بعد أزمة سياسية خانقة قاربت السنة، وتوافق شاق بذل في سبيله الكثير من الوقت والجهد من قبل الأطراف السياسية المحلية ووسطاء إقليميين ودوليين عديدين، دخلت موريتانيا في حملة انتخابات رئاسية تعتبر الأشرس والأشد تنافسا في تاريخ البلاد. فرغم مرور أسبوع كامل على هذه الحملة استعدادا ليوم الاقتراع في 18 يوليو الجاري، لا يزال من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التكهن بما ستكون عليه نتائج الشوط الأول الذي يرى الكثير من المراقبين انه لن يحسم النتيجة بشكل كامل، مما يستدعي شوطا ثانيا في الأول من أغسطس المقبل.
ولا يعود السبب فقط إلى تعدد المترشحين الذين بلغ عددهم عشرة (قبل أن ينسحب أحدهم مؤخراً من السباق)، وإنما لان النسبة الأكبر من المترشحين معروفون على المستوى الوطني، ولهم حظوظ شعبية معتبرة، وان تفاوتت النسب المقدرة من مرشح إلى آخر.
كما أن طبيعة الحراك السياسي في البلاد، وهشاشة الولاءات والانتماءات السياسية التي تتغير بتغير الأهواء والأنواء واتجاهات الرياح التي لا تكاد تتوقف عن الهبوب أو تستقر على حال، إضافة إلى تقارب البرامج الانتخابية، أو بتعبير أدق غيابها في كثير من الأحيان.. كل ذلك يجعل اتجاه النتائج، هو الآخر، مفتوحا على أكثر من احتمال، حتى بالنسبة لنتائج الشوط الأول، على غير العادة في كل الانتخابات السابقة التي شهدتها البلاد على مدى العشرين سنة الماضية.
هذا فضلا عن الاعتبارات القبلية والجهوية التي لا تزال مؤثرة في توجهات واختيارات العديد من الناخبين.
ورغم كل هذه العوائق والصعاب التي تحول دون رؤية واضحة لمسارات السباق الرئاسي وتوقع نتائجه، إلا أنه يمكن تصنيف المتسابقين في خيارين اثنين، يصعب تبين خيار آخر واضح يضاف إليهما.
الخيار الأول هو خيار التغيير الكامل، وربما الحاد، الذي يعتبر المرشح محمد ولد عبد العزيز (الجنرال ورئيس المجلس العسكري السابق) أبرز الداعين له والساعين إليه، وان لم يكن الوحيد. أما الخيار الثاني فهو خيار الاستمرارية أو التغيير التدريجي (أو المطمئن)، الذي يقف خلفه ويدعمه بقوة أبرز أركان وركائز نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع ومناصريهم، وإن كان هذا الخيار يضم أيضا قيادات وفئات ممن كانوا في الصف المعارض والمناهض للحكم الطائفي طوال سنواته العصيبة والمضطربة!
ومع ذلك، فان مفردات الخطاب الانتخابي تتشابه وتتقاطع في كثير منها، سواء عند هذا الطرف أو ذاك، وهو ما جعل المترشحين يستخدمون كل ما لديهم من أسلحة مالية ومعنوية، وحتى لفظية خرج بعضها عن حدود اللياقة والمسموح به في مجتمع تقليدي محافظ يحرص، عادة، على حد أدنى من اللباقة والمسحة الأخلاقية في التعامل، ولو في السياسة التي لا تضع، غالباً، الأخلاق في الاعتبار الأول.
ويكاد يكون من المستحيل، في الظروف الراهنة، حدوث عمليات تزوير في هذه الانتخابات، وان حدثت تجاوزات محدودة فلن يكون لها تأثير يذكر على النتائج، نظرا لأن الحكومة المشرفة على الانتخابات هي حكومة ائتلافية تشكلت مناصفة بين الأغلبية الحالية والمعارضة، إضافة إلى الرقابة والمتابعة الدولية والإعلامية غير المسبوقة، ولعل هذا عامل إضافي لزيادة حدة المنافسة واحتدام الصراع بين المتنافسين. ويبقى عامل الخبرة في مفاصل التأثير الانتخابي وعوامله، أحد العوامل المهمة في تحديد مسار الانتخابات وتقرير النتائج.
