تمر هذه الأيام الذكرى الـ 30 للانقلاب الذي أوصل الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين عبد المجيد التكريتي إلى سدة الحكم في ال17 من شهر يوليو من العام 1979. وإن كان كثيرون يعتبرون أن صدام كان الحاكم الفعلي للعراق منذ وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة العام 1968، فإن «الحقبة الصدامية» تضمنت في مجموع ما اشتملت 35 عاماً من حكم العراق قضى صدام خلالها 24 عاماً في رئاسة الجمهورية.
وإبان حكمه، حصلت حربان كبريان تلاهما حصار ومقاطعة دوليان، فيما شهد العراق بمجتمعه ونظام حكمه تحولاتٍ كبيرةٍ على الأصعدة كافة انتقل بموجبها من يسارية مزمنة إلى يمينية طاغية قبل أن يحط الرحال في رحاب الإسلامية المحافظة.
ولقد كان وصول صدام إلى الحكم حلقةً في سلسلةٍ من الأحداث سيطرت على مجريات الحياة السياسية في البلاد سنواتٍ عديدة قبل الانقلاب. فمع قيام الجمهورية العام 1958 ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم، والتي تورط بها صدام شخصياً، ساد العنف المشهد السياسي وصبغت الانقلابات والمؤامرات الحراك الحزبي بشكلٍ لم تعهده أي دولةٍ عربية حتى تلك التي شهدت انقلاباتٍ عسكرية.
اتسمت فترة حكم الرئيس العراقي المخلوع بعلاقاتٍ متشعبة ومرتبكة وصلت إلى حد الاصطدام سواءً مع الداخل بمكونيه الكردي والشيعي تحديداً أو مع المحيط الإقليمي والجوار على وجه الخصوص وصولاً إلى ما وراء المحيطات. تقلب خلالها صدام من التحالف مع الاتحاد السوفييتي إلى التعاون السري والعلني مع الولايات المتحدة قبل أن يصطدم معها ووجد نفسه أسير حروبه لينتهي على حبل المشنقة.
تكريت والانقلاب
طعم صدام شركاء «تكريتيين» في مجلس قيادة الثورة الذي أعلنه والرئيس الأسبق أحمد حسن البكر العام 1968 في تقليدٍ قديم يؤكد على ولاء العشيرة والمنطقة أولاً ويبعد الوطن عن حضن النظام. وبعد أن قيل الكثير عن كونه القائد الفعلي مستغلاً ضعف أحمد حسن البكر وقلة حيلته، أراد صدام أن يدشن عهده بمشهدٍ تراجيدي أوصل رسالةً واضحة لكل من سعى إلى تحدي سلطته.
فبعد خمسة أيام من تسلمه الرئاسة من البكر الذي يقال إنه سمم تسميماً بطيئاً ب«الثاليوم» الذي عرف لاحقاً بالسم العراقي، بكى صدام أمام شاشات التلفزيون حزناً على رفاق حزبه الذين أمر بإعدامهم وهو يتلو أسماءهم في قصةٍ اختلقت لبث الذعر في نفوس الآخرين. بدأت الحكاية مع اتهامات لمحيي عبد الحسين رشيد المشهدي بالتآمر مع سوريا لقلب نظام الحكم انتهت بحمام دم قضى فيه ثلث أعضاء القيادة القطرية في الحزب ليصل عددهم في نهاية يوليو من ذلك العام إلى نحو 500 من الكوادر الذين كانوا تقلدوا أرفع المناصب الرسمية.
مشكلة الأكراد
رسمت سياسات صدام بشكلٍ كبير ملامح علاقة الأكراد بالدولة المركزية في بغداد. فقد كان الرئيس العراقي المخلوع المحرك الأساسي وراء اتفاقية الحكم الذاتي في شهر مارس من العام 1970 التي تبادل الملا مصطفى البارزاني وصدام الاتهامات في المسؤولية عن إفشالها. ولكن صدام الذي لم يخف يوماً نقمته على الشعب الكردي، أراد ترسيخ سلطته في بغداد فلم يجد بداً من إرساء أسس تهدئة مرحلية يدرأ بها خطر المسلحين الأكراد الذين عرفوا عناداً تراجيدياً في القتال في مناطقهم الجبلية الوعرة منذ تأسيس الدولة العراقية.
والثابت أن كلا الفريقين لم يثقا يوماً ببعضهما البعض، فالأكراد اشتكوا على الدوام من تهميش بغداد لهم وإدارتها الحكم بطريقة إقصائية تمييزية، فيما رأت فيهم الحكومات الجمهورية المتعاقبة والبعثية القومية منها على وجه الخصوص غرباء يتربصون بوحدة البلاد وسلامة النظام بالتعاون مع قوى خارجية.
وهكذا عادت دوامة القتال إلى الدوران مجدداً مع محاولة اغتيال البارزاني العام 1972 التي خطط لها رجل النظام القوي آنذاك ناظم كزار وتهجير اليزيديين والأكراد الفيليين والصراع على مدينة كركوك العائمة على بحرٍ من النفط التي أسماها البارزاني «قدس الأكراد»، فرد عليه صدام بتسميتها محافظة التأميم وترحيل الأكراد منها في إطار سياسة التعريب.
