على عكس كل التوقعات التي سادت حتى لحظة إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية، والتي تراوحت ما بين فوز نجاد أو موسوي أو إجراء انتخابات إعادة، انتهى المشهد الانتخابي إلى حالة مغايرة تمثلت في خروج قطاعات من الناخبين في تظاهرات واحتجاجات تعد الأكبر من نوعها منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 احتجاجاً على إعلان فوز نجاد، ما دعا البعض إلى محاولة المماهاة بينهما، على نحو يشير إلى تداعي النظام السياسي القائم في إيران، في مسعى للتأكيد، بمعنى آخر، على بوادر ثورة مضادة في مواجهة الثورة الأصيلة.
هنا قد تتعدد الاجتهادات في تفسير أبعاد هذه الاضطرابات، ما بين أبعاد داخلية وأخرى خارجية، وإن كان من الصعب في أي الأحوال نفي الترابط بين ما هو داخلي وخارجي، بمعنى أن كلاً منهما يعزز الآخر، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى أن العامل الخارجي يعد الأكثر استقلالية، وهي الخبرة التي لمسنا تطبيقات لها في عدد من دول العالم المقبلة على تحولات مجتمعية ومنها بعض الدول العربية.
مفارقات تثير التساؤل
نشير هنا إلى بعض المفارقات التي تطرح التساؤلات حول أبعاد ما يحدث على الساحة الإيرانية في الوقت الحالي، ومنها أن الانتخابات الرئاسية الحالية تعد العاشرة التي تجرى في ظل الثورة. ورغم ما أحاط بالانتخابات السابقة من جدل وصخب، وهو أمر طبيعي باعتبار أن الانتخابات بالأساس تعد عملية تنافسية، فإن الانتخابات الأخيرة تعد استثنائية على هذا الصعيد بما يجعل منها بمثابة قطيعة مع التجربة الانتخابية الإيرانية في عقود ما بعد ثورة 79، الأمر الذي قد يبدو غير منطقي حيث انها من المفترض أن تمثل تعزيزاً لمسيرة الانتخابات والديمقراطية. ويعزز هذا الافتراض ما لمسناه على صعيد عدة مجالات أبرزها زيادة الإقبال على التصويت والتي وصفت بأنها قياسية حيث بلغت 85%، هذا فضلاً عن أنها جرت في أجواء بالغة الليبرالية جعلت الكثير من المراقبين يشير إلى تسيد مظاهر ومعايير الديمقراطية الغربية. كما كانت الانتخابات الأخيرة كذلك المرة الأولى التي يتعرض فيها الرئيس لانتقادات حادة من جانب منافس له عبر شاشات التلفزيون على الهواء.
هنا فإنه مما قد يفسر هذا التحول الذي مثلته هذه الاضطرابات، سياسات الرئيس الإيراني الفائز أحمدي نجاد على مدى السنوات الأربع الماضية والتي اتسمت بقدر كبير من «الثورية الأولى» بشكل عزز حالة العداء مع بعض الأطراف في الخارج، وأوجد أعداء جدد على صعيد الداخل، رأوا في تلك السياسة عودة بالبلاد إلى أجواء لم تعد مناسبة في ظل تطورات دولية وإقليمية وداخلية عديدة.
على الصعيد الخارجي، لا يمكن إنكار أن العلاقات الإيرانية مع الغرب، وبشكل أخص الولايات المتحدة اتسمت بأكبر قدر من التوتر على مدى فترة حكم نجاد على خلفية ملفين أساسيين هما الملف النووي والموقف من إسرائيل. وقد أدى ذلك إلى قدر من الاحتكاكات والتوترات تمنت واشنطن معه لو كان بإمكانها الإطاحة بنجاد كعقبة أمام تطويع إرادة إيران للتلاقي مع أهدافها الدولية والإقليمية.
لقي ذلك الموقف انعكاساته في الداخل على صعيد الفريق الذي يوصف بالإصلاحيين والذي اعتبر أن نجاد ـ حسب تصريح للمرشح المنافس موسوي ـ مصدر إذلال الشعب الإيراني، باعتبار أنه صرف الجانب الأكبر من حكمه في الصراع مع الخارج، الأمر الذي ألقى بتأثيرات سلبية على الاقتصاد الإيراني، وجعل البلاد في حالة عداء بالغ مع قطاع كبير من دول العالم الغربي بل والنظام الدولي انعكست في مجموعة قرارات أممية بفرض عقوبات على طهران.
