أثارت صور القتلى في المظاهرات الإيرانية والتي علقت في الأذان وخاصة تلك المشاهد التي نقلتها كاميرات المصورين التساؤلات حول مستقبل الأوضاع في إيران، وإلى أين تسير الاضطرابات الأخيرة التي اندلعت احتجاجا على نتائج الانتخابات التي فاز فيها الرئيس أحمدي نجاد؟
ومما زاد من غموض الموقف بشأن المآل الذي ستنتهي إليه الأمور في إيران المواقف المتضاربة والمتصارعة للخصوم، فمن تصريحات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية على خامنئي بعدم الرضوخ لأية ضغوط من أجل تعديل نتائج الانتخابات وتلك الصادرة من رئيس الحرس الثوري بقمع الاحتجاجات، إلى تصريحات مناهضة من المرشح الرئاسي حسين موسوي بإعلان استعداده للاستشهاد ومواصلة معارضته إلى أن يتم البت في طلبه إعادة الانتخابات.
وعلى رأس الأسئلة التي تفرض نفسها إزاء ما يجري في إيران التساؤل حول احتمالات نجاح المعارضين في إسقاط النظام الإيراني خاصة بمساعدة الأطراف الخارجية وإلي أي مدي يمكن أن يصمد النظام الإيراني؟ وما هو تأثير تلك الأحداث والتطورات علي الدور الإقليمي لإيران؟ وبدورنا حملنا هذه التساؤلات للخبراء في محاولة للإجابة عليها والتعرف علي رؤية إستشرافية للوضع في إيران ما بعد الاضطرابات والاحتجاجات.
مواجهة محكومة
في البداية ،يقول رئيس قسم الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس الدكتور محمد سعيد عبد المؤمن «لا يوجد شك في أن هناك صراعا بين الائتلاف الإصلاحي والذي ترأسه هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي ومير حسين موسوي من أجل التغيير وعدم إتاحة الفرصة لأحمدي نجاد للحصول على فترة رئاسية جديدة، ومحاولة تغيير وجه النظام أمام العالم».
وأشار إلى أن ما حدث أن نتيجة الانتخابات جاءت مخيبة لآمال هذا الائتلاف ومن ثم قام بالتظاهر والاحتجاج والاتهام بتزوير الانتخابات، مضيفا «أنه مع تدخل المرشد الأعلى للثورة علي خامينئ وإعلان تأييده لأحمدي نجاد وتثبيت نتيجة الانتخابات، فإنه من المتوقع أن تتم عملية مواجهة بين أنصار نجاد بدعم من المرشد الأعلى وبين أتباع الائتلاف الإصلاحي».
واستبعد عبد المؤمن أن يؤثر هذا الصراع بين الاصلاحيين والمحافظين على إستقرار النظام أو إحداث ثورة أو تمرد علي النظام ولكنه سيكون صراع إعلامي وثقافي طوال السنوات الأربعة المقبلة وهي فترة رئاسة أحمدي نجاد لإيران.
وحول ما إذا كان التدخل الأجنبي من شأنه زيادة حدة المواجهة لتصل إلى ثورة حقيقية تؤدي إلى الإطاحة بالنظام الإيراني الحالي، نوه إلى أن التدخل الأجنبي هو نوع من الضغط علي النظام الإيراني حتى لا يقوم باتخاذ خطوات قمع أكثر عنفا ضد المعارضين وعدم الإتجاه نحو الاستبداد، لافتا إلى أن هذا التدخل سيتوقف عند النواحي الإعلامية والسياسية فقط ولن يصل إلى تدخل في الشؤون الداخلية لإيران.
ولفت إلى أن هناك بعض الجهات الإيرانية المعارضة مثل مجاهدي خلق التي تستغل الموقف لتنفيذ بعض التفجيرات والعمليات داخل إيران لزعزعة أمن واستقرار النظام الإيراني غير أن النظام الإيراني لدية أجهزته الأمنية القادرة علي التصدي لمثل هذه الأفعال والتي يصعب أن تنال من عضد النظام الإيراني الحاكم.
وفيما يتعلق بتأثير الأحداث الجارية حاليا على الدور الإقليمي لإيران، أشار عبد المؤمن إلى أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد سوف يستفيد من هذا الدرس وسيحاول أن يتخذ سياسة أكثر مرونة وبخاصة فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية لأنه مقبل علي حوار مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوربي، كما أنه معني بعدد من الملفات على شاكلة الإرهاب والعراق والملف النووي وغيرها من الملفات التي ستتطلب نوعا من العلاقات أو على الأقل حوارا إيرانيا مع العديد من الأطراف الدولية والإقليمية، معربا عن اعتقاده بأن الرئيس الإيراني سيحاول تحسين صورته أمام الرأي العام الإيراني والرأي العام الدولي.
