لم تكتسب الانتخابات الإيرانية التي جرت يوم 12 يونيو الجاري أهميتها من الأشخاص المتنافسين فيها فحسب، ولكن اكتسبتها من طبيعة القضايا المثارة فيها والتي طرحت كبرامج للمرشحين، وأيضا من القوى الاجتماعية والسياسية التي وقفت خلف كل مرشح خاصة الاثنين الرئيسيين فيها وهما الرئيس احمدي نجاد ومنافسه الرئيسي مير حسين موسوي. كذلك فان جزءا كبيرا من الأهمية اكتسبته الانتخابات من كونها كشفت عن درجة الاستقطاب السياسي والثقافي بل والاقتصادي التي تعتمل في المجتمع الإيراني، الأمر الذي جعل المراقبين يعتقدون ان نتائجها يمكن أن تبلور صورة المجتمع الإيراني خلال العقدين القادمين. وبالطبع فان ما حدث من تغيير في رأس السلطة الأميركية بمجيء الرئيس الديمقراطي باراك اوباما الذي يميل إلى التهدئة في مواجهة إيران جعل المراقبين ينظرون إلى الانتخابات الإيرانية باعتبارها ستمثل استجابة المجتمع الإيراني لهذا التحول السياسي الأميركي.
ولكن وقبل الولوج إلى النقطتين المهمتين الخاصتين بالانتخابات ونقصد بهما البرامج والقاعدة السياسية للمرشحين الرئيسيين، هناك ملاحظتان شكليتان لابد من الإشارة إليهما فيما يتعلق بهذه الانتخابات:
الملاحظة الأولى هي أن المنصب المتنافس عليه أي رئيس الجمهورية ليس إلا منصبا تنفيذيا له فقط صلاحيات رئيس الوزراء في الدول البرلمانية، ذلك أن الشخصية التنفيذية الرئيسية في النظام والمنوط بها رسم وتخطيط السياسة حسبما يقضى الدستور الإيراني تتمثل في المرشد الأعلى للثورة وهو الآن السيد علي خامنئى. كذلك فان الدستور يعطى لمجلس الشورى الإسلامي أي البرلمان صلاحيات واسعة تقيد من سلطات رئيس الجمهورية حتى وهو يمارس سلطات رئيس الوزراء، وتتمثل ابرز هذه القيود في ضرورة موافقة البرلمان على المسؤولين الذين يعينهم الرئيس كوزراء أو مسؤولين تنفيذيين كبار، وهذه السلطة هي السلاح الذي استخدمه تيار المحافظين من اجل تقليم أظافر الرئيس السابق محمد خاتمي وإعاقته عن تنفيذ برامجه الصلاحية.
ـ الملاحظة الثانية تتعلق بطبيعة المنافسة في الانتخابات، ذلك أنها مثلها مثل أي استحقاق انتخابي إيراني لم تكن بين تيارات سياسية متنافسة، بل هي منافسة بين أجنحة داخل نفس التيار السياسي المسيطر على السياسة الإيرانية منذ نجاح الثورة الإيرانية وحتى الآن، ذلك أن طريقة الترشيح والمواصفات المنصوص عليها في الدستور لمن له حق الترشيح وأيضا المؤسسات التي لها الحق في ان تسمح بالترشيح من عدمه تؤدى في النهاية إلى أن يصبح المرشحون منتمين إلى نفس التيار مع اختلاف الأجنحة. وليس غريبا وفقا لهذا الأمر أن يكون المرشحون الأربعة في هذه الانتخابات هم الرئيس الحالي، ومير حسين موسوي الذي رأس الوزراء فترة تقترب من التسع سنوات في بدايات الثورة وفى وجود أية الله الخميني، ومهدي كروبي الذي ترأس البرلمان الإيراني لأكثر من دورة فضلا عن محسن رضائي الذي تولى قيادة الحرس الثوري الإيراني.