آمال كبرى
على هذه الخلفية باتت الآمال مهيأة لإمكانية حدوث تغير حاد في نهج إيران إذا ما نجح رموز التيار الإصلاحي، ويمثلهم بقدر كبير مير حسين موسوي، بشكل يمكن معه التأريخ لمسار جديد للثورة في إيران أو ثورة مضادة من داخل الثورة الأم، ومن هنا يمكن فهم حجم الصدمة التي أصابت أصحاب هذه الآمال إثر الإعلان عن فوز نجاد بالشكل الذي انعكس في ردة فعل اتسمت بقدر من العنف.
وإذا كنا نحاول في هذه السطور تناول الأمر بحياد، فإننا في ذلك نطرح بعض الافتراضات في حدود ما جرى نشره والكشف عنه، حتى الآن بشأن مسار الأحداث في إيران. والفرضية الرئيسية التي نطرحها في هذا الخصوص وأشرنا إليها في مقدمة الموضوع تتمثل في وجود قدر من التوافق (الضمني أو غير الضمني) بين قوى الداخل وقوى الخارج على تقويض تجربة حكم الرئيس أحمدي نجاد، وتنعكس مؤشرات هذا التوافق فيما يمكن وصفه باستقواء التيار الإصلاحي في الداخل بالقوى الدولية المعارضة لحكم نجاد في الخارج، من أجل تحقيق هذا الهدف، دون أن يعني ذلك بأي حال خلو تجربة نجاد من أية أخطاء أو سلبيات. كما انعكس هذا التوافق في مساعي إخراج سيناريو محكم يوحي باهتزاز الأرض من تحت أقدام النظام الإيراني الحالي بما يهيئ الأذهان لفكرة البناء عليه.
ومن بين المشاهد التي تثير التساؤلات في هذا الخصوص إعلان موسوي فوزه بالانتخابات قبل أن تعلن الجهة المسؤولة عن الفائز، وهو ما يجعل المرء يتساءل: على أي أساس جاء مثل هذا الإعلان؟ وحول حقيقته؟ أم أنه جاء فقط استباقاً لإعلان خسارته، بشكل يثير زوبعة تشكك في فوز منافسه نجاد؟ يجعلنا ذلك نضيف أن الإخراج الشامل للصورة التي حاولت الإيحاء بتداعي الأوضاع في إيران لم يكن موفقاً، وبدا أنه يتعمد إشعال الأوضاع على أساس واه.
ومن الإشارات الدالة على هذا التصور، التضخيم البالغ للأحداث التي جرت رغم عدم امتلاك الدلائل على صحتها، ومن ذلك الترويج لكون موسوي رهن الإقامة الجبرية وهو ما قد يشعل غضب أنصاره فيزيد من حنقهم ومستوى احتجاجهم ليقابله رد فعل عنيف من الأجهزة الأمنية فيحقق بذلك الصورة المرجوة بشأن الاضطراب البالغ للأوضاع. ومتابعة أغلب التقارير عن تطورات الموقف في إيران بعد إعلان النتائج تسير على هذه الوتيرة.. فهذه امرأة تخشى أن يكونوا قد تلاعبوا بأصوات الشعب.. ولعل الإمعان في هذا القول يكشف عن أنه لا يقدم دليلاً على التلاعب غير أنه يثير حالة من الدخان بشأن تلاعب بشكل قد يتحول معه الأمر حتى ولو كان مجرد خشية أو أكذوبة إلى حقيقة. فضلاً عن ذلك فقد روج الإعلام ـ وهو في مجمله غربي ـ لأنباء وصفها غير مؤكدة عن إحراق بنك تجاري، وهو أمر يعزز الصورة التي نشير إليها بشأن غليان الأوضاع في إيران.
روايات غير مؤكدة
وعلى هذا المنوال يمكن للمرء أن يتابع قصة ذلك الرجل الذي تعرض للضرب دون أن يفعل شيئاً لا لشيء سوى أنه يرتدي اللون الأخضر لأنصار موسوي، وقصة انخراط نساء في بكاء شديد.. دون أن ندري على ماذا يبكون؟ وقصة الرواية عن شخص يذكر أن أخاه يعرف شخصاً آخر (هكذا..) قريب من الدوائر المقربة من صنع القرار يذكر أنه طلب من محصي الأصوات التلاعب في الأرقام. هذا فضلاً عن أنه مع كل ذلك الرواج لتهمة التلاعب في الانتخابات، إلا أن أحداً لم يقدم أدلة ملموسة يمكن أن تعزز من هذه التهمة، الأمر الذي يضعف موقف مروجيها، ولم يجد البعض من دليل سوى القول بأن أوراق الاقتراع كانت مصممة لتضليل الناخبين، دون توضيح كيف تم ذلك بالضبط؟ وقد توجت تلك القصص والروايات بأخرى تعزز الهدف منها والتي تفيد أن بعض أنصار موسوي اعتلوا مع حلول ظلمة الليل أسطح البنايات في أنحاء المدينة وهتفوا قائلين «الله اكبر» في تكرار للأساليب التي انتهجتها الثورة الإسلامية عام 1979 بما قد يوحي بأن إيران مقبلة على مناخ مشابه، وهو الأسلوب ذاته الذي لجأ إليه الكثير من رموز المعارضة في عدد من دول العالم الثالث سواء كانت على حق أم غير حق بارتداء القمصان البرتقالية التي كانت رمزاً على التغيير في ثورة أوكرانيا، الأمر الذي جرى معه ابتذال هذا الأسلوب في التعبير عن المعارضة.
