استطاع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد المدعوم من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي ممثلا للتيار المحافظ في إيران، حسم نتيجة الانتخابات الرئاسية الإيرانية العاشرة لصالحة بعد حصوله على 8,62 في المئة من الأصوات، متقدما على منافسيه مير حسين موسوي والذي حصل على 75,33 في المئة من نتائج الانتخابات التي نافس فيها أيضاً رئيس البرلمان الإيراني السابق مهدي الكروبي وقائد الحرس الثوري محسني رضائي.

ورغم وجود توقعات قوية للغاية استبقت الانتخابات حول الاحتكام إلى الإعادة من جديد لصعوبة حصول أحد المرشحين الأربعة على نسبة الحسم وهي (50 في المئة +1) إلا أن النتيجة ربما كانت مفاجأة للكثيرين لحصول نجاد على ما يتجاوز نسبة الحسم بفارق كبير ومن المرحلة الأولي للانتخابات.

وبغض النظر عما رافق إعلان نتائج الانتخابات من احتجاجات ورفض لنتائج الانتخابات واشتباكات بين أنصار موسوي وقوات الشرطة ودعوة موسوي أنصاره للخروج للشارع لاستعادة المنصب الذي سطي عليه المحافظون، وتبادل الاتهامات بين أنصار الطرفين من خروقات ومخالفات شابت العملية الانتخابية أو أعمال تزوير لإرادة الناخبين، إلا أن النتيجة أكدت استمرار الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في قيادة السلطة الإيرانية لمدة أربع سنوات أخري،وهو ما يعني استمرار السياسات الإيرانية التي قد يراها البعض متشددة أو يصفها البعض الآخر بأنها تصب في تحقيق المصالح الوطنية لدولة إيران. وكما يراها الإيرانيون بدليل حصول نجاد على هذه النسبة المرتفعة في الانتخابات الأخيرة.

العلاقات العربية - الإيرانية

في البداية،أكد نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير أحمد بن حلي، أن الانتخابات الإيرانية هي شأن داخلي وتمثل تعبيرا عن إرادة ورغبات الشعب الإيراني الذي يمتلك كامل الحرية في اختيار قيادته بطريقة ديمقراطية.

وحول العلاقات العربية- الإيرانية، قال بن حلي «هناك عدة قواعد لابد وأن تحكم العلاقات العربية- الإيرانية بغض النظر عمن يحكم هنا أو هناك، أولها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر أو محاولة التأثير عليه والتغيير من ثقافاته وقيمه وعقائده المذهبية، وكذلك احترام مبدأ حسن الجوار باعتبار أن العرب والإيرانيين متجاوران فلا يجوز ارتكاب ما من شأنه تهديد أمن وسلامة أو العبث باستقرار الطرف الآخر أو الاستيلاء على أرضه وثرواته وخيراته أو أن يتبع من السياسات ما من شأنه تعكير أمن المنطقة وتهديدها.

وأشار إلى أن الدول العربية لم تشكل في أي وقت مصدر تهديد للشعب الإيراني ولم تسع إلى تهديد أمنه واستقراره وأضاف ان العرب كانوا دائما يمدون يد التعاون في مختلف المجالات وعلي إيران أن تبادل العرب نفس السياسة حفاظا على أمن واستقرار ونماء المنطقة ككل.

وأضاف أن تطور العلاقات العربية- الإيرانية يتوقف على وقف إيران تدخلاتها في الشؤون الداخلية العربية ووقف تصريحاتها التي كثيرا ما توصف بالعدائية تجاه بعض الدول العربية حتى وإن عادت وتراجعت عنها ثانية وكذلك إيجاد حل عادل للجزر الإماراتية الثلاث «طنب الكبري وطنب الصغري وأم موسي» وضمان أمن الخليج العربي.

انتخابات شرسة

ومن جانبه أكد رئيس قسم الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس الدكتور محمد سعيد عبد المؤمن أن الانتخابات الإيرانية كانت من أشرس الانتخابات التي تمت في إيران منذ قيام الثورة الإسلامية وحتى الآن، وذلك لأنه كان من الواضح أن هناك تكتلا ضم هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي ومير حسين موسوي لأحداث انقلاب داخلي.

وأعرب عن اعتقاده في أن أحمدي نجاد فهم هذا الهدف ووعاه جيدا، لأنه لأول مرة في تاريخ هذه الانتخابات يتغير الشكل العام سواء من حيث نزول مرشحين مستقلين، أو من حيث استخدام شكل ليبرالي للانتخابات مثل تقديم برامج انتخابية ومشاركة النساء في الحملة الانتخابية وإعلان أسماء المعاونين والمساعدين للمرشحين في حال فوزهم في الانتخابات.

