تميزت علاقات صدام حسين الخارجية بالتوتر الذي وصل حد الاصطدام العسكري لثمانية أعوام مع إيران وغزو للكويت والقطيعة فيما يخص سوريا، فضلاً عن التحالف مع الولايات المتحدة ومن ثم استعدائها إلى أن حاصرته فأسقطته وأعدمته.
أسماها الرئيس العراقي المخلوع «قادسية صدام» استحضاراً لنزعةٍ قومية استخدمها سلاحاً في مواجهة نظامٍ كان ولد لتوه من رحم الشاه الهارب. أما العالم، فعرفها ب«حرب الخليج الأولى». ولعل من سخرية الأقدار، أن المرشد الإيراني الراحل الإمام الخميني استقر في العراق حتى شهر أكتوبر من العام 1978 تاريخ إبعاده إلى فرنسا ليعود على رأس سلطةٍ أقلقت صدام ومحاولته لتسيد المنطقة. وهكذا بدأت «حرب الثمانية أعوام» بمناوشاتٍ في شهر سبتمبر من العام 1980 استحالت ناراً أكلت الأخضر واليابس وأوقعت أكثر من مليون قتيل نصفهم من العراقيين الذين خسروا 500 مليار دولار وآلاف الأسرى والجرحى والمعاقين، في وقتٍ استهل فيه صدام النزاع بإلغاء اتفاقية الجزائر قبل خمسة أعوام وهو الذي أعلن استعداداه في شهر سبتمبر العام 1990 الالتزام بالاتفاقية مجدداً.
ولأن كل شيء مجازٍ في الحرب، لم يتوان الطرفان عن استخدام جميع الأساليب بما فيها استعمال أسلحة الدمار الشامل وتلك المحرمة دولياً، فيما اصطفت الولايات المتحدة والغرب ومعظم الدول العربية مع بغداد متحسبةً من الشعارات التي رفعها الخميني آنذاك لتمدها بالسلاح والمال والمعلومات الاستخباراتية التي لم تنفع صدام في كشف الغارة الإسرائيلية على مفاعل «تموز» النووي العام 1981. وهذا ما دفعه للإشارة إلى «تواطؤٍ أميركي ـ إسرائيلي ـ إيراني» محتمل غذته فضيحة «إيران غيت» المعروفة. وتمكنت واشنطن من إنهاك الطرفين اللذين اضطرا في «حرب الكر والفر» و«معارك المدن» السرمدية أن يوقعا اتفاقاً لإطلاق النار.
بقيت علاقات البلدين مقطوعة حتى زوال النظام الذي لعبت طهران دوراً كبيراً في تمريره، في حين لا تزال الطائرات العراقية التي أرسلها صدام إلى إيران إبان غزوه للكويت جاثمةً تنتظر أحداً ينتشلها.
القطيعة مع سوريا
عملت بغداد ودمشق بحسب المبدأ البسيط القائل: «عدو عدوي هو صديقي». فكان أن دعم صدام الحركات الفلسطينية واللبنانية المناهضة لسوريا وكذا فعلت الأخيرة.
ولم يوفر الطرفان تأييدا حتى فصائل المعارضة في كلا البلدين، فأسس الرئيس العراقي الحالي جلال الطالباني حزبه «الاتحاد الوطني الكردستاني» في دمشق، ولجأ «الإخوان المسلمون» إلى بغداد التي أمدتهم بالسلاح والمال والمأوى.
حاول صدام إفساد محاولات الوحدة السورية العراقية معتبراً إياها عقبةً في طريق تطلعاته الشخصية لأنها كانت ستبقي على أحمد حسن البكر رئيساً وتجعل من الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد نائباً للرئيس، فكان لا بد من ابتداع «مؤامرة انقلابية» قال إن دمشق خططت لها لينقسم «البعث» بذلك إلى جناحين متضادين.
