فرض حظر على نشاط الحزب، المغلف بعباءة ديمقراطية محافظة، قد يعتبرها بعض العسكر مجرد تمويه.
وفي إطار الصراع الخفي، بين الحكومة والعسكر المتشككين في نواياها، كانت القنبلة التي فجرتها إحدى الصحف التركية مؤخراً، بنشرها ما قالت انه وثيقة، حول نسج عدد من ضباط الجيش خيوط (مؤامرة انقلابية) تم التخطيط لها في أروقة رئاسة الأركان، لإسقاط حكومة حزب العدالة والتنمية.
وفي التفاصيل ان الوثيقة الموقعة من قبل رئيس قسم العمليات في رئاسة الأركان، تظهر خطوات الانقلاب على الحكومة القائمة، عبر تحريك الجهاز الإعلامي الموالي للعسكر، لخلق أجواء تشير إلى أن حكومة حزب العدالة وبالتعاون مع جماعة فتح الله غولن وهو زعيم أكبر جماعة إسلامية معتدلة والهارب إلى أميركا منذ سنوات بعد صدور حكم يقضي بسجنه، إبان حكم رئيس الوزراء الأسبق بولند أجاويد، يعدون للقضاء على العلمانية، وتحويل تركيا إلى دولة إسلامية أصولية.
وفي الخطوة التالية يقوم المتآمرون بإدخال أسلحة وذخائر إلى الأبنية والأندية والمدارس العائدة إلى جماعة غولن، ومن ثم مداهمتها والقبض عليهم، وفضحهم بالمؤامرة على العلمانية والجمهورية الاتاتوركية.
وعند ذلك يشن العسكر حملة اعتقالات واسعة في صفوف الضباط المتدينين، وان لم يكن لهم أية ميول سياسية، وربط الأمر بسعي حزب العدالة إلى القضاء على العلمانية، وبما يؤجج الشعور القومي المتعصب في جميع أنحاء تركيا، مع نثر بعض البهار والمعلومات الملفقة عن قيام اليونان بحياكة مؤامرات ضد تركيا، وبما يسهم في التفاف الشعب حول الجيش، فتخرج الغوغاء لتسيطر على الشارع، فيتحرك العسكر لإنقاذ الموقف كما جرت العادة.
تلك كانت باختصار خيوط المؤامرة التي تحدثت عنها الوثيقة، التي دفع ظهورها المدعي العام العسكري إلى إصدار قرار بحظر نشر أي خبر يتعلق بها، ما أسهم في خروج الخلافات بين الحكومة والعسكر إلى العلن، فقد اعتبرت الحكومة هذا الإجراء نوعاً من الاعتراف بصحة الوثيقة ولهذا تكون القضية ضمن صلاحيات القضاء المدني وليس العسكري.
أكثر من ذلك، ظهر أردوغان أمام أجهزة الإعلام رافضاً هذا الأسلوب للعسكر ومهدداً بالسير قدماً في القضية وحتى النهاية، وسارع حزب العدالة بنقل المعركة إلى البرلمان الذي أقر قانوناً يجيز محاكمة العسكر المتهمين بالتآمر وتهديد الأمن القومي أمام محاكم مدنية، بما ينزع من الجيش ورقة حماية أفراده.
هنا وجد الجيش نفسه لأول مرة في قفص الاتهام، فلجأ إلى الدفاع واصفاً الوثيقة التي تحدثت عن المؤامرة بأنها (مجرد ورقة تافهة)، وعقد مجلس الأمن القومي التركي، اجتماعاً نهاية يونيو استمر سبع ساعات، من أجل نزع فتيل الأزمة بين الطرفين في معركة تبدو الحكومة الأعلى كعباً فيها على الجيش، وان لم تكن آخر المعارك، قبل ان يتم استئناس العسكر بالكامل، لصالح القواعد الديمقراطية.
