رغم أن العقيدة والممارسة الاقتصادية في الغرب، وفي أميركا بالذات، مابرحت تؤكد على سلامة النظرية الرأسمالية.. ومن أركان هذه العقيدة والممارسة من لا يزال يرى في كتاب المفكر الإنجليزي آدم سميث المنشور في عام 1776 بعنوان «ثروة الأمم» نبراسا تستهدي به مسيرة العمل الاقتصادي، رغم هذا كله فقد جاءت الأشهر القليلة الماضية، وبالتحديد منذ خريف عام 2008، لتؤكد من جانبها ضرورة أن يعيد القوم نظرهم بالتأمل ووعي الدروس المستفادة إزاء هذه النظرة من التبجيل إلى حد التكريس للفكر والممارسة الرأسمالية.
صحيح أن «آدم سميث» تحدث في كتابه عن اقتصاد السوق. وصحيح أن سطور هذا الكتاب أصبحت تصنّف ضمن الأعمال الكلاسيكية، في الأدب الاقتصادي الصادر بالإنجليزية. وصحيح أن نظرية سميث أيضاً تطرقت إلى ما وصفته بأنه «اليد غير المنظورة» التي تتولى تصحيح مسيرة الاقتصاد الرأسمالي وباعتبار أن هذه اليد السحرية، كما قد نسميها تستطيع أن توجه مسيرة السوق على أساس القانون الأشهر المعروف باسم جانبي العرض والطلب، وكليهما أصبح بداهة يحدد مستوى أسعار السلع المطروحة والخدمات المقدمة على السواء.
وصحيح أيضاً أن ثورة فرنسا الكبرى التي تحتفل بعيدها العشرين بعد المائتين في 14 يوليه القادم ؟ جاءت فأدت إلى تفعيل نظرية السوق الرأسمالية التي جاء بها «آدم سميث» حين طرحت الشعار المعروف بعبارة «دعه يعمل، دعه يمر» كناية عن ضرورة فسح المجال رحبا وبغير عوائق أمام حرية الصناعة وحرية التبادل التجاري. كل هذا صحيح أو بالأدق كان صحيحا في أروقة وول ستريت بالولايات المتحدة، لكنه صحيح تاريخيا فقط.
وبمعنى أن واقع الحال الراهن بات يدعو إلى معاودة التفكير فيه.. وخاصة في ضوء حالة التقلص.. الانكماش ومن ثم الأزمة التي بدأت مالية في أروقة وول ستريت الشهيرة في نيويورك، وما لبثت أن اتسعت بل استفحلت إلى حيث تحولت إلى أزمة اقتصادية لم تقتصر كما أصبح معروفا على بيوت المال والمصارف بل تعدت هذا كله لتطال قطاعات الأعمال والإنتاج وما في حكمها حيث أضيرت كبرى مواقع الإنتاج لدرجة أن أصيب بالانهيار مؤسسات عملاقة ظلت تعد من سدنة الاقتصاد الأميركي، فيما ظلت تمتع بسمعة عالمية لدرجة الظن بأن ذاتها الاقتصادية مصونة لا تمسّ وكان أول ما أنهار في أواخر العام الماضي هو عملاق التأمين الذي كان يحمل اسم مؤسسة «إي.. آي.. جي» فيما كان أحدثها هو عملاق صناعة السيارات، في ديترويت بالولايات المتحدة بعد أن أعلنت مؤسسة جنرال موتورز منذ بضعة أسابيع لجوءها إلى الفصل رقم 11 من القانون الاقتصادي وهو المرادف لإعلان إفلاس الشركة أو المؤسسة تمهيدا، كما يقضي القانون الأميركي، بإعادة هيكلتها في محاولة لكي تبدأ مسيرتها من جديد.