وأشار عبد المؤمن إلى أن تكتل رفسنجاني، خاتمي، موسوي حظي بتأييد النخبة الإيرانية التي ترى ضرورة عدم إعطاء الفرصة لأحمدي نجاد للحصول على فترة رئاسية ثانية.

وأوضح أن المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي أدرك وفهم أن الهدف من هذا التكتل المضاد لنجاد هو الخروج عن الأسس التي قام عليها النظام السياسي في إيران حول ولاية الفقيه، ولذلك قام بدعم أحمدي نجاد في صراعه الانتخابي ونزل المرشد الأعلى للثورة في سابقة من نوعها إلى المحافظات ليدعو لانتخاب وتأييد نجاد. وتابع «لقد لجأ مير حسين موسوي إلى النخبة في إيران والتي أعطته صوتها وهذا وضح جدا في نتيجة الانتخابات حيث أن موسوي راهن على النخبة فيما راهن نجاد على آمال وطموحات البسطاء من الشعب الإيراني».

وأضاف «أنه على هذا الأساس فاز أحمدي نجاد بفترة رئاسة ثانية في الانتخابات الرئاسية الإيرانية العاشرة، لأن جماهير الشعب الإيراني وجدت أن برنامجه خلال السنوات الأربع الماضية كان مرتبطا بالجماهير ويسعي لتوفير احتياجات المواطن البسيط وأنه لم يدخر جهدا في هذا الاتجاه».

وعن مستقبل العلاقات العربية- الإيرانية في ضوء نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة قال الدكتور محمد سعيد عبد المؤمن «قد يظن البعض أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أكثر تشددا من الآخرين وخاصة موسوي بالنسبة للعلاقات الخارجية وهذا غير صحيح».

تغيير خطاب نجاد

وأعرب عن اعتقاده بأن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد سيغير من خطابه السياسي الخارجي بعد ما تعرض له خلال الحملة الانتخابية، وأنه سيحظي بدعم من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية لفتح حوار وقنوات اتصال سواء مع دول الخليج والولايات المتحدة الأميركية.

وتابع «أن نجاد ليس بهذه الحماقة ليفقد الفرصة المتاحة أمامه حاليا لفتح اتصال مع واشنطن»، مشيرا إلى أن نجاد يمتلك ميزة غير متوافرة في المرشحين الآخرين وهي الصراحة والشفافية، في حين يتعامل الآخرون من خلال النقيض أي أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون ولو أن مير حسين موسوي فاز في الانتخابات لكان اتبع نفس الأسلوب مع الدول العربية وهو ما كان سيفقده الثقة والمصداقية في أقواله وأفعاله وكان سينظر إليه دائما بعين الريبة والشك.

وأضاف «أما بالنسبة لأحمدي نجاد فيمكن التعامل معه رغم تشدده لأنه سيكون واضحا وصريحا في تناوله للأمور ولن يكون هناك فارق بين ما يقول وما يفعل وفي إطار المناخ العام الذي يسود المنطقة وهو ما سيمكن من فتح حوار معه خاصة فيما يتعلق بقضيتي أمن الخليج والتدخل الإيراني في الشؤون العربية.

ونفي عبد المؤمن المخاوف من استغلال إسرائيل فوز نجاد في استمرار ممارسة الضغط على إيران واستخدامها كمبرر للتهرب من استحقاقات الشرعية الدولية بإقامة الدولة الفلسطينية، وقال «لا أعتقد ذلك لأن أحمدي نجاد من جانبه قدم مبادرة للحوار مع الولايات المتحدة الأميركية».

وقال «إن الرئيس الأميركي باراك أوباما من جانبه أعلن أنه سيدخل مع إيران في حوار بغض النظر عمن يفوز في الانتخابات، وإسرائيل من جانبها استجابت للضغوط الأميركية وأكدت أنها لن تقوم بعمل عسكري منفرد تجاه إيران وبالتالي فمن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة انفراجة كبيرة في العلاقات الإيرانية الأميركية ومستبعدا إقدام إسرائيل على عمل عسكري منفرد تجاه إيران».

مرحلة تحولات كبرى

أما رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور جمال عبد الجواد،فأعرب عن اعتقاده بأن العلاقات العربية- الإيرانية مرهونة بالعلاقات الإيرانية- الأميركية، وإنه إذا ما نجحت واشنطن في التوصل إلى تفاهمات مع إيران من شأنها تخفيف المخاوف العربية والإقليمية فسيكون هناك تقارب عربي إيراني متوقع.