وعلى ذلك فإن الاضطرابات التي أعقبت الانتخابات سواء عكست تعبيراً حقيقياً عن رفض لتلاعب جرى في النتائج، أم أنها تمثل رفضاً للاحتكام لصندوق الانتخابات، تمثل انحرافاً غير طبيعي بمسار الديمقراطية في إيران. في الحالة الأولى يلام النظام القائم وفي الثانية تلام المعارضة والخاسر الحقيقي هو التجربة الديمقراطية. وإن كانت المؤشرات العديدة لا تبرئ ساحة المعارضة. ومن المتصور أن النتيجة المباشرة لهذه الاضطرابات تعزيز حالة الانقسام السياسي وتحويله من انقسام يتسم بالمشروعية إلى اضطراب يحتكم للعنف، ما يمثل انتكاسة بتطور البلاد. وقد يعزز ذلك كذلك حالة الاستقطاب الحاد داخل النظام بين الإصلاحيين والمحافظين، بشكل ينعكس بالسلب على مصالح البلاد، ويستنفذ من طاقتها الكثير.
وفي هذا الصدد فقد تكون شرعية الرئيس نجاد ورقة في يد معارضي الداخل وقوى الخارج، بما قد ينتهي بالبلاد إلى مستقبل مجهول. فلأول مرة تتشابه أهداف أطراف داخلية مع أخرى خارجية على هذا النحو وهو ما يمكن ملاحظته من تطابق التصريح الذي نسب إلى صانعي تلميذ الخميني وأحد علماء التيار الإصلاحي، مع آخر أدلي به جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، ففيما أكد الأول أن أحمدي نجاد ليس رئيساً لإيران والتعامل مع حكومته محرم شرعاً، فإن الثاني راح يشير إلى أن واشنطن تبقى مضطرة في الوقت الراهن لتقبل «زعم» طهران بفوز نجاد، وهو ما يعني أن الموقف قد يتغير في المستقبل، ما قد يمثل مدخلاً لدعم معارضة شعبية يمثلها التيار الإصلاحي للإطاحة بحكم المحافظين، وهو أمر يبقى مغامرة غير محسوبة العواقب. وقد يتشابه ذلك في جوانب كثيرة مع ذلك الموقف الذي أقدمت عليه واشنطن بالإطاحة بحكومة مصدق في الخمسينات من أجل مصالحها الخاصة، الأمر الذي أدى في نظر الكثير من الخبراء السياسيين إلى تقويض تجربة ديمقراطية كان يمكن لها حال نضوجها أن تضع إيران في مصاف الدول الديمقراطية حتى على المستوى الإقليمي.
حكمة قادة الداخل
وإذا كان الخارج لن يبالي بما قد تؤول إليه الأوضاع في إيران من أجل مصالحه فإن الأمور تتطلب تناولاً أكثر حكمة من قادة الداخل في السلطة أو المعارضة، وفي هذا الصدد، وبغض النظر عن صحة دعاوى التزوير التي يروجها موسوي، فمن حق هذا الفريق أن يقدم لهم النظام ما يطمئنهم بأن العملية تمت بنزاهة، وهو ما يعني النظر في الطعن الذي أشارت الأنباء إلى تقدم موسوي به إلى مجلس صيانة الدستور. وقد بدت حكمة النظام في إعلان خامنئي القبول بإعادة فرز الأصوات في المناطق المتنازع عليها، وفي الوقت ذاته اتجاه قادة الإصلاح وعلى رأسهم موسوي وخاتمي إلى التهدئة. من ناحية أخرى فإنه إذا كانت السنوات الماضية أشارت إلى تقدم إيران على صعيد خطواتها الديمقراطية فإن تعزيز ذلك يتم بالتعاطي مع الاختلافات بالسبل السلمية، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، الأمر الذي ينبغي أن يكون الهدف الأسمى لكل «الفرقاء» الإيرانيين.
«البيان» ـ خاص