تسارعت الأحداث لتصل حد القطيعة الدبلوماسية مطلع الثمانينات بعد أن انتشرت السيارات المفخخة في شوارع المدن السورية واستشاط صدام غضباً من دعم سوريا لإيران في الحرب، فوجه بمد يد العون لقائد الجيش اللبناني ميشال عون في حربه ضد سوريا فردت دمشق التحية بأحسن منها بأن انضمت للتحالف الدولي لإنهاء الاحتلال العراقي للكويت.
مالت العلاقات منتصف التسعينات إلى التهدئة والانفتاح التدريجي من البوابة الاقتصادية إلى أن اتخذت سوريا موقفاً معارضاً من إسقاط النظام واستضافت عدداً من رموزه مشددةً على استنكارها غزو العراق كما رفضت احتلال الكويت.
غزو الكويت
خرج العراق مديوناً بمليارات الدولارات من الحرب مع إيران كان استدانها من دول الخليج العربي التي لم تبخل في دعم اقتصاد العراق خلال الثمانينات. ولأن صدام أراد تحويل الأنظار عن الوضع المأزوم في الداخل، طالب بإلغاء الديون الكويتية وزاد عليها باتهام الكويت باستخراج النفط من مواقع اعتبرها عراقية، فضلاً عن تكراره للأسطوانة المشروخة في الحق بضم الكويت.
وما لبث صدام أن حشد أكثر من مئة ألف جندي على الحدود المشتركة ليغزو جارته الصغيرة في ساعاتٍ في صبيحة الـ 2 من أغسطس من العام 1990 لتكون ثالثة الأثافي بحق. شطر صدام بفعلته هذه العالم العربي إلى قسمين في حين كان حليف العرب الأكبر الاتحاد السوفيتي ينهار شيئاً فشيئاً، ما أدى إلى ذيولٍ كارثية لا تزال نتائجها ماثلة للعيان حتى يومنا هذا.
خشي العالم من طموحات صدام في تنصيب نفسه شرطياً للمنطقة وأن يكمل حربه باتجاه دول المنطقة الأخرى، فتداعى الغرب والعرب لتشكيل قوة عسكرية قدرت بمئات الآلاف مسلحين بقراراتٍ من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية التي شهدت في الـ 10 من أغسطس واحدة من أقسى جلساتها تطايرت فيها الاتهامات المتبادلة.
دامت الحرب البرية 100 ساعة انتهت في الـ 28 من شهر فبراير بتراجع صدام الذي كان صم آذنيه عن كل الدعوات للانسحاب سواءً ممن تحفظوا على مجيء القوات الأميركية إلى المنطقة أو من أولئك الذين تضايقوا من ربطه انسحابه من الكويت بالانسحابين السوري من لبنان والإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة.
وأثناء تقهقره، أمر صدام بحرق آبار النفط الكويتية في مشهدٍ سوداوي نتج عنه أثار بيئية مميتة قبل أن يترك قوافل جيشه تحترق في «طريق الموت» قرب مدينة البصرة العراقية، مكتفياً بصواريخ «سكود» التائهة في صحراء النقب ومئتي ألف قتيل في صفوف قواته.
النزاع مع واشنطن
برغم أن الولايات المتحدة دعمت صدام خلال الحرب مع إيران باعتباره سداً منيعاً ضد الخميني، إلا أنها رأت في تعاظم قوته وتحرشه بجيرانه وطموحاته الجامحة تهديداً لمصالحها ولاستقرار المنطقة، فقررت التخلي عنه في استنساخٍ لنماذج مشابهة من التاريخ الحديث. وعليه، تميزت علاقات بغداد بواشنطن بالتقلب في ظل تعاقب الإدارات الأميركية التي تراوحت بين الدعم إبان عهد رونالد ريغان والعداء خلال سني حكم نائب ريغان والرئيس الأسبق جورج بوش الأب.
أما الديمقراطي بيل كلينتون، فكان من تسلم دفة الملف زمن الحصار والمقاطعة الدوليان حيث أطلق سياسة «الاحتواء المزدوج» وسهل إنشاء برنامج «النفط مقابل الغذاء» العام 1995 والذي سمح للعراق بشراء الغذاء والدواء والاحتياجات الإنسانية الأخرى بفضل عائدات بيع النفط.
