في خطابه من على منبر معهد بيغن ـ السادات للسلام (في جامعة بار إيلان) (14/5) لم يفاجئ نتانياهو أحدا بمواقفه المتطرفة، التي استعاد فيها نتانياهو القديم، الذي ترأس الحكومة الإسرائيلية لمدة ثلاثة أعوام (1996 - 1999)، في أعقاب اغتيال رابين (رئيس الحكومة الإسرائيلية وزعيم حزب العمل الأسبق)، وكان نتانياهو اخذ على عاتقه حينها تقويض اتفاق أوسلو، وإضعاف الكيان الفلسطيني، وتقوية الصهيونية، ما ضيّع ثلاثة أعوام من عمر مسيرة التسوية.
في خطابه المذكور تحدث نتانياهو عن ثلاثة تحديات تواجه إسرائيل، وهي مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية، والتصدي لمحاولة إيران تملك أسلحة نووية، وعملية السلام. لكن هذا الخطاب تحدث بإيجاز كبير عن التحديين الأولين، في حين أنه عرض لتحدي التسوية، الذي جاء في المرتبة الثالثة، بنوع من الاستفاضة الموجهة.
وكما قدمنا فإن نتانياهو لم يفاجئ احدا في خطابه، فهو تحدث عن مفهومه للسلام الذي يتأسس على السلام الإقليمي والسلام الاقتصادي، اللذين يفترضان حالة من التطبيع وعلاقات التعاون الاقتصادي بمعزل عن التقدم بعملية التسوية، المتعلقة بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967، وهي مسألة لم يقاربها الخطاب البتة؛ برغم من كلام نتانياهو عن استعداده للقاء القادة العرب في بيروت أو دمشق أو القاهرة أو القدس!
وبالنسبة لنتانياهو فإن عملية السلام هذه يجب أن تتأسس على ركيزتين أولاهما الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وثانيتهما أولوية أمن إسرائيل، من خلال الحفاظ على تفوقها النوعي في المنطقة، وضمان الدول الكبرى لأمنها، وحقها في السيطرة الأمنية على المجال الجوي والأرضي في كامل «ارض إسرائيل»(أي في فلسطين التاريخية). وكما كان متوقعا فقد صادر نتانياهو عملية المفاوضات برفضه حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وممتلكاتهم، وأصر على وضع القدس كعاصمة موحدة لإسرائيل، وتحدث عن النمو الطبيعي للمستوطنات في الضفة الغربية.
وبعد كل هذه التحفظات والاستدراكات والشروط نطق نتانياهو بالكلمة السحرية، التي ظل يغالب نفسه، ويعاند العالم بها، نطق بالكلمات المتعلقة بإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، من دون تعيين حدود هذه الدولة، ومن دون الاعتراف بأية مرجعية لا المواثيق والقرارات الدولية، ولا التزامات إسرائيل السابقة.
رسائل للداخل وللإدارة الأميركية
وفي كل هذه الأفكار، التي تضمنها خطابه، فقد بعث نتانياهو برسائل مباشرة إلى الداخل الإسرائيلي، وإلى الإدارة الأميركية وإلى الفلسطينيين والقادة العرب.
في رسائله هذه خاطب نتانياهو ائتلافه اليميني المتطرف وناخبي حزبه (الليكود)، مؤكدا إصراره على المضي في تعهداته التي فاز على أساسها في الانتخابات، برغم الضغوطات الأميركية والدولية، بتأكيده حق اليهود في «أرض الآباء والأجداد»المستمد من تاريخ قدره 3500 عام (بحسب رأيه)، وحق الاستيطان فيها، وبتمسكه بوحدة القدس تحت السيادة الإسرائيلية، ورفضه حق العودة للاجئين الفلسطينيين داخل حدود إسرائيل، واشتراط لاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وقيام نوع من سلام إقليمي بين إسرائيل وجيرانها، من الدول العربية، مع ضمانات تكفل أمن إسرائيل، لقيام نوع من دولة فلسطينية منزوعة السلاح.