قضايا البرامج الانتخابية
يمكن القول إن هناك قضايا متعددة سيطرت على البرامج الانتخابية للمرشحين للانتخابات الإيرانية، ولكن في مقدمة هذه القضايا ما يتعلق بالاقتصاد، خاصة البطالة التي تصل نسبتها حسب الأرقام غير الرسمية إلى 15%. وكان الرئيس احمدي نجاد قد وعد الناخبين في حملته الانتخابية عام 2005 بان يوزع عوائد النفط على السكان لكنه لم يحقق هذا الهدف خلال السنوات الأربع التي تولى فيها منصب رئيس الجمهورية، وعندما حاول ان يعوض هذا الأمر وان يقلص نسبة البطالة كان الحل الذي طرحه هو دفع البنوك إلى منح قروض للشباب من أجل تأسيس مشروعات خاصة بهم، ولكن لم تعد المصارف قادرة، بسبب تدنّي أرصدتها، أو لم تعُد تريد تسديد ديونها إلى المصرف المركزيّ: حيث ارتفعت ديون هذا الأخير (وبالتالي ديون الدولة)، بين سبتمبر 2007 وسبتمبر 2008، بنسبة 106 في المئة، وهذا الأمر يعنى ان الرئيس لم يستطع ان يقلص من نسبة البطالة.
ونظرا إلى فشل الرئيس في تنفيذ برامجه خاصة على الصعيد الاقتصادي فان منافسه الرئيسي مير حسين موسوي تبنى برنامجا سلبيا، أي انه اعتمد على توجيه انتقادات إلى الرئيس أكثر من كونه طرح برنامجا تفصيليا، وان كان لديه اتجاه عام هو عودة الدولة إلى التدخل من اجل تحسين أوضاع المواطنين. وركز موسوي حملته الانتخابية على انتقاد الرئيس نجاد ومواجهته.. وقد عرف عن موسوي عامة خلافه الكبير في السياسات الاقتصادية مع المرشد الحالي السيد علي خامنئى خلال الثمانينات، عندما كان خامنئى رئيساً للجمهورية وموسوي رئيساً للوزراء. وبالرغم من أصول موسوي العائلية الثرية كون والده من كبار تجار الشاي في إيران سابقاً فإنه كان ينظر لسياسة اقتصادية تعتمد على القطاع العام في توفير الواردات الأساسية، في الوقت الذي كان فيه رئيس الجمهورية وقتها علي خامنئي وهو من أصول اجتماعية فقيرة يرى ضرورة إفساح المجال للقطاع الخاص في عملية الاستيراد. وبسبب التباين في السياسة الاقتصادية وعرقلة كل من موسوي وخامنئي للآخر، فقد تم إلغاء منصب رئيس الوزراء في أول تعديل دستوري عام 1989 وتفويض رئيس الجمهورية صلاحيات رئيس الوزراء ليصبح موسوي آخر رئيس وزراء في تاريخ جمهورية إيران الإسلامية. كانت إدارة موسوي ناجحة للاقتصاد الإيراني إبان الحرب العراقية الإيرانية، فأكسبته تأييداً شعبياً كبيراً. وكانت احد الأسباب القوية لترشيحه في مواجهة نجاد. ولكن بالطبع فان موسوي الذي اعتبر أن الرئيس أحمدي نجاد فشل في تحقيق وعوده الانتخابية عام 2005 الخاصة بوضع إيرادات النفط على موائد الإيرانيين، كما وصف إدارته الاقتصادية بالفاشلة يدرك ان تدخل الدولة في ظل الوضع الاحتكاري الذي نما منذ عهد الرئيس علي اكبر هاشمي رفسنجاني وكما شهدته إيران من نمو رأسمالية ناشئة لكنها قوية استطاعت أن تقضى على النفوذ التقليدي لقوى البازار التي تمثل البرجوازية التجارية لهو أمر ليس فقط من الصعوبة بمكان لكنه في نفس الوقت لم يكن من السهل تسويقه لدى المرشحين في مواجهة رئيس شعبوي يتسم خطابه بالبساطة وموجه بالأساس إلى القطاعات الشعبية الفقيرة والمهمشة.
