شكّلت أحداث إيران الأخيرة، الناجمة عن تداعيات الانتخابات الرئاسية، مادة دسمة للصحافة الإسرائيلية، حيث عمل عديد من المحللين السياسيين البارزين على مناقشة التطورات الحاصلة في إيران وتحليل أبعادها ورصد تأثيراتها المستقبلية، على إيران وعلى وضعها في المنطقة.
في هذا الإطار حذر سمدار بيري من المراهنة على المرشح المعارض مير حسين موسوي معتبرا إياه صاحب مبادرة تأسيس «حزب الله» وانه من المساهمين بتطوير السلاح الكيماوي في إيران. يقول بيري: «يبدو مير حسين موسوي، حين يظهر بقميص مخطط ولحية، الحلم الرطب للخائفين من التهديد الإيراني. ولكن من خلف سيماه الواعدة تختفي شخصية متطرفة تتماثل مع صيغ نظام آيات الله..عند النظر إلى سيرته الذاتية تنكشف شخصية متطرفة، بل وربما بقدر لا يقل عن محمود احمدي نجاد الذي يرغب موسوي في الإطاحة به». («يديعوت أحرونوت» 19/ 6).
المفاجأة الإيرانية
من جهة أخرى ركز عديد من المحللين على ما يمكن تسميته بالمفاجأة الإيرانية، المتمثلة بتصدع الطبقة الحاكمة، وخروج الإيرانيين إلى الشوارع، في تحد لسلطة النظام، المتمثلة بسلطة «الولي الفقيه». ففي مقال عنوانه: «إيران تشتعل»: إلى أين تسير الأمور؟»، كتب أليكس فيشمان: «لماذا لدينا إحساس بأن لا احد يملك أية فكرة عما يجري هناك في إيران؟ لماذا لدينا إحساس بأن كل أولئك الخبراء ومحافل التقدير الغربية.. فوّتوا تلك السياقات في المجتمع الإيراني وغفوا بعض الشيء أثناء الحراسة؟ في اليومين الأولين للاضطرابات كانوا يقدرون عندنا أن هذا لا شيء، وانه سرعان ما سينتهي، وان النظام في إيران سيعرف كيف «يحتوي» موجات الاحتجاج. وها هي مفاجأة استخبارية أخرى: مرت ستة أيام ولم تنته الاضطرابات». (يديعوت أحرونوت 18/ 6) ويؤكد على ذلك بن كسبيت بقوله: «إلى أين تسير إيران؟ لا نعرف. ولا أحد يعرف أيضا. لا الـ سي اي ايه، ولا الموساد، ولا الاستخبارات الفرنسية، ولا المخابرات المصرية، ولا الـ كي جي بي الروسية، ولا الاستخبارات الروسية ولا الصينية أو السعودية أو إي جهاز استخباري في العالم. سقوط نظام آيات الله المحتمل هو حدث لم يتوقعه أي طرف مهم معروف. يبدو أن الإيرانيين أنفسهم لا يعرفون إلى أين تسير الأمور. عشرات مليارات الدولارات تصرف في أجهزة العالم الاستخبارية في كل عام حتى تكون أمام المفاجأة في كل مرة من جديد». («معاريف» 19/ 6)
أسباب الاضطرابات
أما بالنسبة لتعيين الأسباب التي أدت لاندلاع الاضطرابات في إيران فيرى تسفي بارئيل بأن «التظاهرات.. تمثل كل خيبة الأمل الاقتصادية الاجتماعية والديمقراطية التي راكمها الجيل الشاب في إيران، الذين لم يشهد أكثر من 60 في المئة من سكانها الثورة على جلدهم، ولم يشاركوا في الايديولوجيا التي أقامتها. هذه تظاهرات من أجل رمز واحد، وبالأساس ضد رمز آخر. ثورة خضراء وحلم جديد ضد الثورة الإسلامية.» («هآرتس» 18/ 6) وبرأي أليكس فيشمان أن «إدارة الاضطرابات تقوم بها عمليا نخب محافظة تقاتل الواحدة ضد الأخرى. الفرق التي يستخدمها اليوم الاصطلاحيون ظاهرا حيال النظام تركب على موجة احتجاج أصيل، في الشارع. وهؤلاء ليسوا فقط طلابا بل وأيضا من الشعب العادي الذي يعيش في وضع اقتصادي يصفه الإيرانيون أنفسهم بالكارثي وعديم الصلاح: تضخم مالي بمعدل 30% وبطالة بمعدل 24%». (يديعوت أحرونوت 18/ 6)
