لأن القضية الفلسطينية هي محور التوتر في الموقف الحالي بالشرق الأوسط.. فقد اهتمت أوساط المحللين السياسيين بأحدث تطور مستجد في هذا السياق متمثلا في البيان الصادر في أواخر يونيو الماضي عن أحدث اجتماع شهدته إيطاليا وضم اللجنة الرباعية الدولية المعنية بقضية الشرق الأوسط وهي تضم كلا من الأمم المتحدة وأميركا والاتحاد الأوروبي وروسيا.
وقد اكتسب الاجتماع المذكور أهميته من واقع مشاركة عدد من وزراء خارجية دول مجموعة الثماني التي تجسد تجمع الدول الصناعية المؤثرة بالتالي على مضمار السياسة والاقتصاد في العالم.
أهم ما ورد في بيان الرباعية الدولية يتمثل في مطالبة إسرائيل بوقف كامل لجميع عمليات بناء المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة وفي هذا السياق أيضا أشير إلى أن هذه المطالبة من جانب «رباعية صناع السلام في الشرق الأوسط» جاءت مستندة إلى الموقف الذي سبق وأعربت عنه إدارة الرئيس الأميركي أوباما بشأن معارضة كل أنشطة الاستيطان الصهيوني.
مطالبات دولية
ومن منطلق الرغبة في إضفاء أجواء تحمل صفة الطبيعية والإنسانية على نواحي وأنشطة الحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مضت الرباعية الدولية لتطالب حكومة «بنيامين نتانياهو» في إسرائيل بأن تعيد بصورة مستدامة فتح نقاط المعابر في غزة بما يتيح تدفقا منتظما للأشخاص وكذلك للبضائع التجارية والسلع والأصناف المستخدمة لأغراض إنسانية إلى هذه المنطقة المعزولة (أو المحاصرة).
من ناحيتهم أصدر وزراء مجموعة الثماني المشار إليهم بيانا نقلته وكالة أسوشيتد برس يطالبون فيه كلا من طرفي إسرائيل والفلسطينيين بالوفاء بالالتزامات التي تعهد بها بموجب خطة السلام لعام 2003 التي حملت عنوان خارطة الطريق. وقد فسرت وكالة «رويترز» هذه التعهدات على الوجه التالي:
تجميد نشاط بناء المستوطنات (فضلا عن نموها (أو توسعها) الطبيعي.
وضع نهاية قاطعة للعنف والإرهاب
السؤال المطروح
وبديهي أن الطرف الإسرائيلي هو المقصود بالمستوطنات في حين أن الطرف الفلسطيني هو المقصود بحكاية إنهاء العنف مضافا إليه مصطلح «الإرهاب» وهو المصطلح الذي ما زال يكتنف الأدبيات السياسية الغربية (في أوروبا وفي أميركا) وتشهره تلك الأوساط بوجه الاعتراضات العربية بدعوى إضفاء صفة التوازن على البيانات الصادرة بشأن قضية الصراع المحوري في الشرق الأوسط.
والسؤال المطروح هو: كيف كانت استجابة إسرائيل إزاء تلك البيانات المتعقلة «أو تلك التصريحات المتوازنة» ـ خاصة وأنها لم تصدر عن أطراف لا عربية توصف بأنها مؤيدة ـ بحكم التعريف ـ للطرف الفلسطيني، ولا حتى عن أطراف من العالم الثالث يمكن أن توصف حتى لا نقول تتهم) بأنها منحازة للفلسطينيين ضد إسرائيل.
البيانات ـ النداءات صادرة أولا عن مجموعة متكاملة تمثل المنظومة العالمية المنوط بها تنفيذ قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن بشأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بعد عدوان يونيو ,1967.
وتضم ـ كما أسلفنا ـ كلا من الاتحاد الأوروبي ممثلا لكل أقطار غربي القارة الأوروبية إضافة إلى روسيا كي يكتمل تمثيل أوروبا من شرقها إلى غربها.. فضلا عن الولايات المتحدة بوصفها طرفا ضالعا مع الشأن الإسرائيلي من جهة وبحكم مسؤوليتها كقطب دولي وحيد مؤثر في مجريات الأمور في عالمنا.. ثم بحكم مصالح أميركا الحيوية ـ الاقتصادية والاستراتيجية بشكل عام في سيادة السلام والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط.
مع هذا كله تنقل الكاتبة الأميركية «إيزابيل كرشنر» عن مارك ريجيف الناطق باسم رئيس وزراء إسرائيل قوله بأن موقف رئيس الوزراء (الصهيوني) يتمثل في ضرورة استمرار الحياة الطبيعية في تلك المجتمعات (الاستيطانية).
حكاية.. الطبيعي
هنا نلاحظ من جانبنا أن ثمة عبارة اصطنعها سدنة الاحتلال العنصري الإسرائيلي ومؤلفه من كلمتين هما: النمو.. الطبيعي
وهم لا يفتأون يلوكون في كل مناسبة هذه العبارة بكل براءتها الظاهرة ولكن بكل ما تنطوي عليه من خبث المضمون.. فمن ذا الذي يرفض النمو ناهيك عن أن يكون طبيعيا ولصالح مجتمعات تريد أن تعيش حياتها «الطبيعية».