أما القضية الرئيسية الثانية التي فرضت نفسها على برامج المرشحين للانتخابات الرئاسية الإيرانية فكانت هي مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وبالطبع فان هذه القضية فرضت نفسها بسبب الموقف الخارجي من البرنامج النووي الإيراني، والذي وصل إلى فرض عقوبات عليها يمكن ان تتشدد، ووصل الأمر إلى حد تهديد الولايات المتحدة بشن عملية عسكرية ضد إيران إذا لم توقف هذا البرنامج. وإذ تشابه موقف كل من موسوي ونجاد حول ضرورة امتلاك إيران التكنولوجيا النووية بما في ذلك القيام بعمليات تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، إلا أن موسوي على العكس من نجاد قال انه لا يحبذ الكلمات الرنانة في إدارة الملف وهذا القول تعريض بالطبع بموقف الرئيس نجاد وسياسته. وفيما يتعلق بالبرنامج النووي هناك ملاحظة لابد من الإشارة إليها وهى الإجماع بين المرشحين الأربعة فيما يتعلق بهذا الموضوع، باعتباره حقاً وطنياً إيرانياً يسمو فوق الاعتبارات الانتخابية.
ومن الاختلافات الرئيسية في البرامج بين المرشحين الرئيسيين أن المرشح الخاسر موسوي وعد بإعادة النظر في القوانين «الجائرة» بحق النساء الإيرانيات في حال انتخابه رئيسا. حيث قال في خطاب ألقاه أمام 1500 امرأة، موسوي أنه «سيعيد النظر في كل القوانين الجائرة والتي تشكل تمييزا بحق النساء، عبر إحالة مشاريع القوانين الملائمة على البرلمان. وهو في هذا الأمر يدرك ان البرلمان الذي يسيطر عليه المحافظون سيرفض هذه القوانين لكنه بالتالي يلقى بمسؤولية التمييز ضد النساء على التيار المحافظ الأمر الذي يعنى انه كان على النساء انتخابه من اجل تحسين أوضاعهن. كذلك دعا موسوي إلى إلغاء «الشرطة الدينية» التي تفتش على مطابقة أزياء الإيرانيين للمعايير الإسلامية. وهذان الأمران لم يطرحهما أي من المنافسين الثلاثة له، وهذا يعنى انه وان لم يكن معروفا عنه من قبل اتجاهاته الإصلاحية إلا انه تقدم للناخبين ببرنامج اصلاحي صريح وواضح وكان ذلك من اجل تنشيط التحالف الذي استطاع أن يأتي بالرئيس السابق محمد خاتمي إلى الحكم عامي 1997 و2001، والذي سمي تحالف قوس قزح.
القاعدة السياسية للمرشحين
ليس من السهولة بمكان تناول القاعدة السياسية والاجتماعية لكل من المرشحين الرئيسيين في الانتخابات الإيرانية، لأنها تمثلت في عدة انتماءات مختلفة التوجه والمشارب، ففي الوقت الذي كانت هناك توجهات اجتماعية ؟ اقتصادية، كانت هناك في نفس الوقت انتماءات اثنية وأخرى سياسية وثالثة تتعلق بالانتماء الديمجرافى للناخبين، وكان هناك التصويت المبنى حسب الجندر أي التقسيم المبنى على رجل / امرأة، وهو الأمر الذي يرجع إلى فسيفسائية المجتمع الإيراني وتنوعه على الأصعدة الاجتماعية والاثنية والجيلية.