ومعلوم أن نتانياهو يعتمد في بقاء حكومته على حزبي «إسرائيل بيتنا» (للقادمين الروس الجدد)، وله 15 مقعدا في الكنيست، ويتزعمه المتطرف افيغدور ليرمان الذي غدا وزيرا لخارجية إسرائيل، كما على حزب «شاس»، وله 11 مقعدا في الكنيست، وهو حزب يميني ديني متطرف لليهود الشرقيين، يقوده ايلي يشاي، ويخضع لتوجيهات زعيمه الروحي الحاخام عوفاديا يوسيف. وكان نتانياهو رفض تشكيل حكومة وحدة وطنية تضمه إلى جانب حزبي كاديما (وله 28 مقعدا في الكنيست) والعمل (وله 13 مقعدا في الكنيست) بسبب رفض نتانياهو التساوق مع حل الدولتين، وهو الشرط الذي اقترحته تسيبي ليفني زعيمة كاديما لقيام هكذا حكومة في حينه، بينما قبل حزب العمل بزعامة باراك الانخراط في هذه الحكومة اليمينية المتطرفة. أما لماذا نطق نتانياهو بكلمة الدولة الفلسطينية الآن، في حين رفض أن ينطقها أمام ليفني فالجواب (يقول ناحوم برنياع ساخرا) «بالطبع، هو اوباما..نتانياهو كان سيرد على هذا السؤال بطريقة أخرى: هذه هي الحقيقة. اخترت قول الحقيقة.» («يديعوت أحرونوت»15/6)
أما الرسالة التي وجهها نتانياهو لأوباما، ولأركان الإدارة الأميركية، فمفادها أن الخطر الأساس الذي يواجه إسرائيل والمنطقة والعالم إنما هو التقاء الإسلام مع السلاح النووي، وأن الأولوية يجب أن تتجه لبذل مزيد من الجهود للحؤول دون امتلاك إيران لأسلحة نووية. وفي موضوع التسوية عاد نتانياهو ليؤكد لإدارة أوباما بأن الاحتلال ليس مصدر التوتر في المنطقة، وإنما هو عنف الفلسطينيين ضد إسرائيل، أي مقاومتهم للاحتلال (!) وهي مقولة كانت تبنتها إدارة بوش المنصرفة، وتراجعت الإدارة الأميركية الحالية عنها (كما ظهر في خطاب اوباما في القاهرة) لصالح الربط بين قضايا المنطقة، ولصالح اعتبار أن حل القضية الفلسطينية له أولوية على حل الأزمات والمشكلات الإقليمية الأخرى (مواجهة التطرف والإرهاب والحد من نفوذ إيران الإقليمي)، باعتباره مدخلا وممهدا ضروريا لمعالجة هذه الأزمات. وفي هذه الرسالة أصر نتانياهو في رسالته للرئيس الأميركي على ضمان النمو الطبيعي للمستوطنات، بدون مصادرة أراضي وبدون مستوطنات جديدة. كما طالب نتانياهو برسالته هذه الولايات المتحدة مباشرة بنوع من الضمانات الأمنية، إن بالنسبة للحفاظ على تفوق إسرائيل عسكريا على دول المنطقة، وثمة تحليلات تتحدث عن مطالبته بدور أميركي مباشر في الترتيبات الأمنية في المنطقة.
ومعنى ذلك بأن الحوار الإسرائيلي بشأن التسوية إنما هو حوار بين الإسرائيليين أنفسهم، وأنه أيضا حوار بين الإسرائيليين من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، فلا مكان للفلسطينيين والعرب فيه.
ثمن الدولة الفلسطينية
وبالنسبة للرسالة التي وجهها نتانياهو إلى القادة الفلسطينيين والعرب فكانت تنم عن روح الغطرسة والقوة، وجاءت على شكل املاءات وشروط. ففي هذه الرسالة استعاد نتانياهو أفكاره عن يهودية إسرائيل وأولوية أمنها، وعن السلام الإقليمي والسلام الاقتصادي، قبل أي شيء، ومن دون أي التزام مسبق من إسرائيل بشأن الانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967!
هكذا فمرجعية نتانياهو في عملية التسوية كما صرح بخطابه، لا تنشأ من القرارات والقوانين الدولية، وإنما من اعتراف الآخرين بحق إسرائيل التاريخي بأرض فلسطين أو «إسرائيل» بمصطلحاته، والاعتراف بالرواية التاريخية الصهيونية لتاريخ المنطقة، ولأسباب الصراع عليها، كشرط لمنح الفلسطينيين حق إدارة أوضاعهم بأنفسهم، في مجرد دولة منزوعة السلاح!