مأساة البطالة
يكتب المحلل السياسي أو الاقتصادي مثل هذه السطور محاولا أن يدقق في معلوماته وقد ينمق في عباراته.. وقد يطرأ.. أو لا يطرأ على باله أن سطوره هذه تتوازى مع آلام العشرات والمئات.. من العاملين الذين فقدوا وظائفهم في غمار تلك الأزمة المالية ؟ الاقتصادية على اختلاف المهن وتباين المستويات الوظيفية، ولدرجة أن باتت الدوائر الأميركية المسؤولة في حالة من القلق المتوتر والانزعاج المشوب بقدر لا يخفي من خيبة الأمل... لماذا؟
لأن القوم كانوا يتوقعون نتائج إيجابية بفضل حزمة المبالغ السوبر ؟ طائلة (بلغت نحو 750 ألف مليون دولار) التي حشدتها إدارة أوباما المستجدة في سدة السلطة الأميركية، تحت شعار «سياسة التحفيز» وهو شعار مرادف لطوق الإنقاذ وبعد أن ظلت الإدارة المذكورة تعمل على ضخ مبالغ مستقاة من تلك الحزمة الطائلة في أوصال وشرايين منظومات المال والاقتصاد في أميركا، في ضوء التصور بأن تلك الحقن التحفيزية كفيلة بإعادة دوران العجلة، وتخطي مخاطر الانزلاق إلى الانكماش أو الإفلاس. وكان الهدف الذي أعلنه الرئيس أوباما شخصيا هو الحفاظ على أكبر حجم ممكن من العمالة الكاسبة وخاصة في الميادين التي رآها الرجل بحق أساسية أو حيوية للمجتمع وفي مقدمتها قطاع التعليم وقطاع السلامة والأمن.
لكن زادت خيبة الأمل عندما أعلنت السلطات المختصة بالولايات المتحدة.. في بداية الأسبوع الثاني من يونيه الحالي أن كل ما تم ضخه من مليارات لم يلفح سوى في الحفاظ على نحو 150 ألف فرصة عمل وهو رقم يدنو كثيرا عن الرقم المستهدف من ناحية، فيما ظل مؤشر البطالة في أميركا يرتفع بوتيرة مطردة ومخيفة لدرجة الاقتراب حثيثا من نسبة العشرة في المئة من مجموع القوى العاملة في طول الولايات المتحدة وعرضها وهو رقم كفيل بإضاءة حشد من الأضواء الحمراء لزوم التنبيه والإنذار. من هنا نشطت دوائر فكرية وعلمية شتى إلى محاولة لتشخيص الداء.. ومن جذوره كما قد نقول.
بمعنى أن لايستخفها تبسيط المشكلة على أنها مشكلة انحرافات سلوكية أو أطماع شخصية أوحتى أخطاء مهنية وقعت فيها طائفة المديرين أو الاختصاصيين التكنوقراط أو رؤساء مجالس الإدارات في قطاعات المال والأعمال (البيزنس) فكانت الطامة الكبرى والخيبة الثقيلة التي حلت كالنوازل الفادحة بقطاعات الاستثمار العقاري في أميركا على وجه الخصوص.
النظام هو المشكلة
إن المسألة في تصور صفوة من مفكري أميركا أصبحت تتعلق بالنظام الرأسمالي ذاته لدرجة أنه بات بحاجة إلى إعادة نظر بالتعمق، وإلى تحليل أمين مع النفس، وإلى تناول موضوعي لما أدى إليه من مشكلات كان في مقدمتها ؟ كما تقول مطبوعة أميركية رصينة هي مجلة «هاربر» الشهرية ؟ انفجار فقاعات الاقتصاد.. وانهيار سوق الائتمان وكلها مشاكل لابد وأن يعاني منها الأميركيون، قبل أي طرف آخر: أن الرأسماليين أساءوا التعامل (في مجالات التجارة والإنتاج والاستثمار وما في حكمها) لدرجة باتت تفرض معاودة التفكير في النظام الرأسمالي نفسه، لا من أجل إلغائه ولكن بغرض إصلاح أخطائه وتقويم مسيرته. فما بالك وقد باتت مقتضيات هذا الإصلاح من ألزم ما يكون في ضوء اثنين من عوامل الخطر الجوهري المتجدد وهما:
(1) تناقص إمدادات الطاقة (العالمية).
