في خضم موجة التفجيرات التي ضربت بعض المناطق العراقية، وآخرها جنوب كركوك، لم يتوقف كثيرون أمام صرخة التحذير التي أطلقها مسؤول بوزارة الموارد المائية العراقية، استنادا إلى توقع تقارير دولية حول جفاف نهري دجلة والفرات بحلول عام 2040، بما قد يعنيه الأمر من كارثة على حياة الناس في ارض الرافدين.
وطبقا لتقرير أعدته «المنظمة الدولية للبحوث» هناك تناقص حاد بالحصص المائية الواصلة ضمن حوض نهر الفرات، التي ستصل إلى 32 ملياراً و140 مليون متر مكعب في الثانية بحلول عام 2040، مقابل احتياجات العراق التي ستبلغ حينها 23 مليار متر مكعب، فيما حاجة كل من سورية وتركيا ستصل إلى 30 مليار متر مكعب، ولان الواردات النهائية للنهر لن تكفي لتغطية احتياطات للدول الثلاث، سوف يخسر العراق موارد النهر بالكامل.
وفي تقرير آخر، توقعت منظمة المياه الأوروبية جفاف نهر دجلة بالكامل في التاريخ ذاته، حيث يفقد النهر سنويا ما يعادل 33 مليار متر مكعب من مياهه، والتي أرجعها الإعلام العراقي إلى السياسة المائية الحالية التي تتبعها تركيا التي تقيم عددا من السدود لتلبية احتياجاتها المتزايدة من المياه، وبالتالي فان العراق وفي حال عدم تمكنه من إتمام اتفاقات دولية تضمن حصصه المائية فإنه مقبل على ما أسماه تقرير منظمة المياه الدولية كارثة حقيقية، تتحول فيها الحقول الخضراء إلى صحراء جرداء.
وإذا علمنا أن حاجة العراق السنوية من المياه تقدر بنحو 50 مليار متر مكعب، 60 بالمئة منها تأتي من نهر دجلة والباقي من نهر الفرات، تصبح القضية جد خطيرة، ولا تقف عند حدود العراق وحدة، رغم انه سيكون الخاسر الأكبر، لأن موجة الجفاف التي ستضرب ارض الرافدين بفعل انحسار المياه، سيكون لها تأثيراتها الحادة على التغيرات المناخية في المنطقة، وربما تضرب تلك التأثيرات، في أماكن أبعد.
بعض الدراسات التي قام بها عدد من الخبراء العراقيين أشارت إلى أن خسارة كل مليار متر مكعب من مياه الفرات في العراق تؤدي إلى نقصان 26 ألف دونم من الأراضي الصالحة للزراعة، كما تنبأوا بخسارة حوالي 40% من هذه الأراضي الزراعية جراء ارتفاع معدلات الملوحة في مياه الفرات.
حالة الجفاف التي طالت خلال العامين الماضيين جميع محافظات العراق بفعل نقص الواردات المائية، دفعت وزارتي الموارد المائية والزراعة إلى السماح فقط بزراعة المحاصيل الاستراتيجية هذا الصيف، مثل الأرز والذرة وعباد الشمس والقطن والخضراوات، وتقنين حصص الري لمختلف المحاصيل في مختلف المناطق. كما قدر بعض خبراء الاقتصاد العراقيين انخفاض إنتاج محصول الشعير بنسبة 90%، مما انعكس سلبا على قطاع تربية المواشي الذي يعتمد على الشعير بنسبة 60% والمتضرر الأكبر من هذه الحالة صغار الفلاحين.
وأمام هذا المستقبل المقلق لموارد العراق المائية، فان الأمر يتطلب، من المسؤولين العراقيين ما هو ابعد من إطلاق التحذيرات، بل بذل الجهود للوصول إلى تفاهمات مع الدول التي تشاركه مياه دجلة والفرات، لضمان تجنيب بلادهم ما ينتظرها من جفاف لمياه ظلت تجري في أرض الرافدين لآلاف السنين، والقضية تحتاج إلى تحرك عاجل واتفاقات تقوم على المصالح المتبادلة لكافة الاطراف، قبل أن يصحو الجميع على كارثة جديدة لم تعد المنطقة في حاجة إليها، بعد الكوارث التي جلبتها الحروب المتتالية، ولا تزال أثارها ماثلة للعيان.