أما على الجانب الآخر، فوجد البارزاني نفسه متعاوناً مع إيران الشاهنشاهية التي سحبت دعمها للحركة المسلحة إثر اتفاقية الجزائر العام 1975 التي كان صدام والشاه بطليها، ومع طرفٍ آخر يثير اسمه حفيظة الكثيرين وهو إسرائيل.
وبعد أن أضحى رئيساً وقبل ذلك بقليل، شرع صدام في تحويل الغرائز القومية إلى سياسة ممنهجة فطفق ينتقم من عشيرة البارزاني بتهجيرها إلى الجنوب وإخماد الأصوات المعترضة على محاولات تذويب الأكراد قبل التهامهم، فكانت «حملة الأنفال» التي أشعلها ابن عمه علي حسن المجيد.
وقد تفنن المجيد في التشهير ب«خلود» الرسالة العربية التي شدد البعثيون على أنهم ممثلوها الشرعيون حينما لم يجد سوى سورة قرآنية تتحدث عن انتصار المسلمين على المشركين ليطلق عليها اسم حملته الهولاكية الرهيبة التي أنهت حياة نحو 182 ألف كردي في الشمال ما بين عامي 1987 و1989 قضى قسم كبير منهم بالأسلحة الكيماوية والجرثومية التي خلدت اسم قرية صغيرةٍ تدعى «حلبجة» راح خمسة آلاف من سكانها ضحايا «الأنفال».
واستغل الأكراد مجدداً ترنح الجيش العراقي بعد تحرير الكويت العام 1991 لينتفضوا ويستعيدوا ثلاث مدنٍ ليديروا أمورهم بأيديهم هذه المرة في حين وفرت الولايات المتحدة لهم منطقة جوية آمنة أعلنوها بعد سقوط صدام إقليم كردستان الفيدرالي مبتعدين شيئاً فشيئاً عن بغداد غير متناسين مرارة عقودٍ من الشك المتبادل.
مشكلة معقدة
لما لم يجد صدام حرجاً في التعاطي بعنفٍ بالغٍ مع الأكراد في الشمال، فإنه احتاج إلى غطاءٍ يبرر عنفه الموازي تجاه الشيعة في الجنوب وهم الذين يشكلون أكثرية عددية محرجة لهوية نظامه فضلاً عن عروبة معظمهم ممن ينتمون إلى أهل «الرسالة الخالدة» ذاتها. فكان لا بد من الحديث عن «طابور إيراني خامس» و«جواسيس لإسرائيل» ليبرر واحدة من أكبر عمليات التهجير التراجيدية في المنطقة طالت مئات الآلاف من الشيعة وليفسر سحق أي تذكير بالهوية الخاصة بهم بما تتضمنه من شعائرٍ أضحت ممارستها خطيئةً كبرى في «الحقبة الصدامية».
ولعل البعض رأى في الصراع جزءاً من التنافس التاريخي بين «الرجعية الدينية المدينية» و«التقدميين القوميين الاشتراكيين الريفيين» في غير بلدٍ عربيٍ هدفه ليس إلا كسر شوكة رجال الدين، فكان نصيب آل الصدر والحكيم وبحر العلوم الإعدام، فضلاً عن التنكيل بآلاف آخرين ومصادرة أملاكهم بتهمة العمالة لإيران والقتال في صفوف قواتها العسكرية خلال الحرب معها. وكان من نتاج ذلك إضعاف وحدات عديدة من الجيش العراقي للشك في ولائها لحساب تعزيز حضور «الحرس الجمهوري»، فيما حضرت إيران بقوة في الجنوب بسبب تغييب الكفاءات العلمانية وانتقال المرجعية من النجف وكربلاء. وكما الأكراد، انتفض الشيعة بعد حرب الكويت وسقطت محافظات الجنوب تباعاً قبل أن يعالجهم المجيد بأسلوبه المعتاد مخلفاً عشرات الآلاف من القتلى في بضعة أسابيع، لتفرض واشنطن منطقة حظر جوي أخرى ضيقت حرية تحرك «الحرس الجمهوري».
143 أودوا بصدام إلى المشنقة
تقع قرية الدجيل جنوب العراق. وكانت في الـ 8 من شهر يوليو من العام 1982 مسرحاً لمحاولة اغتيال صدام. وكان الرئيس العراقي المخلوع زار القرية وألقى كلمة شكر فيها الأهالي على «مساهماتهم» في الحرب مع إيران، لكن نفراً من الرجال أطلقوا وابلاً من الرصاص على موكب صدام الذي نجا واتهم «عملاء إيران» بالوقوف وراء المحاولة. وتم اعتقال وإعدام 143 شخصاً من سكان البلدة، فيما اعتبرت هذه الاعتقالات والإعدامات الأساس الذي حوكم بموجبه صدام بعد إلقاء القبض عليه وأعدم على إثر ذلك في ال30 من شهر ديسمبر من العام .