وعندنا أن أركان الاحتلال الاستيطاني الصهيوني يعمدون إلى استخدام مصطلحات طبيعي وتطبيع وكأنما يقصدون إلى خلق، أو اختلاق، أمر واقع يضفون عليه معنى أو شبهة الطبيعي دون أن يراجعهم أحد.. بسؤال عن كيف يجوز إقرار وتجذير الوضع «الطبيعي» على أرض ما زالت ملكا للشعب العربي الفلسطيني، وهو ملك صريح حسب شرعه القانوني الدولي الذي ما برح يتعامل مع أراضي الضفة والقطاع بوصفها أراضي خاضعة لقوة احتلال أجنبي! وبالتالي فاقدة الشرعية في مجرد وجودها؟
دع عنك أنهم يحاولون فرض أمر واقع يحمل صفة طبيعي بل وتوسيع نطاقه تحت شعار «النمو» وهو ما يرادف ما يحدث على الأرض بالفعل من استمرار مطرد بلا هوادة في بناء وتوسيع المستوطنات الاستعمارية لصالح أشد فئات المجتمع الصهيوني تعصبا عرقيا وعدوانية سلوكية وبغضا إلى حد المقت للعرب الفلسطينيين أصحاب الأرض الشرعيين.
يزيد وطأة الموقف ما ظلت تردده بل تصر عليه ـ كما تقول الكاتبة الأميركية ـ أوساط حكومة اليمين العنصري في إسرائيل من أن ثمة «تفاهمات حازمة، وأن تكن غير رسمية مع إدارة الرئيس بوش السابقة بالسماح بنمو محدود في عملية الاستيطان».
ورقة للمساومة
ورغم ما سبقت الإشارة إليه من رفض الإدارة الأميركية الحالية من وجود مثل هذه التفاهمات، على نحو ما أكدته وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، ورغم تهافت حكاية تفاهمات (بمعنى اتفاقات) غير رسمية لتبرير ما نفته هيلاري من وجود أي مستندات بهذا المعنى في محفوظات واشنطن السياسية والدبلوماسية..
وعلى أساس أن المسألة ليست صفقة لبيع ملبوسات بين تاجرين مما قد تكفي معه كلمة شفوية ـ إلا أننا نتصور أن الطرف الإسرائيلي قد شرع منذ الآن في إعداد أجندته الخاصة بأي مفاوضات قد تحث عليها أو ترتب لها إدارة أوباما في إطار مسعاها الأشمل لتطوير علاقاتها مع العالمين الإسلامي والعربي بعامة ومن منطلق توخي مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط بشكل خاص.
الأجندة الصهيونية المرتقبة تجهز لكي تصبح حكاية المستوطنات ورقة تفاوضية بيد الطرف الصهيوني فتصلح أولا للضغط وثانيا للمساومة وثالثا للابتزاز ورابعا للمقايضة وخامسا ـ من يدري ـ للالتفاف على حق الطرف الفلسطيني التاريخي والمشروع في العودة وفي التعويض عن عقود طويلة من محنة اللجوء ومن ضياع الفرص في حياة إنسانية معقولة لأجيال من بعد أجيال.
ثم ما حكاية تمسك وزراء مجموعة الثمانية بشعار خارطة الطريق؟
لقد كانت مجرد شعار رفعته إدارة بوش ـ الابن فيما جاء أقرب إلى منتوجات ماكينة العبارات المنمقة التي تلتف من حول القضايا المصيرية ولا تنفذ إلى جوهرها.. وحتى في مدلولها الحرفي كانت تعني مجرد رسم توضيحي لسلوكيات إجرائية لا تتطرق إلى فحوى الأمر المتعلق بحالة احتلال غاصب دام على مدار 32 عاما وتنكرت فيه قوة الاحتلال لكل ما تقضي به اتفاقيات جنيف الأربع التي تمثل بابا أساسيا من أبواب القانون الدولي فيما يتعلق بمسؤوليات قوة الاحتلال وخاصة تجاه السكان المدنيين.
قالت كوندوليزا
والحق أن المتتبع لسلوك إدارة بوش السابقة في مضمار السياسة الخارجية.. لا بد وأن يخلص إلى أن عصبة «المحافظين الجدد» التي كانت تحدق بأركان الإدارة المذكورة لم تكن معنية أساسا بالحالة في الشرق الأوسط: يشهد بهذا البيان التفصيلي، ويسمونه أحيانا «مانيفستو» السياسة الخارجية الذي سبقت إلى وضعه أكاديمية شابة ليكون دليلا للمرشح الجمهوري جورج دبليو بوش وكان ذلك في عام 1999 وكانت الأكاديمية الواعدة هي كوندوليزا رايس. وتقضي أهم بنود هذا «المانيفستو» بتركيز الاهتمام مستقبلا على أميركا اللاتينية وخطوراتها السياسية وعلى تأكيد زعامة الولايات المتحدة للمعسكر الغربي بعد زوال خصمها السوفييتي..
