قبل أربع سنوات لم تكن لدى رجل الأعمال الشاب سعد الحريري أي خبرة سياسية تكفل له خوض غمار المعارك السياسية اللبنانية الطاحنة التي تجلب في معظم الأحيان دماءً على أرض الصراع الذي يخوضه الساسة الكبير منهم والصغير.
كان شاباً واعداً في عالم المال والأعمال. ولم يكن والده الشهيد الراحل قد أعده ليخلفه سياسياً كما هو حال العديد من الزعامات اللبنانية كالراحل بيير الجميل مؤسس حزب الكتائب الذي صار ابناه بشير وأمين رئيسين على التوالي خلال أحلك سنوات الحرب الأهلية الدامية التي عاشها لبنان في النصف الأول من الثمانينات. ولكن سقط الشهيد الحريري الأب بأيد خفية قذرة، فشاء قدر سعد الشاب أن يرث تركة أبيه السياسية دون خبرة تذكر.
ويبدو أنه عرف قدر نفسه وقتها، فرفض بعد أن فاز تحالفه ـ تيار المستقبل ـ في انتخابات 2005، أي بعيد استشهاد والده، أن يتولى رئاسة الحكومة وفضّل أن يتركه لصديق الأسرة وحليف والده فؤاد السنيورة.
أيقن وقتها أنه محدود الخبرة في ظل أجواء كانت غاية في التوتر. وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، اشتد عوده السياسي وازداد صلابة كانت واضحة من خلال تعاملاته مع أعقد وضع سياسي في العالم على الإطلاق.
قام برحلات خارجية لا حصر لها والتقى بعدد كبير من زعماء العالم. في البداية، حشد المجتمع الدولي للمحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين في اغتيال والده. تعرض هو نفسه لتهديدات بتصفيته دموياً، ووقعت هجمات أودت بحياة تسعة من حلفائه من بينهم النواب جبران تويني ووليد عيدو وأنطوان غانم وبيير جميل «الحفيد».
وكان على سعد أن يتعامل بواقعية مع لعبة الصراع السياسي التي شهدتها بيروت في مايو 2008 عندما وقعت معارك في الشوارع بين أنصاره والمعارضة وتعرض مقره للحصار لعدة ساعات. فقد ارتضى تحالفه الذي يمثل الأغلبية بتقديم تنازلات في مؤتمر الدوحة في 25 مايو العام الماضي.
إذ شكلت حكومة وحدة وطنية بزعامة السنيورة تحتفظ فيها المعارضة بحق الفيتو وهو ما يعرف باسم «الثلث الضامن»، أو الثلث المُعطل. وعلى حد تعبير مراسلة وكالة الأنباء الفرنسية، كانت إطلالة سعد الإعلامية تتسم غالباً بالهدوء وكلامه بالرؤية والدبلوماسية حتى عندما يدلي بمواقف متشددة. وتعلم كيف يصبح خطيباً مفوهاً يضخ الحماسة في نفوس أنصاره، وبدا هذا جلياً خلال الحملات الانتخابية.
ويعد فوز تحالفه بانتخابات يونيو الماضي دليلاً على نجاحه في الاختبار السياسي الذي استغرق منذ استشهاد والده 50 شهراً تقريباً. ففوز تحالفه في الانتخابات السابقة عام 2005 مرجعه إلى أن الناخبين الذين توجهوا إلى الصناديق من أجل والده. وقال «كنت مجرد رمز وسأعمل جاهداً خلال السنوات الأربع القادمة لكي آخذ القليل من مكانة والدي». لقد ثقل وزن سعد السياسي، فمن يخوض غمار السياسة في لبنان المتعدد الأطياف والعقائد والاتجاهات ثم يصمد أمام العواصف والأعاصير السياسية، لابد أن يقوى.
وقوته زادته ثقة بالنفس دون أن يتباهى بها أو يستفز أحداً أمام معارضيه. واتضح هذا جلياً بعد الفوز بالانتخابات الأخيرة. في خطاب النصر، دعا كافة اللبنانيين إلى توحيد الصفوف.
وقال «علينا أن نمد أيدينا لبعضنا وأن نشمر عن ساعدينا ونعمل سوياً لمصلحة لبنان». وترجم القول بالفعل عندما التقى بالأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وتعهد بأنه على استعداد للعمل مع كل الأطراف اللبنانية لإنعاش وتنشيط البلاد سياسياً واقتصادياً. وقبل ذلك قال ان سلاح حزب الله لا يمكن ان يعالج إلا بالحوار.
الحريري الصاعد إلى رأس الحكومة، مهمته صعبة. فهو مطالب بتشكيل حكومة مع المعارضة وعلى رأسها حزب الله الذي يتمسك بحق الفيتو لضمان الاعتراض على قرارات الحكومة. وهذا يرفضه الحريري. وتلك هي المعضلة حتى الآن رغم ما يقال عن جو التوافق الإقليمي الإيجابي الحاصل حالياً.
ومع ذلك، تقول صحيفة السفير اللبنانية إن الأوساط تشدد على أن مهمة الحريري بتشكيل الحكومة لن تصطدم بالحائط المسدود ولو تأخر إتمامها قليلا، فهي محكومة بالنجاح والقضية قضية وقت ليس إلا. فالحريري كما تنقل الصحيفة عن تلك الأوساط يعتمد في تحركه قاعدة «واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان». انه يعمل على مدار الساعة لتأليف الحكومة ولكن جهده ـ كما يقولون ـ بعيد عن دائرة الضوء.
إضاءة
سعد الدين رفيق الحريري من مواليد 18 أبريل 1970. ولد في السعودية حيث كان والده يعمل، وهو ثاني الأبناء. درس الابتدائية بمدينة صور بلبنان قبل أن يلتحق بإحدى المدارس الداخلية الفرنسية. تابع دراساته الجامعية في جامعة جورج تاون بالولايات المتحدة حيث حصل على شهادة إدارة الأعمال الدولية.
ويحمل إلى جانب جنسيته اللبنانية، الجنسية السعودية والفرنسية.
وكان يكتفي خلال حياة والده بالاهتمام بأعمال العائلة. وتولى في السعودية إدارة شركة «سعودي ـ أوجيه» للبناء والتعهدات التي كانت الركيزة الأساسية في بناء ثروة رفيق الحريري. ويصنف ضمن لائحة أغنى أغنياء العالم.
حسن صابر
