جاء رد الفعل الغربي على خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والذي ألقاه بجامعة «بار إيلان» بتل أبيب للرد على خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما بجامعة القاهرة، وخاصة الرد الأميركي والذي تمثل في الترحيب وإعلان تفهم المواقف الإسرائيلية من الصراع العربي الإسرائيلي، مخيبا للآمال العربية على مختلف المستويات.
وكانت المواقف الغربية بمثابة «الدش البارد» للذين راهنوا على التغير في مواقف الإدارة الأميركية منذ تولي الرئيس باراك أوباما لمهام مسؤولياته بالبيت الأبيض، والقول «بأن تغيرا جوهريا طرأ على السياسة الدولية وأن الإدارة الأميركية قادرة على تغيير المواقف الدولية والقضاء على حالة الظلم والقهر المستمرة على مدار أكثر من 60 عاما وإنهاء اخر بؤرة من بؤر العنصرية في العالم».
وزاد من تأزم الموقف وعودة سيطرة الإحباط من جديد على الشارع العربي والإسلامي بعد الانفراجة التي سيطرت عليه في أعقاب الخطاب الذي ألقاه أوباما من جامعة القاهرة في الرابع من شهر حزيران 2009 مخاطبا فيه العالمين العربي والإسلامي، إعلان نتانياهو خلال خطابه وبشكل صريح أنه لا دولة فلسطينية حقيقية وإنما مجرد تسيير للشؤون الإدارية للفلسطينيين، وهو ما ظهر بوضوح بعد أن أعلن نتانياهو عن شروطه لإقامة الدولة الفلسطينية والتي تفرغها من محتواها ومضمونها.
شروط تعجيزية
وكان نتانياهو قد أعرب في خطابه عن استعداده لقبول دولة فلسطينية «منزوعة السلاح» في حال اعترف الفلسطينيون بيهودية إسرائيل، قائلا «إن المناطق التي ستكون تحت السيطرة الفلسطينية والتي ستقام عليها الدولة الفلسطينية ستكون منزوعة السلاح ووفق ترتيبات أمنية محددة لضمان عدم إطلاق أي صواريخ على الأراضي الإسرائيلية كما يحدث من غزة الآن.
وتابع «لذلك ومن أجل تحقيق السلام علينا ضمان ألا يتمكن الفلسطينيون من إدخال صواريخ أو سلاح أو إقامة جيش فلسطيني حتى لا يكون منصة أمامية لإيران وغيرها».
وأضاف «أنه في إطار التسويات الدائمة لابد وأن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح ولا إشراف لها على الجو ولا تستطيع عقد أية صفقات أمنية وغير قادرة على إدخال سلاح ولا إقامة جيش».
كما أكد نتانياهو على أن القدس الموحدة ستبقى عاصمة لإسرائيل وأن قضية اللاجئين الفلسطينيين يجب حلها خارج الأراضي الإسرائيلية، مشددا في الوقت نفسه على أن إسرائيل لن تتفاوض مع إرهابيين يريدون القضاء على إسرائيل.
خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أثار رفضا واسعا في الوطن العربي وأكد الجميع على رفض ما جاء في هذا الخطاب وعلى أعلى المستويات العربية من خلال تصريحات وكلمات واضحة ومحددة من عدد من قادة الدول العربية وكبار المسؤولين فيها. وبقدر الرفض العربي لخطاب نتانياهو كانت حالة الدهشة والاستغراب التي سيطرت على الوطن العربي جراء الترحيب والتأييد الغربي لخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي وكان الأكثر دهشة واستغرابا هو الموقف الأميركي الذي رأى البعض أنه يتناقض بالكامل مع ما ورد بخطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما بالقاهرة وأنه يكشف حقيقة التوجهات الأميركية وأنه لا يوجد فارق كبير بين أوباما وبوش الابن.
وربما يكون ذلك هو ما دفع بالرئيس المصري حسني مبارك إلى كتابة مقال بصحيفة «وول ستريت جورنال» إحدى كبريات الصحف الأميركية، ورغبته في أن تبقى الكرة بملعب إسرائيل وأن يصحح الانطباع المغلوط الذي قد يترسخ لدى الغرب بأن العرب يرفضون السلام إثر ردود الأفعال العربية الغاضبة حيال خطاب نتانياهو، وأن يؤكد أن العرب مستعدون دائما للسلام ولكنه السلام القائم على العدل ومقررات الشرعية الدولية.
توجهات شديدة الخطورة
ويؤكد الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة بجامعة الدول العربية السفير محمد صبيح على أن خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو حول الصراع العربي- الإسرائيلي، والذي جاء ردا على توجهات الإدارة الأميركية الجديدة والتي عبر عنها الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه للعالمين العربي والإسلامي، احتوى على أمور كثيرة شديدة الخطورة تتمثل في حديث نتانياهو عن مشاريع خيالية في السياحة والاقتصاد ومشاريع الغاز والكهرباء وتحلية المياه فيما ابتعد عن الأمور التي تؤدي في الحقيقة إلى إحلال السلام وهو بذلك يغلف الطرح المعادي للسلام بالاقتصاد.
