رغم أنه لم يمر سوى عشرة أيام على مقتلها خلال الاحتجاجات الإيرانية، حتى لحظة كتابة هذه السطور، إلا أن ندا سلطان، التي تم التقاط اللحظات الأخيرة قبل موتها في مقاطع فيديو سرعان ما انتشرت عبر الانترنت، أصبحت ملء السمع والبصر، بشكل من المؤكد، إن لم يكن من المستحيل، أنها تخيلته في حياتها. فقد أصبح لندا طالبة الفلسفة صفحة كاملة على موسوعة «ويكبيديا» يتضمن ظروف مقتلها وتداعياته، وشاهد عيان ووصلات خارجية... الخ.
من الذي قتل ندا؟ رغم حداثة الجريمة، إلا أن الرواية اختلفت بشكل كبير..فمن قائل أن قاتلها من عناصر الباسيج كان يختبئ على سطح بناية، ومن قائل أنه كان على دراجة نارية تم إيقافه ثم تركه بعد ذلك. ولكن للحدث روايات أخرى.. فسفير إيران في المكسيك يتهم المخابرات الأميركية بالترتيب لقتل ندا لتأجيج الاحتجاجات ضد الجمهورية الإسلامية وتشويه صورة النظام. فيما يتهم آخرون من أنصار النظام مراسل «بي بي سي» الدائم في طهران باستخدام قاتل مأجور لقتلها وجرى التأكيد على ذلك بأن الرصاص الذي أطلق عليها ليس من طراز رصاص أسلحة الباسيج. وهناك رواية ثالثة لأحمد خاتمي بأنها «قتلت بأيدي مثيري الشغب، حسبما يستطيع أي عاقل أن يستنتج من مشاهدة الشريط».
وسواء قتلت ندا بنت السبع وعشرين ربيعا بيد عنصر للباسيج أم قتلت في ترتيب استخباراتي، أم بناء على ترتيب إعلامي، أم بأيدي مثيري الشغب، فمن الواضح أن قصة ندا المسكينة استغلت لصناعة «أيقونة» يلتف حولها المحتجون ويكسب تحركهم زخما ودلالة تتجاوز ما هو قائم. ولذلك لم يكن من الغريب أن تظهر صور لندا مرتدية غطاء أخضر على رأسها، دلالة على أنها من أنصار موسوي، وإشارة البعض إليها باعتبارها رمزا عالميا لدور المرأة في النشاط السياسي رغم تأكيد خطيبها أن الصور مزورة حيث لم تكن تنتمي لأي طرف في المواجهات الحالية وأنها لم تشارك في الاحتجاجات. هناك محاولة لجعل ندا بطلة رغم أنفها. المشكلة أن ذلك ليس من اجل صالح ندا وإنما لمآرب أخرى، وإلا لكان قد تم الإمساك بالقاتل وهو أسهل ما يمكن حال صحة الرواية المشار إليها أعلاه.
أنصار موسوي كانوا يعتزمون الأسبوع الماضي إطلاق بالونات خضراء وسوداء في إيران تحمل رسالة «ندا.. ستبقين دائما في قلوبنا». التنقيب في وكالات الأنباء العالمية عن الأحداث في إيران يكشف عن ازدحام في صور المسيرات التي تحمل شعارات تمجد ندا في مختلف دول العالم وخاصة الغربي وبشكل كثيف يفوق المعتاد. المفارقة أن من بين صور الوكالات واحدة لمصادمات في القاهرة يقول تعليقها أنها تأتي احتجاجا على مقتل ندا. لقد اختزلت أحداث إيران في قصة المسكينة ندا استغلالا للبعد الإنساني الذي تعكسه مأساتها بشكل يحقق هدف توجيه المتلقي في وجهة محددة، إلى الحد الذي دفع البعض، ممن يصب تناولهم للأحداث في هذه الوجهة إلى القول بأنها «تقود ثورة الإصلاحيين من قبرها المجهول في طهران».
قد يكون النظام الإيراني أخطأ بمنع إقامة صلاة الجنازة على جثمانها في المسجد، حسب التقاليد المعروفة، وقد لا يقدم أو يؤخر الأمر الذي أصدره نجاد بفتح تحقيق في ملابسات الحادث، لـ «وأد التقارير المفبركة حول الحادث التي تستغل للتدخل في الوضع الداخلي للبلاد والإساءة للجمهورية الإسلامية»، فما حدث قد حدث.. ونجح من نجح في عصر ثورة الإنترنت في صناعة الرمز الذي يريد على حساب فتاة بريئة!