تجاوز حدود الإحتجاج
ومن جانبه، يرى رئيس وحدة النظم السياسية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام الدكتور عمرو الشوبكي أن المظاهرات التي شهدتها إيران مؤخرا قد تجاوزت حدود الاحتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية، لتضع علامات استفهام حول طبيعة النظام الذى تأسس عقب نجاح الثورة الإسلامية عام 1979، ولتعيد النظر فى كثير من ثوابت الجمهورية الأولى، وتفتح الباب أمام جمهورية ثانية متصالحة مع جوهر القيم والمبادئ الإسلامية، ولكنها تعيد النظر فى كثير من ثوابت الجمهورية الأولى بدءاً بصلاحيات الولي الفقيه، وانتهاء بالمبادئ التى تحكم طريقة اختيار المرشح لرئاسة الجمهورية وصلاحياته المحدودة مقارنة بصلاحيات مرشد الثورة ومجلس الخبراء الواسعة.
وأكد أن طريقة إدارة الانتخابات الأخيرة فى إيران والتجاوزات الكثيرة التى شابتها، ساعدت على تفجر أحداث العنف والمظاهرات الأخيرة رغم وجود شعبية حقيقية لأحمدى نجاد بسبب نزاهته وزهده الشخصي وتعاطفه مع الفقراء، بالإضافة لصغر سنه مقارنة بباقى المرشحين، مشيرا إلى أن كل هذه العوامل ساعدت على نجاحه بصرف النظر عن توجهاته الأيديولوجية والأخطاء الكثيرة التى حدثت فى عملية فرز الأصوات.
وأشار إلى أن الأمر نفسه ينسحب على مرشد الثورة على خامنئي الذي قدم خطاب الجمعة والذي كان شديد العمق وامتلك حضوراً شخصياً ودينياً من الصعب أن نجد نظيراً له لدى رجال الدين فى العالم العربي، لافتا إلى أن الأزمة لم تعد فى كون المرشد والحكم المحافظ لديهما شرعية أم لا، وإنما فى المعارضة العلنية لصلاحياته الاستثنائية، وفى عدم قدرته على الأمر والطاعة كما نصت مبادئ الجمهورية الأولى.
وأضاف «إن الخطاب الرسمي الإيراني المحافظ دخل معركة سياسية مباشرة وفجة، لم يكن المرشد بعيدا عنها فى مواجهة المحتجين حين وصفهم بأنهم عملاء الخارج تحركهم دولا أجنبية».
النظام لن يسقط
ونوه إلى أن هذه الاتهامات هي نفسها الاتهامات التي تروجها النظم الاستبدادية فى العالم العربي، ولكن مع فارق أساسى أن التعددية المقيدة الموجودة داخل النظام السياسي الإيراني جعلت هناك شعبا حيا لا يقبل التزوير ولو الجزئي، وقادرا في الوقت نفسه على التظاهر والنضال من أجل إصلاح مجمل النظام السياسي والدفاع عن الديمقراطية وعن مرشح حقيقي وشعبي في انتخابات الرئاسة، وهي كلها قيم لا يخرج أحد للدفاع عنها في بلادنا.
وحول قدرة هذه الاحتجاجات والصدامات على إسقاط النظام الإيراني وإمكانيات صموده، قال الدكتور عمرو الشوبكي «من المؤكد أن الاحتجاجات الأخيرة لن تسقط النظام الإيراني، فهو على عكس نظم الممانعة العربية يمتلك قدراً من التعدد والتنوع الداخلي ولديه مؤسسات تعمل وزعماء فى الحكم والمعارضة لديهم شرعية بصرف النظر عن أزمتها».
وتابع «إن جوهر الخلل في النظام الإيراني يكمن في العقلية الأيديولوجية التى حكمت عقل قادة الثورة الإسلامية في إيران، ورغبت فى إعطاء صلاحيات استثنائية لرجال الدين، وهى العقلية نفسها التى تحكم فكر بعض الحركات في عالمنا العربي»، مشيرا إلى أن رجال الدين الإيرانيين هؤلاء هم أيضا منتخبون ومعظمهم علماء كبار وفقهاء مناضلون قادوا ثورة عظيمة ومع ذلك تعثروا.
وأضاف «إن الخطر الحقيقي الذي يواجه النظام الإيراني أو بالأحرى الثورة الإيرانية هو مستقبل منصب ودور ومهام المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران»، وتابع قائلا «علينا أن نتصور مصير موقع مرشد الجمهورية الإيرانية بعد غياب المرشد الحالى على خامنئى، فهناك جيل كامل فى إيران لم يشارك فى أحداث الثورة لأن عمره وقتها كان 10 سنوات، وأصبح الآن 30 عاما، ومن غير المعقول أن تحدثه بعد 40 عاما عن الشرعية الثورية وليس شرعية المؤسسات المنتخبة، أو كما قال قائد الحرس الثوري الإيراني مهددا ومتوعدا المتظاهرين على طريقة النظم الاستبدادية العربية، إنهم سيلاقون ردا ثوريا فهذه متاجرة بالثورة كما يفعل آخرون مع لفظ المقاومة».
