الذين أرّقهم وجود محمود أحمدي نجاد على رأس السلطة في إيران وخاصة الإسرائيليين والأميركيين وأتباعهم بمن فيهم الذين لم يمسهم الرئيس الإيراني بسوء بل يلفظونه إرضاء لأميركا وسياستها.. اندفعوا جميعا وراء الضجيج والتشويش الإعلامي الذي صاحب حملة انتخابات الرئاسة الإيرانية.. وترقبوا أن تعلن النتائج عن أن الجالس على مقعد الرئاسة في طهران، ذاهب إلى غير رجعة، وأن القادم هو المعتدل الرصين مير حسين موسوي.
ولكن.. أتت النتائج بما لا يشتهي أولئك المترقبون.. وفزعوا من أن نجاد لم يفز بها فحسب، بل جاء فوزه من الجولة الأولى دون إعادة وبنسبة 62% من أصوات الناخبين. في حين لم يحصل منافسه الرئيسي موسوي سوى على 7,33% من الأصوات.
عموما إذا افترضنا أن موسوي هو الفائز وليس نجاد. فهل كان سيرضي أولئك الذين طار النوم من أعينهم بسبب البرنامج النووي الإيراني، وهل سيزيل قلق إسرائيل التي لا تريد حولها سوى المصابين بالكساح السياسي؟
الإجابة بالنفي.. فموسوي أو نجاد، ليسا طرفي نقيض كما يحاول البعض أن يصور الأمور، حتى لو كان نجاد سيد المتشددين وموسوي إمام المعتدلين.
فإذا كنا نقول دائما إن استراتيجيات الولايات المتحدة لا تتغير بتغير رؤساء البيت الأبيض، فأيضا في إيران، من الصعب القول بأن خروج نجاد من السلطة، يعني أن الآتي من بعده سينسف سياسات سلفه.. فيسقط البرنامج النووي الايراني ويغازل الأميركيين وأتباعهم ليلاً ونهاراً حتى يرضوا عنه ويحد من تعاظم قوة جيشه ليطمئن اسرائيل ويزيل شكوك الضعفاء والمساكين الذين يمسكون بتلابيب العم سام. وبعد ذلك عليه أن ينتظر جزرة البيت الأبيض، فيأمن ويسلم من العصا!
موسوي وإن كان يتصف بالتكتم والهدوء، إلا أنه من الأوفياء والمتمسكين بمبادئ الثورة الإسلامية، وكان ذلك جليا عندما تولى رئاسة الحكومة خلال معظم سنوات الحرب الايرانية ـ العراقية التي استمرت ثمانية اعوام.
وفي الوقت نفسه، يرفض التنازل عن البرنامج النووي السلمي الجاري تنفيذه الآن.
وأعلن مراراً رفضه وقف تخصيب اليورانيوم الذي يزعم الغرب أنه ستار يخفي وراءه تصنيع سلاح نووي.
(ولمن لا يعلم هناك فتوى للخوميني مفجر الثورة بتحريم تصنيع الأسلحة النووية ويروج لها موسوي ونجاد على حد سواء ومعهم بقية مرشحي الرئاسة). البعض ينسى أو يتناسى أيضا أن صاحب القرار الفعلي في النظام الايراني هو مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي، فالدستور ينص على أنه يحدد السياسات العامة للبلاد.
وبالتالي يبدو رئيس الدولة ـ في نظر الكثيرين ـ هو الرجل الثاني. ولكن يبقى الفارق في شخصية موسوي ونجاد، وأيضا في أسلوبهما في التعامل مع مختلف القضايا.
نجاد يستمد قوته من الفقراء.. يحظى بدعم كبير في الريف ويصور نفسه على أنه نصير الفقراء ويتضح ذلك من تعامله بل ومن ملابسه وسيارته المتواضعة. ويشير الخبير النمساوي في الشؤون الإيرانية فالتر بوش، إلى أن حملة نجاد ركزت على القضايا التي تستقطب آراء الشعب وتحشدها من خلفه، حيث وزع البطاطس مجانا على سكان الريف وزاد من المعاشات التقاعدية، وهو ما أثر على ما يبدو على الفقراء.
أما موسوي فيستمد قوته من المثقفين ـ وعلى رأسهم الرئيس السابق محمد خاتمي ـ ولا يعني ذلك أنه لا يبالي بقضية الفقر، فرغم أنه يمثل التيار الاصلاحي، إلا أنه ذو ميول اشتراكية. وكان قد تعهد بإعادة الاستقرار إلى الاقتصاد الذي قال إن سياسة الإنفاق المسرف التي اعتمدها نجاد هزته وتسببت في ارتفاع التضخم.
ورغم أنه يقترب من الثامنة والستين من العمر ولا يتمتع ب«كاريزما» كافية، إلا أنه يحظى بتأييد قطاع عريض من شباب المدن، كما يحظى بدعم شريحة من النساء خاصة وأنه يطلق مع زوجته زهرة راهنورد رئيسة جامعة الزهراء في طهران صيحة المساواة بين الرجل والمرأة.
بوجه عام، كل ما كان يسعى إليه موسوي إن انتخب رئيسا، هو تبني أسلوب في التعامل يماثل نفس أسلوب الرئيس السابق محمد خاتمي. أسلوب يكشف فيه صاحبه عن هدوئه وعدم إطلاق فرقعات اعلامية قد تؤثر على تعاملات إيران مع العالم الخارجي
حسن صابر
