مازالت مسألة التفاهمات التي جرت بين الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ورئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق أريئيل شارون، والمتعلقة بإمكان إسرائيل البناء في الكتل الاستيطانية الكبرى، موضع تجاذب واختلاف بين الإدارة الأميركية الحالية، التي تنفي وجود مثل هذه التفاهمات، والحكومة الإسرائيلية التي تؤكد عليها. وقد جاء هذا النفي على لسان أكثر من مسؤول ضمنهم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشيل.
وكانت إدارة بوش، لدى طرحها خطة «خريطة الطريق» (2003)، المتضمنة وقف الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية وتفكيك بعض المواقع الاستيطانية، وبدعوى حثّ إسرائيل على قبول هذه الخطة، وتسهيل الطريق على شارون في هذا الأمر، أبدت تفهما لبعض لأنشطة الاستيطانية، ما اعتبرته إسرائيل بمثابة ضوء اخضر لها لتعزيز الاستيطان في أراضي الضفة الغربية المحتلة.
ترميم العملية السياسية
وفي العام 2007 جرت محاولة أميركية أخرى لترميم العملية السياسية عبر مسار أنابوليس. وحاول الأميركيون إفهام إيهود أولمرت قواعد البناء في المستوطنات. وأبلغ أولمرت الأميركيين أن البناء خارج الخط الأخضر ينقسم إلى أربع مناطق: القدس التي ترفض إسرائيل أي تقييد للبناء فيها، الكتل الاستيطانية التي ستبني فيها خارج خط البناء القائم ولكن غير بعيد عنه، المستوطنات خارج الكتل والتي يتم البناء فيها داخل المنطقة المبنية، وهناك أخيرا المواقع الاستيطانية غير المرخصة والتي سيتم إخلاؤها.
وبعد مؤتمر أنابوليس سمح أولمرت ببناء مئات الوحدات السكنية خارج الخط الأخضر. وكان الرفض الأميركي ضعيفا تمثل في موقف كوندوليزا رايس (وزيرة الخارجية الأميركية حينها) القائل إن «هذا غير مفيد» للعملية السياسية. وفهمت إسرائيل أن هذه موافقة أميركية صامتة. واليوم يحاول نتانياهو مواصلة البناء في الكتل الاستيطانية وفق صيغة شارون وأولمرت.
بعد انصراف إدارة بوش (2009) وضعت الإدارة الأميركية الجديدة، برئاسة باراك اوباما، ثقلها وراء استئناف عملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، على أساس حل الدولتين. ولكن هذه الإدارة وضعت ركيزة أساسية للانطلاق بهذه العملية، ووضعها على السكة الصحيحة، تمثلت بمطالبة إسرائيل بالوقف التام لكل الأنشطة الاستيطانية، وبدون استثناءات (بحسب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون).
وفوق ذلك فإن هذه الإدارة عينت جورج ميتشيل، أي صاحب التقرير المعروف بـ «تقرير ميتشيل»، والذي جرى فيه تحميل إسرائيل، وأنشطتها الاستيطانية، مسؤولية تدهور الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واندلاع المواجهات فيها (بداية الانتفاضة الثانية)، وخلص التقرير إلى مطالبة الفلسطينيين بوقف العنف ومطالبة الإسرائيليين بوقف الاستيطان.
تأكيد إسرائيلي
وعودة إلى موضوع «التفاهمات» فقد ذكر دوف فايستغلاس، وكان يعمل وقتها مستشاراً خاصا لشارون، أن هذه التفاهمات حصلت فعلا «من خلال لقائين عقدا في 1 و16 مايو ,2003.وقد قيلت الأمور، واتفق عليها ووثقت في محاضر المحادثات الموجودة في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي..
وأنا واثق بأنه في بحث ناجع ستوجد السجلات الأميركية الموازية.. الموقف الراهن للإدارة الأميركية في الموضوع محرج، على أقل تقدير.. نفي الإدارة ليس فقط غير عادل وغير نزيه بل انه أيضا عديم الحكمة». (يديعوت أحرونوت 28/6) بناء على هذا الموضوع الحساس، والذي بات يؤشر على تزعزع ما في العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، فقد عجّت الصحافة الإسرائيلية، في الأيام الماضية، بعديد من المقالات التي تناقش حيثيات هذه المسألة، وأبعاد الموقف الأميركي منها. وفي هذا الإطار يقول بن كسبيت: «هيلاري كلينتون قالت في نهاية الأسبوع إن «لا اتفاق على استمرار توسيع المستوطنات». كلينتون محقة. لا يوجد اتفاق كهذا، لم يكن ولن يكون أيضا.