وشدد صبيح على أن ما ورد في خطاب نتانياهو يشكل في مجمله رفضا واضحا لما ورد في اتفاقية أوسلو وأنه في هذا الخطاب رفض وقف الاستيطان كما أنه رفض مناقشة حق العودة مع أن هذه القضايا من ضمن الأمور الخمسة الرئيسة التي تحدثت عنها اتفاقية أوسلو، أما فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية التي تحدث عنها فبشكل عام لا يوجد على هذا الكوكب دولة بالشكل الذي تحدث عنه نتانياهو، وبكلامه هذا نسف الدولة الفلسطينية من الأساس.
أما فيما يتعلق بالخطوات التي يمكن أن يتخذها العرب في مواجهة إعلان الغرب والولايات المتحدة ترحيبها بخطاب نتانياهو، قال صبيح «الخطوات العربية معروفة وواضحة ولا تحتاج لخطوات إضافية فالعرب لديهم مبادرة السلام العربية ولديهم مواقف واضحة من الاستيطان ومن إقامة الدولة الفلسطينية وحل الصراع العربي الإسرائيلي.
وأضاف «إذا كانت الأطراف الأخرى ترى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يمكن أن يتغير ويمكن أن يلتزم بتنفيذ أي شيء يتفق عليه فعليها أن توفر ضمانات محددة لإلزامه بحل القضية الفلسطينية على أساس الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وغير منقوصة». ولفت إلى أن العرب أكدوا ويؤكدون تمسكهم بخيار السلام وتمسكهم الأكثر بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف وضمان عودة اللاجئين الفلسطينيين لأراضيهم والتعويض المادي عن سنوات اللجوء.
لم يأت بجديد
وبدوره، أكد سفير فلسطين المناوب بالقاهرة الدكتور بركات الفرا على أن خطاب نتانياهو لم يأت بجديد ولم يطرح أية خطوات عملية لتحقيق السلام في المنطقة وما ذكره في خطابه هو استمرار للنهج السابق في إنكار الحقوق الفلسطينية ومحاولة لتفريغ التوجهات والمبادرات الدولية من محتواها والالتفاف على قرارات الشرعية الدولية.
وحول أسباب الترحيب الغربي والأميركي بخطاب نتانياهو، قال «عبارات الترحيب والتأييد بهذا الخطاب لا يجب أن تؤخذ على عواهنها وإنما لابد من التعامل مع الخطاب بما يناسبه ويتطلبه الموقف خاصة وأن الترحيب الغربي هو ترحيب من حيث المبدأ لدفع الحكومة الإسرائيلية إلى البدء في العملية السلمية ودفع عجلة السلام في المنطقة للتجاوب مع قرارات الشرعية الدولية».
وقال «إن الدول العربية مطالبة باتخاذ العديد من الخطوات وبذل الكثير من الجهود لفضح توجهات الحكومة الإسرائيلية وإحباط المحاولات الإسرائيلية لإفشال العملية السلمية والالتفاف على قرارات الشرعية الدولية»، مشيرا إلى أن ذلك يستلزم وضع خطة عربية للتحرك الدولي، ودعم الجهد المصري المبذول لإنجاح الحوار الوطني الفلسطيني وتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية.
أما رئيس لجنة الشؤون العربية والعلاقات الخارجية والأمن القومي بمجلس الشورى المصري «الغرفة الثانية للبرلمان» السفير محمد بسيوني، فيقول «علينا ألا نجلس نحن العرب وننتظر أن تعيد لنا الولايات المتحدة والغرب حقوقنا التي تستولي عليها إسرائيل»، مشيرا إلى أن هناك طرفين للمعادلة وهما إسرائيل والدول العربية وأنه علينا كعرب إذا كنا جادين وراغبين في استعادة حقوقنا أن نكون نحن الطرف الأقوى ليس عسكريا وإنما سياسيا واقتصاديا وتفاوضيا.
وقال «علينا كعرب أن نتفاوض وأن نتحرك دوليا كفريق واحد من خلال رؤية وتوجهات واحدة وليس من خلال عدة رؤى وتوجهات، فهذا يضعف موقفنا التفاوض كثيرا، كما علينا إشعار الولايات المتحدة أنه إذا كان لها مصلحة مع إسرائيل فإن لها مع الدول العربية مصالح أكثر بكثير، وأن هذه المصالح تستلزم تأييد الحق العربي وتحقيق قرارات الشرعية الدولية وأن هذا هو أكبر ضمانة للحفاظ على المصالح الأميركية مع العرب».
ولفت إلى ضرورة إعداد خطة تحرك عربي سريعة وعلى أعلى مستوى لشرح وجهة النظر العربية وتفنيد الإدعاءات الإسرائيلية وتوضيح الحقوق العربية وربط هذا التحرك بالمصالح العربية-الغربية على اعتبار أن لغة المصالح هي الحاكمة دائما وخاصة الآن في العلاقات الدولية.