صلاحيات المرشد
واستطرد الشوبكي قائلا «نعم لقد أنجزت إيران ثورة كبرى واستثنائية فى التاريخ الإنساني بل جديرة بالإحترام، ولكن بعد ثلاثين عاما من انطلاقها فإن الشعب لا يحتاج إلى الحديث عن الشرعية الثورية بقدر ما هو محتاج إلى شرعية دستورية وقانونية، والمؤكد أن الصلاحيات التى يمتلكها مرشد الثورة في تناقض مع الصلاحيات المحدودة التى يمتلكها رئيس الجمهورية، وإذا كان خامنئى لديه شرعية شعبية ودينية، إلا أن المرشد القادم لن يمتلك هذه الشرعية نفسها لأنه ببساطة لن يكون جزءا من هذا الماضي الثوري وبالتالي ستكون شرعيته أقل وسيصبح من العبث اعتباره الحكم والمرجع النهائي».
وشدد على أن مستقبل النظام الإيراني مرتبط بنقل معظم صلاحيات المرشد إلى رئيس الجمهورية المنتخب، مع بقاء منصب المرشد كقائد روحي للنظام السياسي وكجزء من الثقافة السياسية الشيعية للمجتمع الإيراني، وتابع «ببعض التفاؤل وكثير من الخيال والرهان على حيوية المجتمع الإيراني، فإن تقلص صلاحيات المرشد لصالح الرئيس المنتخب وتؤسس الجمهورية الثانية وتلك هي معركة المستقبل المنظور أو مرحلة ما بعد أحمدي نجاد القادمة لا محالة».
تراجع الدور الإقليمي
ومن جانبه، نوه رئيس مركز أبحاث الشرق الأوسط السابق الدكتور عمار علي حسن بأن الأحداث الأخيرة ستترك أثرا بلا شك على مجمل الأوضاع في المنطقة وعلى الدور الإقليمي لإيران وأن هذا سيتضح جليا خلال الفترة المقبلة إذ ستتأثر علاقة إيران بكل من حزب الله وحماس، كما أن علاقة طهران بدمشق ستشهد أيضا تأثرا كبيرا خاصة بعد الانفراجة التي تشهدها العلاقات السورية ـ الأميركية وإعلان واشنطن رغبتها في إعادة السفير الأميركي إلى دمشق بعد سحبه منذ أربع سنوات.
وأشار أيضا إلى أن هذه الأحداث ستؤثر على الوجود الإيراني في العراق، ومن شأنها أن تضعف الموقف الإيراني في الحوار الذي أصبح من المتوقع أن يبدأ فور استقرار الأوضاع هناك بين إيران من جانب وكل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوربي من جانب أخر، لافتا إلى أن تأثير هذه الأحداث سيزداد ويترسخ كلما استمرت موجة الاحتجاجات والصدامات في إيران.
واستبعد حسن أن يشهد النظام الإيراني تغيرات دراماتيكية كأن ينجح المحتجون في إسقاط النظام الحاكم أو القضاء على الثورة الإسلامية في إيران خاصة وأنهم لا يستهدفون أصلا ذلك أو يستطيعون السيطرة على مقاليد الحكم ولن تكرر الثورة الخضراء في إيران، نسبة إلى استخدام المتظاهرين الأعلام والرايات والاتشاح بالخضار، نفس سيناريو الثورة البرتقالية في أوكرانيا، مشيرا إلى أن كل ما يمكن عمله هو ممارسة الضغوط على النظام الإيراني بشقيه السياسي والديني لإدخال المزيد من الإصلاحات وإبداء نوع من التيسير والتسهيلات في التعاملات اليومية خاصة مع الشباب والمرأة الذين لا يألون جهدا في إبداء رفضهم وسخطهم علي الأسلوب المتشدد في التعامل معهم وخاصة من قبل شرطة الأخلاق.
حجر بالمياه الراكدة
ولفت إلى أن أحداث إيران هي بمثابة الحجر الذي حرك المياه الراكدة في الحياة السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الإيرانية وأن النظام الإيراني ولا شك سيعيد النظر خلال الفترة القليلة القادمة في الكثير من الأمور وسيسعي إلى تغيير الكثير من السياسات والايدلوجيات وسيبدي مرونة أكبر بعيدة عن التعنت والتشدد.
وشدد في النهاية على أننا في عالمنا العربي أكثر احتياجا إلى 22 موسوي يحركون المياه الآسنة في بلداننا العربية التي لا تختلف كثيرا بل الأمر فيها أكثر سوءا مما هو عليه في إيران، ويكفي أن الشعب الإيراني عندما استشعر أن هناك تزويرا خرج رافضا تزوير إرادته، أما نحن في عالمنا العربي فنتحدث عن تزوير الانتخابات والإرادة وكل شيء وكأنه أمرا تافها لا يستحق أن نعبأ أو نهتم به.
القاهرة ـ «البيان»
