من المؤكد أن يوم 30 يونيو 2009 يعتبر يوما مهماً في تاريخ العراق بغض النظر عن رؤية البعض أو نظر البعض الآخر لهذا اليوم، فالانسحاب الأميركي من المدن والبلدات والقصبات العراقية، يأتي كمرحلة أولى من الاتفاقية الأمنية العراقية الأميركية التي حددت هذا اليوم لانسحاب القوات الأميركية من داخل المدن العراقية إلى القواعد العسكرية الأميركية خارج تلك المدن تمهيدا للانسحاب الأميركي الكامل في نهاية عام 2011 بعد تواجد أميركي مكثف في العراق بدأ منذ مارس 2003.
وبغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق على أهمية هذا اليوم وعلى ما يمكن أن يلقيه من تأثير طبيعة الأوضاع وحالة الاستقرار في العراق، إلا أن الحدث في حد ذاته يفرض نفسه على الأحداث في المنطقة وعلى مستقبل المنطقة العربية ككل.
في البداية،أعرب نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير أحمد بن حلي عن ترحيب جامعة الدول العربية بالانسحاب الأميركي من المدن العراقية، آملا أن يعقب هذه الخطوة خطوات أخرى تعيد للعراق وحدته وأمنه واستقراره وسيادته.
وأكد أن جامعة الدول العربية تساند أي جهد وأي عمل، سواء كان دوليا أو إقليميا، من شأنه أن يحقق هذه الأهداف، مؤكدا أن الجامعة لا تألو جهدا في هذا الإطار، مشيرا إلى ما بذلته الجامعة من جهد في سبيل تحقيق وحدة الصف العراقي واستضافة مؤتمر الوفاق العراقي واستضافة عدة اجتماعات عراقية والالتقاء بعشرات الوفود العراقية في محاولة منها لنزع فتيل الطائفية العراقية وإعادة الوحدة للعراقيين.
دعم استقرار العراق
ونوه بن حلي إلى جهود الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى والزيارات المتكررة للعراق والتقاء النخب والقيادات والفعاليات العراقية في سبيل تحقيق الوحدة العراقية وتحقيق الأمن والاستقرار للعراق وحرص الجامعة على التواجد العربي المستمر في العراق ودعوتها للدول العربية إلى إعادة تمثيلها الدبلوماسي في العراق واستعادة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية وإعادتها إلى سابق عهدها بما فيه مصلحة جميع الأطراف العربية وخاصة العراق.
وأكد أن جامعة الدول العربية تدعم وتؤكد كل ما من شأنه عودة الاستقرار والأمن للعراق وأنها لا يمكن أن تبخل بأية مساعدة على الإخوة العراقيين باعتبارهم عضوا مؤسسا وهاما بجامعة الدول العربية ويمثل إضافة كبيرة للمجموع العربي، وإن كان بن حلي لم يخف وجود قلق عربي من التأثير السلبي للانسحاب الأميركي بدون وجود قوات عربية مستعدة وقادرة على مواجهة الأوضاع، داعيا جميع العراقيين إلى التعاون والتكاتف ونبذ الخلافات لتحقيق المصالح العراقية الوطنية.
ومن جانبه أشار مدير المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية اللواء عادل سليمان إلى أنه من الواضح أن هناك تحسنا نوعيا في الأوضاع الأمنية في العراق، لافتا إلى أن إتمام عمليات الانسحاب في موعدها طبقا للاتفاق الأمني معناه أن هناك جدية في تنفيذ الاتفاق الأمني الموقع بين العراق والولايات المتحدة الأميركية والذي يقضي بسحب القوات الأميركية من المدن والبلدات بحلول 30 يونيو 2009 على أن يتم إتمام الانسحاب الأميركي من العراق بنهاية عام 2011.
تطور نوعي
وأكد أن عملية الانسحاب الأميركي من المدن والبلدات العراقية وتسليم المسؤولية الأمنية للقوات العراقية يعد تطورا نوعيا هاما في المسألة العراقية برمتها، منبها إلى أن ذلك من شأنه أن يفرض على القوى الوطنية والسياسية العراقية تحديات داخلية وخارجية في غاية الأهمية.