كما تلفت النظر إلى الاهتمام بالقوى الصاعدة على ساحة النفوذ الاقتصادي والسياسي في العالم وخاصة مع مطلع القرن الحادي والعشرين.. وكان في مقدمة هذه القوى.. الصين والهند بطبيعة الحال.
لم يكن الشرق الأوسط ليحوز جانبا محوريا من اهتمامات السياسة الخارجية للحزب الجمهوري.. ربما لأنهم كانوا أقرب إلى الارتياح لوضع إسرائيل بوصفها قوة احتلال للأرض الفلسطينية.. ربما لأنهم كانوا يستهدفون تكريس الحالة الراهنة (ستاتيكو كما يقول مصطلح العلوم السياسية) توقيا لأي هزة قد تحدث تغييرا يخلّ بمصالح أميركا الحيوية..
وربما لأنهم عايشوا آخر محاولات قام بها الرئيس ـ السلف بيل كلينتون في خواتيم ولايته بعقد ما عرف باسم «كامب ديفيد الثانية» ومحاولة الجمع بين الزعيم الفلسطيني (الراحل) ياسر عرفات وبين رئيس وزراء إسرائيل (وقتها) إيهود باراك.. وقد فشلت المحاولة عندما رفض الطرف الفلسطيني حلولا وجدها تقل عن الحد الأدنى من مطالب شعبه الوطنية العادلة.
أحداث سبتمبر وتداعياتها
من هنا يمكن القول بأن إدارة بوش دُفعت إلى التعاطي مع الشرق الأوسط بكل قضاياها واهتماماتها و.. وهمومها وخاصة على ضوء تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وبعدها جاء شعار خارطة الطريق.
ومرة أخرى، وقرب ختام ولاية بوش جاء انعقاد مؤتمر «أنابوليس» وكلها كانت محاولات تدور في دوامة الإجراءات والتفاهمات والتمهيدات التي لا بد وأن يتنبه الطرف العربي إلى ضرورة الخروج من إطارها إلى حيث مناقشة القضية الأصل والمعضلة ـ الأساس المتمثلة في الاحتلال بكل تداعياته.. وفي مقدمتها المستوطنات بطبيعة الحال.
وفي تصورنا أيضا أن المتابع لسلوكيات الشخصية الإسرائيلية ـ في تجسيدها الإمبريالي الصهيوني ـ يمكن أن يخلص إلى حقيقة تلخصها عبارة تقول: إنهم يحاولون ـ جاهدين ـ استغلال عنصري الزمان والمكان.
عن الزمان يحاولون كسب الوقت الذي يتيح لهم فرض أمر استيطاني واقع.. بحكم أن إسرائيل في التحليل الأخير هي كيان الأمر الواقع.. المفروض بالخديعة والعدوان ولكن على أساس سياسة النفس الطويل الذي استغرق 110 عاما من عمر الزمان الحديث.
ولعل هذا التطويل والتسويف والدوران الجهنمي إلى حد الإغراق في لجج الإجراءات والمقدمات يفسر ما تم مثلا من إلغاء اجتماعات كان مفروضا أن تعقد في أوروبا بين رئيس الوزراء نتانياهو وبين جورج ميتشل مبعوث الرئيس أوباما إلى الشرق الأوسط.. وفي هذا الإطار ساقت المصادر الإسرائيلية، من باب التبرير حكاية أنهم طلبوا هذا الإلغاء لفسح المجال أمام الأعمال التحضيرية والترتيبات التمهيدية.. الخ التي تتم في إطار وزارة الدفاع الإسرائيلية.
صحيح أن هناك مصادر أخرى أشارت إلى أن الإلغاء تم بناء على طلب الجانب الأميركي، لكن الصحيح أيضا أن إسرائيل تعمد باستمرار إلى «شراء» حيز الزمان الذي يتيح استكمال مشاريع الأمر الواقع وفي مقدمتها طبعا ما يتعلق بالاستيطان.
هذا بداهة بعامل استغلال المكان لصالح مشروع التوسع الإقليمي الصهيوني على حساب أراضي الغير وما أن يتم الاستيلاء على أبعاد المكان.. حتى يبسطوا السيطرة شبرا شبرا على أرجائه وينطلقون بلا هوادة في تغيير طابعة الجغرافي ومعالمه التاريخية وشخصيته الوطنية وموارثيه الحضارية. وتلك سلوكيات لم يكد يعهدها عالمنا حتى في أبشع مراحل المد الإمبريالي في العصر الحديث
إضاءة
من منطلق الرغبة في إضفاء أجواء تحمل صفة الطبيعية والإنسانية على نواحي وأنشطة الحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مضت الرباعية الدولية لتطالب حكومة «بنيامين نتانياهو» في إسرائيل بأن تعيد بصورة مستدامة فتح نقاط المعابر في غزة بما يتيح تدفقا منتظما للأشخاص وكذلك للبضائع التجارية والسلع والأصناف المستخدمة لأغراض إنسانية إلى هذه المنطقة المعزولة (أو المحاصرة).
محمد الخولي