وحسب تحليل الدكتور مصطفى اللباد المتخصص في الشأن الإيراني فان غالبية واضحة من الشرائح الاجتماعية المتوسطة والعليا في إيران حسمت خياراتها لموسوي، وذلك بسبب الكفاءة الاقتصادية والإدارية المعروفة عنه إبان رئاسته للوزراء في الفترة من عام 1981 وحتى 1989. كما أن الإخفاقات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم في السنوات الأربع الماضية بإيران على رغم توافر مداخيل النفط المرتفعة في نفس الفترة (تقدر بحوالي 250 مليار دولار)، يجعل المحصلة هزيلة للرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد. لذلك يمكن القول ببعض التبسيط بأن الشرائح الأفقر كانت الأكثر انجذاباً نحو نجاد، وسياساته الاقتصادية، ومظهره المتقشف، ومغازلته اللفظية لهذه الشرائح.
كذلك يميز سكان المدن الإيرانية الكبرى، وبالتحديد في طهران وأصفهان وتبريز، أنفسهم بسلوك تصويتي داعم للتيار الإصلاحي ورموزه، ويعود ذلك إلى تفضيلهم التقليدي لنمط معيشي يحتوى على قدر كبير من الحريات الفردية والعامة. وفى المقابل وحسب تحليل اللباد أيضا يظهر التباين الاجتماعي ـ الثقافي بين سكان المدن وسكان الريف والمحافظات النائية عند ملاحظة الميول المحافظة لسكان الريف الإيراني الذين يرون في نجاد ممثلهم الطبيعي بين المرشحين الأربعة، لأن الرئيس نجاد حرص طوال فترة رئاسته على زيارة المحافظات الإيرانية النائية والريف الإيراني. ووعياً من المرشح الإصلاحي بنقطة قوة نجاد في المحافظات النائية والريف الإيراني، فقد كثف حملاته في الأيام العشرة الأخيرة قبل الانتخابات بغرض تحييد أكبر عدد ممكن من الأصوات التي يمكن أن تصوت لنجاد. كذلك شاركت المرأة بصورة واضحة ورئيسية في حملة موسوي الانتخابية الأمر الذي يؤكد ان نسبة كبيرة من النساء صوتت لصالحه وان النساء كن من ابرز قواعده الانتخابية، ولا نستطيع ان ننكر ان موسوي الأذرى لابد وان الاذريين في معظمهم كانوا يؤيدونه، وبالطبع فان تخوف العديد من السكان من ان ينجح مرشح غير فارسي لعب دورا في دعم الرئيس نجاد ذلك انه كان الفارسي الوحيد بين المرشحين الثلاثة المنافسين له، حيث أن موسوي اذرى ورضائي بختيارى وكروبي ينتمي إلى قبيلة الـ «لور». وعلى الرغم من ان المرشحين الأربعة عارضوا أي تمييز اثني أو طائفي إلا أن هذا العامل لعب دورا في تصويت بعض القطاعات الشعبية في الانتخابات.
في مقابل التحالف الذي مثل القاعدة السياسية لموسوي فان الرئيس نجاد الذي حقق النجاح كان يجسد تحالفاً سياسياً اقتصادياً بين مؤسسة رجال الدين ومؤسسة الحرس الثوري ويعبر عن نفسه أيديولوجياً بتعبيرات متشددة، لها شعبيتها عند سكان الريف الإيراني وفقراء المدن الكبرى ولدى منتسبي مؤسسة الحرس الثوري (الباسداران) وميليشيا المتطوعين (الباسيج) وهم يعدون ببضعة ملايين. كذلك حظي نجاد أيضاً بدعم المرشد علي خامنئى، وكونه دخل السباق الرئاسي وهو في السلطة أصبح سهلاً على مناصريه استخدام إمكانيات الدولة الإيرانية في الترويج له كما اشتكى أنصار موسوي. وكانت القوة الضاربة لنجاد أصغر المرشحين الأربعة سناً والبالغ من العمر 52 عاماً، تكمن في القوة الهائلة للتحالف الذي يمثله في مفاصل الدولة الإيرانية، وهذا الأمر هو الذي امن له النجاح الساحق الذي حققه.
خالد السرجاني