وحول أهم التحديات الداخلية التي يفرضها هذا الانسحاب،أكد سليمان أن هذا الوضع يتطلب من القوى العراقية المختلفة ضرورة التوصل إلى توافق عراقي - عراقي ونبذ الخلافات الطائفية وتوحيد الصف الوطني العراقي وتجنب التحول إلى صراعات طائفية لكونها شديدة الخطورة على العراق وأمنه واستقراره ووحدة أراضيه.
وأضاف أن التحدي الداخلي الثاني الذي يفرضه الانسحاب الأميركي الأخير من المدن والبلدات العراقية، يتمثل في ضرورة دعم الشعب العراقي بكل طوائفه لأجهزة الأمن الوطنية العراقية وتثبيت وتأكيد القدرة العراقية لتحقيق الأمن وفرض النظام وإحكام السيطرة الأمنية وضمان عدم حدوث إنتكاسة أمنية جديدة، العراق في غنى عنه في ظل المآسي الكبيرة التي يعاني منها.
أما فيما يتعلق بالتحديات الخارجية، فيتمثل أهمها من وجهة نظر مدير المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية اللواء عادل سليمان، في قدرة الحكومة والأجهزة العراقية على وقف التدخل الخارجي في الشأن العراقي وخاصة ما يقال عن النفوذ الإيراني في العراق، وما يتردد من أن هذا الانسحاب من شأنه أن يحدث فراغا أمنيا وسياسيا لن يسده إلا النفوذ الإيراني وهذا أمر في منتهى الخطورة ويمثل تحديا كبيرا أمام الحكومة والأجهزة الأمنية العراقية لابد أن تواجهه وتتعامل معه.
وحول ما صرح به وزير الدفاع العراقي عبد القادر العبيدي من إمكانية الإستعانة بالقوات الأميركية في أي وقت تجد الحكومة العراقية أن هناك حاجة لذلك، قال سليمان إن الإشارة إلى أن الحكومة والقوات العراقية قادرة على طلب الدعم والعون من القوات الأميركية في أي وقت هو بمثابة نوع من التحذير والترهيب للعناصر العراقية المسلحة من مغبة الإستهانة بالقدرات والإمكانيات العراقية وأن هذه القوات قادرة على الإستعانة بالإمكانيات والقدرات والكفاءات الأميركية إذا ما استلزم الأمر ذلك.
اختبار لصلابة العراق
ومن جانبه، أعرب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون العربية ورئيس مكتب جامعة الدول العربية بالعراق المستقيل مؤخرا السفير هاني خلاف عن اعتقاده بأن الوضع في العراق بعد انسحاب القوات الأميركية من المدن والبلدات العراقية، أصبح مرشحا لتعريض العراق لعدة إختبارات حول مدى صلابة المشروع العراقي ومدى التنسيق والتجانس ما بين موقفي رجال المقاومة المسلحة والعملية السياسية.
وقال: لاشك في أن هذا الخروج الأميركي من المدن العراقية سيفسر على أنه انتصار للمقاومة، كما أن هذا الخروج من شأنه أن يزيد من الخسائر البشرية والمادية في الجانب العراقي حيث أنه سيكون الجانب الأكثر تعرضا للعمليات العسكرية في العراق بعد تحصن وتمركز القوات الأميركية في قواعد عسكرية ونقاط تجميع محصنة تحصينا جيدا يصعب اختراقه أو الاعتداء عليه، الأمر الذي من شأنه أن يضعف موقف المقاومة ويجعله حرجا حيث لم يصبح أمامهم سوي رموز الحكم العراقي والشعب العراقي.
وأعرب خلاف عن اعتقاده بأن الاختبار الحقيقي الآن هو للمقاومة وليس لأي طرف آخر وأن عليهم الآن إثبات أن المقاومة العراقية كانت تستهدف الأهداف الأجنبية وليس العناصر الوطنية، مشيرا إلى أن أي خسارة ستكون للعراق وليس لغيره وبصفه خاصة للمقاومة لأنه سيفقدها الكثير من المصداقية والتأييد والتعاطف العراقي والعربي وربما الدولي وسيتعارض مع الأهداف والشعارات التي رفعتها المقاومة لمقاومة الاحتلال الأجنبي.