من جهته اتخذ شموئيل روزنر اتجاها أخر، فبعد أن شكك بأجهزة الاستخبارات الأميركية، وخيبة الأمل من توقعاتها، ركز على مسؤولية الولايات المتحدة إزاء ما يجري في إيران، حيث انتقد حيرتها وعدم اتخاذها واقف ملموسة لدعم الديمقراطية (على حد قوله) في إيران كما حاول تفسير هذا الموقف الأمريكي السلبي. وبحسب روزنر فإن الولايات المتحدة «تؤيد المتظاهرين من اجل الديمقراطية إلا أنها تخشى التورط.. صمت أوباما بصدد إيران الآن دلل على تقدير الوضع الأميركي في ساعة كتابة هذه السطور: النظام الإيراني اخطر من أن يتم التحرش به وأقوى من أن يتم تحديه.. ما هي أسباب هذا الصمت. السبب الأول أن أوباما لا يريد الوقوف إلى جانب الخاسر وانه قد اقتنع أن أمام متظاهري طهران فرصة صغيرة للانتصار. السبب الثاني أن أوباما ليس متأكدا من وجود فرق كبير بين المرشحين للرئاسة.. والسبب الثالث فلإن كانت أمام الانقلابيين فرصة فإن التدخّل الأميركي قد يكون ضارا فقط وقد يجرّدهم من الشرعية. والسبب الرابع أن أوباما لا يريد إضعاف احتمالات نجاح الحوار مع النظام الإيراني المفترض أن يبدأ حسب خطته قريبا». (معاريف19/ 6)
انتقاد السياسة الإسرائيلية
وقد وجد جدعون ليفي في المفاجأة الإيرانية فرصة لانتقاد السياسة الإسرائيلية، ففي مقال عنوانه: «ظلام في إسرائيل وأنوار في إيران»، كتب ليفي: «الصور التي تصل من إيران تبرهن على أن هناك شعوبا تحاول أخذ مصيرها بيديها..تقول: كفى. كفى. فقد طفح الكيل. إلا أن ذلك لا يحدث في إسرائيل..الصور الواردة من إيران الظلامية تنشر النور من حولها.. هنا يتنزهون بالجيبات وهناك يخرجون للشوارع. هنا يجلسون أمام التلفاز الغبي وهناك يواجهون «قوى الشر». هنا يسود الظلام وهناك نور الاحتجاج الشعبي.. باسمنا يسود هنا نظام استبدادي لا يقل عن أنظمة آيات الله؛ نظام الضباط والمستوطنين في «المناطق» ولكن ما علاقتنا به؟!. في إيران يقوم رجال الشرطة بتفريق التظاهرات بقوة ويقتلون ويطلقون النار.. فماذا يفعلون عندنا؟ فلتعرجوا في أول فرصة من أيام الجمعة على نعلين أو بلعين لتروا بأم عينيكم:
هنا يقتلون المتظاهرين بدرجة لا تقل عن إيران قسوة ووحشية..إسرائيل موجودة الآن بدرجة لا تقل عن إيران على مفترق طرق مصيري.. ولتروا ما يحدث في إيران ذات الحكم الاستبدادي ولتروا ما الذي يحدث عندنا نحن الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.. تررم.. بررم.. بررم.: («هآرتس» 18/ 6)
وعن تأثيرات الأحداث الحاصلة في إيران يقول أليكس فيشمان: «مهما قرر النظام الإيراني، فإنه خسر منذ الآن. فالنساء أنزلن التشادور وسرن في تظاهرات مختلطة مع الرجال. منتخب كرة القدم الإيراني في جنوب كوريا اجتاز النهر في الاحتجاج السياسي ـ العلني. والى جانب صورة موسوي يلوح المتظاهرون بصورة الخميني بمعنى: نحن لسنا ضد الدين، نحن ضد «الأنذال». إذا ما خضع النظام وتوجه إلى الانتخابات فإنه سيذهب إلى البيت. إذا قمع التظاهرات بالقوة ستدخل إيران في وضع من الهياج الدائم. الصور من الأيام الستة الأخيرة لم يعد ممكنا محوها...» (يديعوت أحرونوت 18/ 6)
الخوف زال
وفي مقال عنوانه: «إيران: لن يعود الأمر كما كان»، كتب بن كاسبيت:
«حتى ان تمكن نظام آيات الله من المحافظة على بقائه واجتاز الأزمة الحالية فمن الواضح لكل إنسان منطقي أن إيران تتغير أمام أعيننا ما كان لن يتكرر بعد. الخوف زال. الحجر الأول قذف والجماهير التي تعيش تحت سطوة حرس الثورة بدأت تدرك قوتها. وحتى أن انقضت قوات حرس الثورة عليهم غدا وقتلت المئات وقمعت التململ بيد من حديد، فان الأمر لن يعود كما كان.
من الآن فصاعدا يعيش آيات الله على الزمن المستقطع. كم هي مدة هذا الزمن لا احد يعرف.. في هذه الأثناء يمكن القول، إن الاحتفال مبكر. إيران ما زالت هناك وأجهزة الطرد المركزية كذلك. الإيرانيون لا ينوون التنازل عن ذلك وحتى أن تبدل النظام ليس من المؤكد أن سباق الذرة الإيراني سيتوقف. («معاريف» 19/ 6)
وعلى كل فثمة أسباب عديدة تدفع إسرائيل للانشغال بما يجري داخل إيران، أو إزاء كيفية التعاطي الإقليمي والدولي مع إيران، بالنظر لتأثيرات ذلك عليها وعلى أمنها ومكانتها في هذه المنطقة.
ماجد كيالي
