رجع خطر تسليح الفضاء وحروبه يطل برأسه، من جديد. هذه المرة من خلال موضوع الهجمات الإلكترونية الفضائية، التي تستهدف أنظمة وشبكة الكمبيوتر والانترنت. هذه التعدّيات باتت تهدّد بإحداث فوضى وإرباك كبيرين؛ في عمل هذه المنظومات. آخر الأرقام، أن الولايات المتحدة تتعرض يومياً لخمسين ألفاً من هذه الهجمات. وهي لا تحصل على يد أفراد وهواة اختراق ومخربين فحسب؛ بل تقوم بها أيضاً دول ضدّ أخرى، من باب التجسس أو من باب التشويش والتعطيل. وفي الطليعة منها دول كبرى، مثل الصين وروسيا وأميركا.
تفاقم الأمر إلى هذه الحدود، حمل واشنطن وموسكو، على التباحث بشأنه وبكيفية مواجهة هذا الغزو ودرء عواقبه. في آخر لقاء، قبل أيام، فشلا في التوصل إلى اتفاق بينهما؛ في هذا الخصوص. مع أن كليهما اعترف بأن الفضاء الإلكتروني، بات يشكل مسرح حرب جديدة. الخلاف نشب حول كيفية التصدّي لهذه الحرب.
موسكو ترى أن الطريق الأفضل يتمثل في التوصل إلى عقد معاهدة دولية، كما سبق وحصل بشأن الأسلحة الكيماوية. بذلك، يتحقق ضبط هذه المشكلة، بصورة أفضل. واشنطن، من جهتها، رأت أن مثل هذه المعاهدة لا ضرورة لها. البديل، كما تقول، يكون في تطوير التعاون بين الأجهزة والهيئات الدولية، المنوط بها تطبيق القوانين مرعية الإجراء. الخلل القائم في تعاونها، يقول الأميركيون، أدّى إلى الانفلات الحاصل.
إذا ما تمّ تدارك ذلك، فإن أمن الفضاء الإلكتروني يتحقق بصورة أعلى. الجانب الأميركي يتذرع بأن أي اتفاقية من هذا النوع، ينجم عنها صعوبات؛ باعتبار أنها لا بدّ وأن تتناول قضايا الرقابة على الانترنت وعلى سيادة الدول. لكن الجانب الروسي، يعتقد بأن عدم وجود مثل هذه المعاهدة، يترك المجال مفتوحاً لنوع من سباق التسلح الفضائي.
والمعروف أن مثل هذا التوجه، سبق وطرحت واشنطن احتمالاته، مع مجيء الرئيس ريغان؛ مطلع الثمانينات من القرن الماضي.يومذاك جاء هذا الأخير بمشروع ما عرف ب«حرب النجوم». منظومة صاروخية منشورة في الفضاء الخارجي، تكون لها القدرة على تدمير الصواريخ المعادية العابرة للقارات والموجهة ضد أميركا وحلفائها. بيت القصيد، تكون قادرة على تحويل الترسانة النووية السوفييتية، حينذاك، إلى أكوام من الخردة العديمة الجدوى؛ وبالتالي كسب الحرب الباردة باحتكار التفوق النووي الكاسح.
يطل الوقت قبل أن يتبيّن، علمياً، بأن المشروع ليس سوى حلم أقرب إلى الهلوسة. مع مجيء الرئيس بوش الابن، تجدد الغرور الذي ركب رؤوس المحافظين الجدد بعد الانهيار السوفييتي. طلعوا بتوجه يدعو إلى تسليح الفضاء ومنع أي دخول مسلح غير أميركي في مجالاته. بهذا يتحقق احتكار القوة من الأعلى، للولايات المتحدة؛ ومعه تتحقق هيمنتها التامة على العالم. الغرق برمال العراق، فرض التواضع والكف، مرة أخرى، عن التمادي في جنون العظمة. تراجع بوش إلى حدود شبكة الدرع الصاروخي الواقي، واعتزام نصبها في بولندا والتشيك.
خط بياني متواصل منذ ثلاث عقود، يشير إلى الطموحات الأميركية، لعسكرة الفضاء، بدرجة أو بأخرى. لذلك المطالبة بمعاهدة، تستبطن قطع الطريق على محاولات تسلّيح أميركي للفضاء؛ يضع موسكو أمام خيارين: إما التسليم والانصياع، وإما قبول التحدّي والنزول إلى ساحة سباق تسلح، فلكي الكلفة، لها وللبشرية. من الحكمة ومن مصلحة الأمن والسلام في العالم، أن تبقى روسيا على موقفها وأن لا تتراجع عن مطلب المعاهدة.