وأشار إلى أن بعض عناصر المقاومة كانت تعتبر الأهداف الأجنبية وخاصة الأميركية متساوية مع الأهداف الوطنية وخاصة التابعة للحكومة وبالتالي كانت تستهدف الجانبين، منبها إلى أن هذا يعد خطأ جسيما في التقدير ومن شأنه إذا ما استمر بعد الإنسحاب الأميركي الأخير أن يقلل من فرص المصالحة الوطنية العراقية والتقارب وتزيد من هوة الخلاف والتناحر، كما يزيد من حدة المأساة العراقية ويرفع أعداد القتلى العراقيين ويضاعف حجم الخسائر البشرية والمادية في العراق.
وناشد السفير هاني خلاف المقاومة العراقية التدقيق في اختيار أهدافها وألا تساوي بين الأهداف الأجنبية والوطنية وأن تعيد حساباتها وتعمل على إعادة صياغة إستراتيجيتها التي تنطلق منها في أداء أعمالها.
تنفيذ للاتفاقية الأمنية
أما السفير الدكتور فهمي القيسي سفير العراق الأسبق في اليمن، والمقيم حاليا بالقاهرة، فيقول إن الحكومة العراقية الموجودة بالمنطقة الخضراء تعتبر أن الانسحاب الأميركي من المدن والبلدات والقصبات العراقية هو تنفيذ للإتفاقية الأمنية التي وقعتها تلك الحكومة مع الولايات المتحدة،وأنا أؤكد أنه سواء كان الانسحاب الأميركي أو الاتفاقية الأمنية ذاتها فإن مردهما الإثنين إلى المقاومة العراقية الباسلة والتي أجبرت القوات الأميركية على الإنسحاب من العراق والتقوقع والتحصن داخل قواعدها العسكرية فرارا من ضربات المقاومة العراقية التي كشفت زيف ما يتردد حول هذه القوات وأحرجتها أمام شعوبها وحكوماتها وأمام نفسها قبل كل شئ وأدركت أن وجودها بالعراق خلال السنوات الست الماضية كان له ثمنا باهظا وأن استمرارها في العراق سيكون له ثمن فادح قد لا تستطيع تحمله.
وأضاف: أن الإعلام الحكومي العراقي يعتبر ذلك اليوم وهو الإنسحاب الأميركي من المدن العراقية يوما للسيادة الوطنية والمثير أننا إذا عدنا بالذاكرة للوراء قليلا نجد أن ذات الإعلام الذي يعبر عن بعض العراقيين الذين جاءوا علي الدبابات والطائرات الأميركية طالب وطالب معه هؤلاء باعتبار يوم 3 أبريل 2003 يوما للسيادة الوطنية وهو يوم سقوط العزة ويوم العار والخنوع.
وتابع قائلا: إن هؤلاء الذين أتوا علي أسطح الدبابات الأميركية وبحماية طائراتها والذين عبروا دجلة والفرات على جثث مئات الآلاف من العراقيين ورووا ظمأهم للسلطة والمال من دماء ملايين العراقيين، أرادوا أن يبنوا مجدهم الشخصي الزائل على حساب شرف العراقيات الذي دنسه الأميركان وحلفاؤهم، فكم من أعراض هتكت وكم من نساء أغتصبت على أيدي هؤلاء مدعين الحرية والديمقراطية وللأسف الشديد فإن هذا تم تحت مسمع ومرأى العراقيين بل وفي حمايتهم خاصة هؤلاء المسعورين ببريق السلطة والمال.
خداع للنفس
ونوه إلى أن المطالبة باعتبار يوم الانسحاب الأميركي من المدن العراقية يوما للسيادة الوطنية هو بمثابة عملية «ضحك على الذقون» واستمرار لعملية الخداع والتغييب التي يتعرض لها الشعب العراقي واستكمال لعمليات تزييف الحقائق وتزوير الواقع منذ ست سنوات، مشددا على أن الانسحاب الأميركي ما كان ليحدث لولا الضربات القاصمة التي وجهتها المقاومة العراقية الشريفة ضد تلك القوات.