وتابع «أنه لا يمكن الحكم على المواقف الغربية والأميركية من خلال التصريحات الإعلامية أو الخطب المنبرية، فهذا شيء وما يجري في أروقة السياسة والغرف المغلقة شيء آخر تماما، وعلينا أن نتحرك انطلاقا من حقوقنا المشروعة والتي أقرتها قرارات الشرعية الدولية وليس من خلال تصريح هنا وخطبة هناك».
توريط الحكومة الإسرائيلية
ومن جانبه، أشار خبير الشؤون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور عماد جاد إلى أن الترحيب وإبداء الإعجاب الغربي والأميركي بخطاب نتانياهو لا يعني أنه تسليم مطلق أو موافقة كاملة على خطاب نتانياهو، معتبرا أن ذلك نوع من توريط الحكومة الإسرائيلية ونتانياهو على وجه الخصوص لبدء العملية السلمية في منطقة الشرق الأوسط والحصول على اعتراف ولو ضمني بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وهذا ما تحقق خلال خطاب نتانياهو ولو جزئيا.
واستدل جاد على ذلك بالمؤتمر الصحافي الذي اشترك فيه وزيرا الخارجية الأميركي هيلاري كلينتون والإسرائيلي أفيجدور ليبرمان والذي أكدت فيه كلينتون رفضها للمستوطنات وإصرارها على إزالة المستوطنات، معربا عن أمله في ألا يكون الترحيب والتأييد الغربي لخطاب نتانياهو هو صك غربي على بياض لإسرائيل.
وقال «على العرب التفاعل مع جهود الاتحاد الأوروبي وتغير التوجهات الأميركية لتسوية الوضع الفلسطيني المتأزم»، مؤكدا ضرورة القضاء على الانقسام الفلسطيني والعمل على توحيد الصف الفلسطيني الممزق وإنهاء الخلافات العربية التي انعكست في شكل زيادة الاستقطاب السياسي في الشارع الفلسطيني».
ولفت إلى أن الغرب يرى في خطاب نتانياهو بعض التطور مثل الاعتراف بإمكانية إقامة الدولة الفلسطينية، وتابع مستطردا «صحيح أنه أفرغها من مضمونها ولكن الغرب يعتبرون أنه شيء يمكن البناء عليه ويمثل دفعه لتحقيق المزيد من الجهود المبذولة». وحول الآليات التي يمكن اعتماد الدول العربية عليها للتعامل مع الموقف الإسرائيلي، قال جاد «الآلية الأولى هي إنهاء الخلافات الفلسطينية ؟ الفلسطينية، وكذلك تفعيل مبادرة السلام العربية والتمسك بها ودفعها للولايات المتحدة الأميركية للبناء عليها وتفعيلها»، مستبعدا أن يطرح العرب مبادرات أو آليات جديدة للتعامل مع الموقف.
نسف للتوجه الأميركي
أما المفكر ووزير المنظمات الأهلية الفلسطيني الأسبق حسن عصفور، فيؤكد أن الموقف العربي من خطاب نتانياهو واضح وقطعي، مشيرا إلى أن خطاب نتانياهو ليس فقط إلغاء لمبادرة السلام العربية وإنما أيضا نسف للتوجه الأميركي الجديد.
وقال عصفور» إنه لابد من مضاعفة التحرك العربي ومضاعفة الجهد المبذول لعزل نتانياهو دوليا وزيادة فعالية التحرك الدولي لإقرار السلام وفقا لقرارات الشرعية الدولية وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس الشريف وضمان عودة اللاجئين الفلسطينيين».
وشدد عصفور على ضرورة التحرك السريع للتعامل مع تغيرات المواقف السياسية الدولية، لافتا إلى أنه كان من المفترض أن يتم تشكيل خلية أزمة أو خلية تحرك سريع للتعامل مع خطابي أوباما ونتانياهو، ولكن للأسف الشديد كان التحرك روتينيا وبطيئا وغير فعال وأضاع كالعادة زخم التوجه الأميركي الجديد والتغير في السياسات الدولية، وأعطى الفرصة لنتانياهو للتشويش على التوجه الأميركي والتفاعل العربي.
وتابع «لابد من خلق آليات لتنفيذ مبادرة السلام العربية ودفع الغرب والولايات المتحدة الأميركية لقبولها وجعلها أساسا لتسوية القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي».
إضاءة
خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أثار رفضا واسعا في الوطن العربي وأكد الجميع على رفض ما جاء في هذا الخطاب وعلى أعلى المستويات العربية من خلال تصريحات وكلمات واضحة ومحددة من عدد من قادة الدول العربية وكبار المسؤولين فيها. وبقدر الرفض العربي لخطاب نتانياهو كانت حالة الدهشة والاستغراب التي سيطرت على الوطن العربي جراء الترحيب والتأييد الغربي لخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي وكان الأكثر دهشة واستغرابا هو الموقف الأميركي الذي رأى البعض أنه يتناقض بالكامل مع ما ورد بخطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما بالقاهرة وأنه يكشف حقيقة التوجهات الأميركية وأنه لا يوجد فارق كبير بين أوباما وبوش الابن.
القاهرة ـ «البيان»
