تثير التطورات الحالية المتعلقة بالاضطرابات الجارية في إيران على خلفية نتائج الانتخابات الرئاسية قضية الموقف الغربي تجاه إيران، وهو موقف أقل ما يقال في توصيفه انه يتصف بقدر كبير من التحامل. فوزير الخارجية الفرنسي كوشنير مثلاً يندد بالقمع الوحشي الذي تعرض له المتظاهرون في طهران قبل أن نشهد على أرض الواقع مثل هذا القمع، وعلى النحو ذاته يعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه العميق لاستمرار العنف الوحشي ضد المتظاهرين. وبريطانيا وإيطاليا تنصح رعاياها بعدم السفر إلى إيران بما قد يوحي بأن الأوضاع في إيران قد خرجت عن السيطرة.
تتأتى هذه المواقف التي تعبر عن قلق غربي خاص مما يجري في إيران تأكيداً لما أشرنا إليه الأسبوع الماضي، بشأن حيوية وضعها بالنسبة للدول الغربية. فقد مثلت الثورة الإسلامية عام 1979 علامة فارقة في علاقات طهران مع الغرب، على النحو الذي تحولت معه هذه العلاقات بشكل جذري من الصداقة إلى العداء.
وإذا كانت الولايات المتحدة ارتكزت حتى ذلك الحين على ثلاث دعائم في المنطقة، فقد تغيرت ملامح هذه الدعائم وحلت مصر بعد مبادرة السادات وتطوراتها والتي تواكبت مع الثورة محل إيران. من هنا ظلت هذه الأخيرة محل تربص من الغرب على مدى الثلاثين عاماً الماضية الذي لم ييأس من محاولة البحث عن ذريعة لتقويض إيران بأي السبل دون أن يصادف النجاح، إلى أن جاءت التطورات الأخيرة التي مثلت بالنسبة له الفرصة الذهبية، أو شرخ في الجدار الإيراني الصلد.
من متابعة ردود الفعل الغربية على هذه الأحداث، وأخرى مثيلة لها بطول العالم وعرضه، يمكن للمرء أن يتوصل إلى قاعدة عامة تحكم سلوك الدول الغربية بشأنها وتتمثل في أنه إذا كانت الاضطرابات الشعبية تصب في خانة مصلحة الغرب، فهي ثورة شعبية، وإذا كانت ضد مصلحته فهي تحركات غوغائية، الأولى يتم دعمها وتوفير كل السبل لتعزيز إمكانيات انتصارها، والثانية يتم العمل على وأدها مهما كانت التكلفة. على هذا النحو من الازدواجية واللا أخلاقية تقيم مجموعة الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة أحكامها.
من هنا يمكن تفهم الحماس الغربي للتطورات التي تحدث في إيران باعتبار أنها في أي الأحوال ستكون مفيدة سواء لجهة زعزعة النظام بما قد ينتهي إلى تولي الإصلاحيين الذي ينال الرضا الغربي الحكم، أو على الأقل لجم طموحات النظام القائم ورموزه الأساسيين ممثلين في خامنئي ونجاد.
من حق الإيرانيين أن ينتخبوا الرئيس الذي يريدونه، وأن ينعموا بحياة ديمقراطية، غير أن ذلك ينبغي أن يتم في إطار بعيداً عن أي أجندات خارجية، ولعل ما يحدث، حاليا في إيران، بغض النظر عن حدود التأثيرات الأجنبية، يدل على حيوية الشعب الإيراني وقدرته على تحقيق التغيير الذي يريده. ولعل ذلك وراء الموقف الذي أبداه الرئيس الأميركي باراك أوباما ـ والذي يحاول التعاطي مع المصالح الأميركية برؤية مختلفة ـ وهو الموقف الأكثر هدوءاً من بين مواقف قادة الغرب، وهو أمر يفسره تعرضه لانتقادات الحزب الجمهوري الأميركي إزاء اعتباره لا يتخذ مواقف واضحة حيال ما يحصل في إيران.. فالقراءة الدقيقة للمشهد الإيراني تكشف عن أن هناك شروخاً عديدة قد يؤدي تدخل الغرب لزيادتها إلى تحقيق نتائج عكسية، وتأكيد اتهامات طهران للغرب بمحاولة التدخل في شؤونها بالشكل الذي يزعزع الأوضاع فيها.
ينبغي ترك التحول الإيراني لتطوراته المنطقية وعدم التدخل الفاضح فيه، على الأقل لتعزيز مقولة الدعم الغربي للديمقراطية أياً كان القادم على أجنحتها.