ولفت القيسي إلى أن عملية الإنسحاب الأميركية هي بمثابة «مسرحية هزلية وعملية دعائية بحتة» وليست حقيقة بدليل وجود القوات الأميركية في الكثير من المناطق والبلدات والمدن بعيدا عن قواعدها المتفق عليها، كما أن الأيام القليلة التي أعقبت الانسحاب شهدت عدة خروقات من جانب القوات الأميركية للإتفاقية الأمنية وشوهدت أرتالا من القوات الأميركية وهي تسير في عدة مناطق وتنفذ دوريات وعمليات تفتيش واسعة ما أثار سخط وغضب الكثير من العراقيين.
وحذر من أن الفترة القادمة ستشهد المزيد من المقاومة وخاصة في مواجهة القواعد الأميركية الموجودة في العراق، وتابع قائلا «إن الحكومة العراقية وهؤلاء الذين جاءوا على الدبابات الأميركية يعملون للمصالح الأميركية وليس للمصالح العراقية وهم لا يهمهم الشأن العراقي من قريب أو بعيد وإنما يهمهم تنفيذ التعليمات الأميركية لأنهم يدركون جيدا أنهم إذا ما خالفوا تلك التعليمات الأميركية فإنهم لن يبقوا يوما واحدا في الحكم ولذلك فهم ينفذون الأوامر الأميركية التي أتت بهم إلى كراسي الحكم».
تردي وضع الأجهزة الأمنية
وانتقد السفير القيسي الحالة التي وصلت إليها الأجهزة الأمنية والجيش العراقي قائلا «إن حالة الجيش العراقي الآن أصبح يرثى له بعد أن كان يعتبر رابع جيش في العالم، حسب قوله، وتحول إلى مجرد أفراد تابعة لمليشيات طائفية تم تجميعها وقيل أن هذا هو الجيش العراقي وهو استخفاف وإهانة للجيش العراقي لا يمكن أن يقبل به أي مواطن عراقي حر».
وأشار إلى ما قيل أنه استعراضات للجيش العراقي بمناسبة الانسحاب الأميركي من العراق، قائلا «إن الجيش العراقي تحول إلى مجرد مجموعات من الجنود تستقل سيارات نقل أو نصف نقل وفي أحسن الأحوال تستقل سيارات «همر» وتحمل في يدها عصي كهربائية أو أسلحة خفيفة».
وتساءل متندرا: أين الطائرات العراقية؟ وأين الدبابات والمدفعية الثقيلة والصواريخ بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى؟، وأين ترسانة السلاح العراقية وأين فيالق الجيش العراقي؟، مشيرا إلى أن المقاومة العراقية أصبحت أكثر تسليحا وتدريبا وخبرة وكفاءة من الجيش العراقي، وهذا أمر لا يمكن أن يقبله إلا أعداء الشعب العراقي وأعداء الأمتين العربية والإسلامية.
إضاءة
قال السفير الدكتور فهمي القيسي سفير العراق الأسبق في اليمن، والمقيم حاليا بالقاهرة، إن الحكومة العراقية الموجودة بالمنطقة الخضراء تعتبر أن الانسحاب الأميركي من المدن والبلدات والقصبات العراقية هو تنفيذ للاتفاقية الأمنية التي وقعتها تلك الحكومة مع الولايات المتحدة.
وأنا أؤكد أنه سواء كان الانسحاب الأميركي أو الاتفاقية الأمنية ذاتها فإن مردهما الاثنين إلى المقاومة العراقية الباسلة والتي أجبرت القوات الأميركية على الانسحاب من العراق والتقوقع والتحصن داخل قواعدها العسكرية فرارا من ضربات المقاومة العراقية التي كشفت زيف ما يتردد حول هذه القوات وأحرجتها أمام شعوبها وحكوماتها وأمام نفسها قبل كل شئ وأدركت أن وجودها بالعراق خلال السنوات الست الماضية كان له ثمنا باهظا وأن استمرارها في العراق سيكون له ثمن فادح قد لا تستطيع تحمله.
