مع انتهاء العملية الانتخابية اللبنانية في دورتها الجديدة، يكون لبنان قد تخطى بنجاح جيد المرحلة الحرجة الأولى من العملية الديمقراطية الداخلية، التي طالما أثارت هواجس ومخاوف الحريصين على لبنان العربي من إمكانية اصطدامها بعوائق ميدانية على الأرض بسبب قساوتها وضراوتها من جانب، وتقارب موازين حضور وفاعلية المتنافسين في الشارع والمجتمع من جانب آخر، إضافة لحالة التنافس والتنافر التي حكمت برامج القوى والأحزاب المشاركة وكتلها الانتخابية.

ومع انتهاء المرحلة الحرجة الأولى، يبدأ العداد الزمني بالتحرك التالي لولوج المرحلة الحرجة الثانية، وهي مرحلة ربما تكون قاسية، أو على الأقل غير سلسلة أو مريحة، من أجل تشكيل حكومة توافق وطني وفقاً للدستور والنظام. حكومة لا تعيد إنتاج حالة الانقسام، بل حكومة تستطيع أن تعبر بلبنان المرحلة القادمة التي ربما ستحمل معها تحولات سياسية لا تصيب لبنان بل عموم المنطقة، وتحديداً بعد خطاب القاهرة للرئيس الأميركي باراك أوباما.

ولكن، علينا أن لا نتطير كثيراً، أو نصفق بشكل متواصل، فالخلافات السياسية بين الفرقاء اللبنانيين مازالت هي هي بالنسبة للعديد من القضايا والعناوين الهامة الداخلية على مستوى الداخل اللبناني، وعلى مستوى علاقات وتحالفات لبنان الرسمي، ولبنان القوى والأحزاب مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.

وعليه، فالبعض من المراقبين يعتقد بأن ما بعد الانتخابات لا تعني لبناناً أخر، لبناناً مختلف عن المرحلة الماضية، أو منسلخاً عنها بالتمام والكمال، بل يعتقد بأن لبنان الجديد لن يتغير كثيراً عن لبنان الماضي القريب في ظل النتائج الجديدة للعملية الانتخابية الديمقراطية.

وبالطبع فان ذلك لا يعني البتة تقزيم نجاح العملية الانتخابية اللبنانية لجهة انضباط الجميع لمسارها واحترام نتائجها. ولا يعني نفي حالة التحول الايجابي الذي حصل بالفعل على أرض الواقع وبنسبة جيدة، في تحول قد يفتح الدروب أمام إعادة بناء لبنان جديد، في سياق عملية يجب أن تتواصل ويتم من خلالها تقريب وتجسير التباينات الداخلية بين قوى الخريطة السياسية اللبنانية.

فولادة لبنان الجديد، البعيد عن التأثيرات الإقليمية والدولية الخارجية التي شكلت عاملاً هاماً في توالد الانقسامات الداخلية في الفترات الماضية، مسألة غير ممكنة بالقطع النهائي، لكن من الممكن تخفيف حدتها، والتحرر التدريجي منها، خصوصاً وأن القوى اللبنانية باتت على بينة من أمرها من حيث وزنها وحضورها في الشارع.

وفي هذا المقام، حظيت الانتخابات البرلمانية اللبنانية باهتمام دولي فريد، كما حظيت بمتابعة مشدودة «الأعصاب» من قبل الدوائر الإقليمية المحيطة، وخصوصاً من قبل إسرائيل التي اعتبرت بأن الانتخابات اللبنانية ونتائجها تعنيها مباشرة، في ظل وجود «قوى رئيسية داخل الخريطة السياسية اللبنانية ترتبط مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي بروابط قوية» وفي ظل الهلع الإسرائيلي من إمكانية «وصول حزب الله وتحالفاته لوضع مقرر في لبنان» وفق ما رددته العديد من المصادر الإسرائيلية ليل وصباح العملية الانتخابية في لبنان.

ومن هنا فان هناك تأثيرات متوقعة على مواقف العالم بأسره من الدولة اللبنانية. حيث دفعت نتائج الانتخابات بأنظار القوى الدولية للاستدارة مجدداً نحو لبنان برؤية جديدة، بانت ملامحها الأولى عبر التصريحات الأميركية الأخيرة، فضلاً عن التصريحات الفرنسية.