(2) تسارع وتائر تغير المناخ على سطح الكوكب.
من هنا لم يعد الأمر مقتصرا على إصلاح نظام تسيير دفة الاقتصاد.. بل أصبح في إطاره الأشمل والأشد إلحاحا: محاولة تفعيل هذا الإصلاح في ظل هاتين العاصفتين العاتيتين على نحو ما وصفتهما «هاربر ماجازين». وهما عاصفة موارد الطاقة وعاصفة الاحترار العالمي وذوبان مخازن المياه الجليدية وارتفاع مستوى الانبعاثات الكربونية في أجواء كوكبنا.
استطلاع «هاربر»
في ضوء هذا كله جاء استطلاع المجلة الأميركية الموجَّه إلى عدد من المفكرين والاختصاصيين بشأن تصوراتهم لإصلاح النظام الرأسمالي. وبدورها جاءت هذه التصورات ملخصة على الوجه التالي:
- ضرورة حماية المستهلكين من أخطاء وأخطار المنتوجات الصناعية. لقد ظلت الممارسة الرأسمالية تتهرب من طائلة اللوائح والقوانين والقواعد التي تنظم نشاطها. وكانت النتيجة إطلاق العنان لعناصر غير مسؤولة تلاعبت بجوانب العرض والطلب حيث كان هدفها الأساسي هو الربح بأي سبيل ولو على حساب جموع المستهلكين وهم أضعف الحلقات في دورات السوق.
- القضية ليست إنقاذ الرأسمالية على إطلاقها بل هي إنقاذ ذلك المزيج أو الخليط المتفاعل والفريد الذي طبّقته أميركا بنجاح على مدار السنوات الثمانين وأكثر منذ سياسة الصفقة الجديدة (نيوديل) التي أعلنها الرئيس الأسبق فرانكلين ديلانو روزفلت وانتشل بها النظام الاقتصادي الرأسمالي من كارثة الكساد الفادح الكبير الذي حل بأميركا مع أواخر عقد العشرينات من القرن الماضي. والمعنى كما يقول صاحب هذا الرأي، وهو المفكر جيمس ك جالبريث (صدر مؤخرا كتابه الهام بعنوان «الدولة المفترسة») هو: أن النظام الأميركي لم يكن اقتصادا رأسماليا في الأساس بل كان يضم قطاعا عاما واسع النطاق وهذا القطاع العام ظل يخوض منافسة متكافئة ومقتدرة كما يضيف المفكر الأميركي في مجالات بعينها هي: البحث العلمي، الدفاع، الاستقرار المالي، السلامة البيئية، الأمن الاجتماعي، وقطاعات التعليم والرعاية الصحية والإسكان.
بين ريغان وتاتشر
بيد أن المشكلة ؟ كما نشرتها «هاربرز» أيضاً تمثلت في أن هذه القطاعات آلت إلى الانحدار لم يكن الانهيار.. والسبب هو الثلاثون سنة الأخيرة وبالتحديد منذ حقبة الرئيس الراحل رونالد ريغان الذي دعا إلى سياسة ذات اسم بالغ الجاذبية شديد الإغراء اسمها سياسة «التحرر والتحرير الاقتصادي» وشاركته في هذه السياسة.. على مدار عقد الثمانينات السيدة مرجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في ذلك الحين.