وأشار إلى أنه بعد استمرار الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في الحكم ستظل نفس الأسئلة معلقة حول قدرة أحمدي نجاد في مسلكه الأخير حول رغبته في فتح حوار مع واشنطن، أو العودة مرة أخرى إلى السياسات التصادمية القديمة، لافتا إلى أن هذا سيحدد إلى مدي بعيد شكل وطبيعة العلاقات في المنطقة.

وحول ما إذا كان التقارب الإيراني - الأميركي ربما يأتي على عكس ما توقع وأن يكون على حساب العرب وليس في صالح العلاقات العربية -الإيرانية، قال عبد الجواد «بالفعل هناك مخاوف عربية في هذا الشأن والولايات المتحدة الأميركية تحاول طمأنة العرب بأن تصالحها مع إيران لن يكون على حسابهم ولكن كما قلنا في ظل استمرار نجاد تبقي جميع علامات الاستفهام معلقة».

ولفت إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة تحولات كبري وإذا قبلت إيران بالمصالحة مع والتقارب مع الولايات المتحدة والعرب فإن الأوضاع ستتغير بالكامل أما إذا استمرت في سياستها السابقة فإن التصعيد سيكون سيد الموقف.

وحول قراءته لنتائج الانتخابات الإيرانية وما أفرزته من أحداث ونتائج، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير صلاح فهمي «إن الانتخابات الإيرانية شأنها شأن كل المظاهر الديمقراطية التي تعتبر ليست من ثياب الأمة العربية والإسلامية ولكنها نتاج الثقافة الغربية التي تطورت على مر السنين فأنتجت الديمقراطية والتي تعد الانتخابات من أبرز صورها، فهي أمور مكتسبة عندهم في الغرب وليست إسلامية أو عربية ولذلك فالتطبيق في البلدان العربية والإسلامية يتم حسب رغبات الحكام ولديهم من المبررات والتفسيرات ما يمكنهم من تبرير أي خطأ يحدث وكم من الخطايا ترتكب باسم الديمقراطية في عالمنا الإسلامي».

وأضاف «أنه فيما يتعلق بإيران وعلي الرغم من أنها دولة إسلامية إلا أنها دولة قائمة على الأفراد وليست قائمة على المؤسسات، والديمقراطية لا تقوم على الأفراد وإنما على المؤسسات والفكر المؤسسي وهو أمر غير موجود عربيا وإسلاميا، ولهذا كانت الخلافات والاشتباكات وتبادل الاتهامات التي حدثت في أعقاب إعلان النتائج الانتخابية والتي جاءت النظرة إليها حسب التقدير الشخصي لعملية الفرز واختلاف القناعات والرؤى».

مقومات الديمقراطية

وتابع «أنه يضاف إلى ما سبق أيضاً عدم وجود تعليم كاف خاصة وأن الديمقراطية أساسها التعليم فلا يجوز أن يتم رسم جمل أو حمار ليختار الناخب فيما بينهما وإنما لابد وأن يكون هناك برامج انتخابية يختار الناخب على أساسها ويلتزم المرشح بتنفيذها أمام ناخبيه، كما أنه من مقومات الديمقراطية الوضع الاقتصادي حتى لا يتم شراء الأصوات بمبالغ نقدية وهذا كله غير موجود في البلدان العربية والإسلامية ولذلك لا توجد ديمقراطية سليمة ولا انتخابات حقيقية».

وحول مستقبل العلاقات العربية- الإيرانية في ضوء ما أفرزته النتائج الانتخابية الإيرانية الأخيرة، أشار السفير صلاح فهمي إلى أن العلاقات العربية- الإيرانية أصابها نوع من الجمود وخاصة العلاقات المصرية -الإيرانية رغم أن الإيرانيين لا يمثلون تهديدا لمصر ومصالح مصر على سبيل المثال مرتبطة بإيران أكثر من ارتباطها بإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.

وتابع «صحيح أن إيران وتحتل الجزر الإماراتية الثلاث» طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى»، وسبق وأن تبنت تصريحات عدائية تجاه البحرين، إلا أنني أتصور في ضوء الانتخابات الجديدة أن العلاقات العربية- الإيرانية ستتحسن نظرا للتطور الحادث بين الولايات المتحدة وإيران ورغبة واشنطن في إيجاد قواسم مشتركة مع إيران وهو مؤشر جيد على إمكانية تحسين العلاقات العربية- الإيرانية».

القاهرة ـ «البيان»