الموضوع هو ليس مضمون أقوالها، بل النبرة.. الآن يتبين أن مصدرا امنيا أميركيا كبيرا للغاية، في حديث مغلق جرى في واشنطن مؤخرا قال لمحادثيه: «إذا لم يفهم نتانياهو بان واشنطن تغيرت، فسيكون هذا خطأ جسيما جدا من ناحيته». وقال مصدر أميركي آخر، مقرب جدا من الرئيس اوباما، في ذات الوقت إن «واشنطن ستتحدث من الآن فصاعدا بصوت واحد. لن تكون هناك استثناءات».. ليس لنتانياهو في هذه المرحلة أية علاقة حميمة مع الإدارة، ليس لديه من يبعثه إلى واشنطن ولا يوجد «خط ساخن» وسري بينه وبين الرئيس اوباما. أدوات عمل كهذه كانت لكل رئيس وزراء قبله». (معاريف7/6/2009)
وبحسب أليكس فيشمان فإن «الإدارة الأميركية لن تقبل بأي تذاكي بشأن المستوطنات» إذ «وصلت إلى إسرائيل رسائل واضحة من واشنطن بموجبها ليس للولايات المتحدة نية للمساومة مع إسرائيل حول موضوع تجميد البناء في المستوطنات.. تطالب الولايات المتحدة بالتعهد بالتجميد الكامل للبناء في المستوطنات، دون قيد زمني ودون أي شرط». وأوضح الأميركيون بان البند الوحيد الذي يسمح بالنقاش هو استمرار البناء لمبان هيكلها بات منصوبا. (يديعوت أحرونوت 30/6)
إلغاء لقاء نتانياهو ـ ميتشيل
وكما بات معلوما، وبسبب من هذه الخلافات، فقد ألغت الإدارة الأميركية لقاء كان يفترض أن يعقد بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو وجورج ميتشيل المبعوث الأميركي للشرق الأوسط. وعن ذلك يقول شمعون شيفر:
«إدارة أوباما لا تعترف بالتفاهمات التي كانت تحققت مع إدارة بوش - والتي تشير إليها إسرائيل كحجة لمواصلة البناء - وتصر على الوقف التام لأعمال البناء في الضفة، وحتى في الكتل الاستيطانية. على هذه الخلفية اتفق بأن لا معنى لعقد لقاء بين ميتشيل ونتانياهو وانه يجب مواصلة الاتصالات بهدف إيجاد حل وسط».
مصدر سياسي رفيع المستوى يقول إن البيت الأبيض ينقل إلى نتانياهو إشارة حادة بموجبها «عندما تكمل فروضك المنزلية التي فرضت عليك في موضوع وقف البناء في المستوطنات، ابلغنا. حتى ذلك الوقت لا يوجد معنى لأن يطير ميتشيل إلى باريس للقائك». على هذه الخلفية تقرر إرسال وزير الدفاع ايهود باراك في مهمة عاجلة..لعقد لقاءات مع مسؤولين أميركيين كبار، بمن فيهم ميتشيل نفسه أيضا».
(يديعوت احرونوت 24/6) ويرى الباحث الإسرائيلي يوسي الفر بأن إلغاء اللقاء هو بمثابة «رسالة واضحة وجهها الرئيس اوباما إلى الإسرائيليين والأميركيين معا». وأشار المدير السابق لمعهد الدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب إلى انه «اتضح أن الإدارة لن تلين بعد اليوم حيال الاستيطان وان لم يمتثل بنيامين نتانياهو فانه سيصبح شخصا غير مرغوب به في واشنطن».
غير أن دوري غولد المستشار الدبلوماسي لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي قلل من أهمية الخلافات. وصرح غولد عبر إذاعة الجيش بأن كل الحكومات الإسرائيلية كانت «منذ 1967 على خلاف مع واشنطن حول المستوطنات بطريقة أو بأخرى». وأكد غولد أنه بإمكان إسرائيل «تجنب الأزمة عبر التوصل كما حصل في الماضي إلى اتفاقات ضمنية».
مراوغة إسرائيلية
ويبدو أن بنيامين نتانياهو يعمل على ذلك من خلال مطالبته الفلسطينيين بتنفيذ خطوات تجاه إسرائيل مقابل تجميد الاستيطان، ومن خلال السعي لعقد نوع من السلام الإقليمي مع العرب. هكذا وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت (2/7) فإن نتانياهو صرح خلال لقاء له في القدس مع السفراء الأوروبيين الـ 27، بأن «الكثيرين من الإسرائيليين مستعدون لتقديم تنازلات كثيرة للفلسطينيين. لكن ثمة أمرا واحدا هم ليسوا مستعدين له، وهو أن يكونوا مغفلين. ولذلك فإنه إذا أراد أحد أن أجمد الاستيطان فإني أتوقع أن يمنح الفلسطينيون المقابل لذلك».
وادعى متحدثون إسرائيليون بأنه فيما ترفض دول عربية تطبيع العلاقات مع إسرائيل فإنه لا يمكن مطالبتها بتنفيذ خطوات تجميد الاستيطان. ونقلت صحيفة هآرتس (2/7) عن مصدر سياسي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن الإدارة الأميركية لم تنجح حتى الآن في الحصول على تعهد من الدول العربية لتنفذ خطوات باتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
هكذا تستمر إسرائيل بطريقتها المعهودة بطرح الشروط تلو الشروط لتحصيل المزيد من التنازلات من الفلسطينيين والعرب، وفرض املاءاتها ورؤاها في عملية التسوية. لذا من المهم جدا مراقبة مسار المعركة من حول الأنشطة الاستيطانية، ولاسيما في بعدها الإسرائيلي الداخلي، وفي بعدها الأميركي ـ الإسرائيلي، وفي بعدها الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
إضاءة
عجّت الصحافة الإسرائيلية، في الأيام الماضية، بعديد من المقالات التي تناقش حيثيات هذه المسألة، وأبعاد الموقف الأميركي منها. وفي هذا الإطار يقول بن كسبيت: «هيلاري كلينتون قالت في نهاية الأسبوع إنه لا اتفاق على استمرار توسيع المستوطنات».
كلينتون محقة. لا يوجد اتفاق كهذا، لم يكن ولن يكون أيضا. الموضوع هو ليس مضمون أقوالها، بل النبرة.. الآن يتبين أن مصدرا امنيا أميركيا كبيرا للغاية، في حديث مغلق جرى في واشنطن مؤخرا قال لمحادثيه: «إذا لم يفهم نتانياهو أن واشنطن تغيرت، فسيكون هذا خطأ جسيما جدا من ناحيته».
ماجد كيالي