ولم يكن في الأمر سوى تحرر أو تهرّب أو تملص من الضوابط واللوائح التي تنظم النشاط الاقتصادي وترفض ترك الحبل على الغارب، وتجهد في تحديد وتقنين مسؤوليات كل الأطراف المشاركة في غمار هذا النشاط: ثلاثون سنة من رفض الضوابط ونبذ التنظيم إلى حيث كان كل طرف يعمل وفق أهواء مصالحه وإلى حيث كرسّوا حكاية الخصخصة و«شيطنوا» فكرة الدولة ودور الدولة بكل ما تتحمله الدولة الحديثة من تبعات ومسؤوليات. وجعلوا تدخل الدولة رجسا من عمل الشيطان أو يكاد يكون.
هكذا تحول الحرية إلى فضاء تسوده الفوضى، فكان تدهور البحث العالمي لحساب أرباح فلكية، استأثرت بها شركات الأدوية، وكان تدهور نظم التعليم مرادفا لتدهور مرتبات المعلمين، وكان نشوء العشوائيات مرادفا للفقر والجريمة والبطالة والانحراف حول المدن والحواضر، بعد أن غلت يد الدولة عن تنفيذ مشاريع الإسكان الرخيص لصالح جموع الفقراء والمستضعفين.
- من النصائح المهمة الأخرى لإنقاذ النظام الرأسمالي تلك الأفكار التي أبداها خبير إداري واقتصادي هو «إريك جانسن» ويمكن اختصارها في عبارة واحدة هي: العودة إلى التصنيع.. بمعنى العودة إلى تقاليد الصناعة، مرادفه لبناء الحضارة وهي تقاليد التخطيط والإنتاج والدقة والانضباط ومراقبة الجودة ومراعاة مصالح المستهلكين وتنمية وتطوير مهارات العاملين فضلا عن العودة إلى تكريس العمل المنتج بوصفه قيمة أخلاقية بحد ذاتها قبل أن يكون مصدرا لأسباب العيش الكريم.
- نصيحة أخرى ترى أن الحل يكمن في نشر فكرة المحليات بمعنى عدم الاكتفاء بمركزية الإنتاج والاستثمار. وبحيث تغطى مناطق وأقاليم الوطن الواحد بمعاقل الإنتاج ومؤسسات الخدمات.. ومن ثم تسود روح من التكافؤ في التطور ويضم الوطن الواحد مراكز متعددة ومتكافئة من حيث التقدم والنهوض.
النصيحة البراجماتية
أما النصيحة المحورية، أو فلنقل العملية أو البرغماتية، فقد أدلى بها ضمن استطلاع «هاربر» البروفيسور «جوزيف ستجلتز» عالم الاقتصاد الكبير الحائز على جائزة نوبل، ويسجل له أن استقال من منصبه الرفيع في البنك الدولي كي يتاح له إبداء آرائه وانتقاداته للبنك الدولي ولمجمل منظومة المؤسسات الاقتصادية الدولية بشكل عام. البروفيسور «ستجلتز» يقول باختصار شديد: إن إنقاذ الرأسمالية في أميركا مرتبط - في رأيه - بإعادة تنظيم مجتمع المال والأعمال - البورصات ودوائر الاستثمار في وول ستريت.
يطالب بصراحة بإنهاء ذلك «الجنون» كما يسميه بحثا عن الدولار ولا شيء غير الدولار، بل هو الدولار السهل كما يصفه أيضا، ذلك الذي قد يأتي على حساب لقمة الفقير وصحة الضعيف.
وفي هذا الصدد يقول «ستجلتز» أيضاً أن الأسواق الرأسمالية مفروض فيها أن تتدبر أمر المخاطرة الاقتصادية وأن تعمل جاهدة على توزيع سلبياتها لكي يتحملها الأقوى والأغنى دون أن تنوء بعبئها الفادح الثقيل كواهل العامل البسيط أو المواطن المحدود الدخل. وتحرم الأول من راتبه وتحرم الثاني من مسكنه وهو ما حدث بالفعل على نحو ما تشهده الولايات المتحدة في هذه الأيام.
محمد الخولي