هكذا، وفي خطاب نتانياهو، بدا الفلسطينيون، الذين يعانون الأمرين جراء الاحتلال ومصادرة الأراضي والمستوطنات ومئات الحواجز والجدار الفاصل، مع كل عمليات الاعتقال والتقتيل والتدمير والحصار التي تجري ضدهم، مسؤولون عن التنكيل الذي يحيق بهم، وعن تردي أحوالهم! فنتانياهو في خطابه لا يرى الاحتلال، ولا يعترف به، لذلك فهو لا يرى أن إسرائيل تسيطر على شعب آخر اسمه الشعب الفلسطيني. بل إن نتانياهو في خطابه هذا ذهب بعيدا إلى حد اعتبار الفلسطينيين مجرد طارئين على الزمان والمكان الفلسطيني، وأن إسرائيل إنما «كرما» و«أخلاقية» منها تمنّ عليهم بمنحهم حق الإقامة في «أرضها»التاريخية، وحق إدارة أنفسهم بأنفسهم، تنازلا منها عن «حقها»بالسيطرة عليهم!
وفي خطاب نتانياهو باتت إسرائيل المستعمِرة تشترط على الفلسطينيين، الذين هم ضحايا استعمارها وإرهابها وعنصريتها، الاعتراف ليس بها، فقط، وإنما بطابعها كدولة يهودية، أيضا، في حين أن الجدل لم يحسم بعد داخلها بشأن طبيعة هذه الدولة، ولا بشأن طبيعية من هو اليهودي، ولم يحسم الخيار بين الهويتين اليهودية والإسرائيلية، وفوق كل ذلك لم تعرف بعد حدود هذه الدولة (لا جغرافيا ولا بشريا). ويتأسس على هذا الكلام بحسب نتانياهو تخلي الفلسطينيين عن حقهم في العودة تماما ونهائيا؛ ويخشى من هذا الكلام أنه يفتح أيضا على إخراج فلسطينيي 48 من دائرة المواطنة في إسرائيل، ودفعهم للهجرة الطوعية أو الاضطرارية ربما.
والشرط الثاني للسلام في عرف نتانياهو، وغيره من الصهاينة، يتطلب الاعتراف بحق إسرائيل المطلق في الأمن، ونزع سلاح الفلسطينيين، وحرمانهم من السيادة على الجو، وتمكينها من السيطرة الأمنية على الأرض، وعدم منح الدولة الفلسطينية المفترضة والمنزوعة السلاح عقد اتفاقات عسكرية. وكأن الدولة المفترضة، التي هي دولة صغيرة ومحاصرة من كل الجهات، وتعيش على المساعدات الخارجية، تمتلك أن تهددها.
هكذا ظهرت إسرائيل في الخطاب، كما في كل الخطابات الصهيونية، بمثابة دولة وديعة ومسكينة، محاطة بمجتمع معادي، وضحية لاعتداء الفلسطينيين وعنفهم وصواريخهم (!). وفي منطق هكذا خطابات فإن من حق إسرائيل هذه من وحدها أن تفرض املاءاتها على الآخرين، وأن تفرض سلامها عليهم، بالقوة والنار والدمار.
وفي خطابه هذا تناسى نتانياهو أنه ضيع ثلاث سنوات من عمر مسيرة التسوية سدى، وأن الاستيطان وتغيير الوقائع على الأرض وتلاعبات باراك في مفاوضات كامب ديفيد، وتحويل إسرائيل لعملية التسوية إلى دوامة لانهاية لها، هي التي اضطرت الفلسطينيين للانتفاضة على هذا الواقع، وإلى اندلاع المقاومة كردة فعل على الممارسات الإسرائيلية. كما يتناسى نتانياهو أن السياسات التي انتهجها في حكومته الأولى (19961999) هي التي أدت إلى توقف مسار المفاوضات الإقليمية، وهي المفاوضات المتعددة الطرف، ومؤتمرات القمة الاقتصادية الشرق أوسطية. وفوق كل ذلك فإن نتانياهو يتناسى أن القيادة الفلسطينية قدمت كل ما عندها إزاء عملية التسوية، بقبولها بإقامة دولة فلسطينية على 22 بالمئة من أرض فلسطين التاريخية، في حين أن إسرائيل لم تفعل شيئا سوى تبديد جهود التسوية، وإضعاف صدقية القيادة الفلسطينية، وهو ما حصل.
والمعنى من ذلك أن السلام المطلوب وفق نتانياهو، ووفق المنطق الصهيوني، إنما هو مجرد سلام إسرائيل، أي أمنها، ورخاءها الاقتصادي، والتطبيع مع محيطها، لا أكثر. ويبقى أن يستنتج الفلسطينيون والعرب والعالم، كيفية التعامل مع هذه الدولة المصطنعة، التي ظلت حتى الآن كدولة مستثناة من القوانين والأعراف والمواثيق الدولية
ماجد كيالي