كانت فاتورة العقوبات الدولية باهظة التكاليف على المواطنين العراقيين العاديين الذين دفعوها مرغمين جراء حروبٍ لم يأمروا بشنها، فراح مئات الآلاف ضحايا سياسة اللاتمييز التي صبغت مشاعر الغرب حيال عراق ما بعد الغزو.
ولم ينس كلينتون قبل مغادرته البيت الأبيض أن يقصف العراق أعوام 1993 لتورط الاستخبارات العراقية في محاولة لاغتيال بوش الأب و1996 لخرق الجيش منطقة الحظر الجوي في الشمال و1998 لفشل بغداد، بحسب واشنطن، في التعاون مع فريق الأمم المتحدة للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل.
وإثر «الشماتة» التي أظهرها صدام بالولايات المتحدة إثر أحداث الـ 11 من سبتمبر الإرهابية، ضم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن العراق إلى «محور الشر» في الحرب على الإرهاب ووجه قواته لإزالة النظام بعد أن رفض صدام الإنذار المشهور بمغادرة العراق، فكان لبوش ما أراد في حرب الـ 21 يوماً التي انتهت بسقوط بغداد في الـ 9 من شهر أبريل من العام 2003 دون أن يعثر على أسلحة الدمار الشامل التي شن الحرب لأجلها بل تحول العنف الدامي شاملاً في أرجاء البلاد منذ ذلك الحين.
اعتقل صدام في شهر ديسمبر وفتح كتاب أعماله في المحكمة الجنائية الخاصة التي قررت شنقه بسبب تصفيته لـ 143 شخصاً من قرية الدجيل إثر محاولة اغتياله العام 1982. انتهت تراجيديا صدام بإعدامه فجر ال30 من شهر ديسمبر من العام 2006 في مبنى للاستخبارات العسكرية قيل إنه كان يعدم فيه خصومه من المعارضين.
إضاءة
لجنة
أنشئت «لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش» بموجب قرار مجلس الأمن 1284 في ال17 من شهر ديسمبر من العام 1999. وقصد بهذه اللجنة أن تحل محل اللجنة الخاصة السابقة التابعة للأمم المتحدة وأن تواصل الاضطلاع بولاية هذه الأخيرة المتمثلة في تجريد العراق مما لديه من أسلحة الدمار الشامل أي الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقذائف التي يتجاوز مداها 150 كيلومتراً، فضلاً عن إدارة نظام للرصد والتحقق المستمرين للتأكد من امتثال بغداد لالتزاماته بألا يقتني من جديد الأسلحة التي حظرها عليه مجلس الأمن.
وعيَّن السويدي هانز بليكس رئيس تنفيذي للًّجنة. وإضافةً إلى ذلك عيَّن ستة عشر شخصاً أعضاء في هيئة مفوضي اللجنة.
إضاءة
نفط
بدأ برنامج النفط مقابل الغذاء العام 1996، وكان يتجدد كل ستة شهور حتى وصل إلى مرحلته التاسعة في أوائل العام 2001. وحتى نهاية المرحلة الثامنة في شهر ديسمبر العام 2000 بلغت عائدات بيع النفط العراقي ما قيمته 7 .22 مليار دولار من المساعدات الإنسانية. وكان المبلغ المقرر من قبل مجلس الأمن لشراء مثل هذه المواد هو 2 .16 ملياراً.
لكن ما انتهى إليه الأمر بالنسبة للعراقيين الذين يعيشون في المناطق الواقعة تحت الإدارة المباشرة للحكومة في بغداد، باستثناء الأكراد، هو أن قيمة هذه المساعدات بلغت 8 .8 مليارات دولار فقط. وهذا معناه أن نصيب العام الواحد 2 .2 مليار دولار، أي بمعدل 110 دولارات للفرد في العام الواحد لعشرين مليون نسمة.
رؤوف بكر


