منذ قيامها ركّزت إسرائيل جهودها في المجال العسكري على بناء جيش صغير ومتحرك وقوي، ذراعه طويلة، ويستطيع تحقيق السيطرة بالنيران، ومدعّم بأرقى مبتكرات تكنولوجيا الإدارة والاتصالات والتوجيه، ومجهّز بأحدث ما في الترسانة العسكرية الأميركية من أسلحة، لاسيما بما يتعلق بتأمين السيطرة الجوية. وباختصار بذلت إسرائيل جهوداً متواصلة للحفاظ على تفوّقها العسكري على مجموع الدول العربية، في مجال التسلح والإدارة والمبادرة.

وطوال العقود الماضية أغدقت إسرائيل بسخاء على جيشها، ورصدت الاعتمادات المالية الكبيرة له، للأبحاث والآليات وللأفراد، كما قامت ببناء صناعة تكنولوجية ترفد هذا الجيش باحتياجاته. ونتيجة ذلك باتت إسرائيل بمثابة خامس أكبر مصدر للأسلحة في العالم (3 ـ 5 مليارات دولار سنوياً). وفوق ذلك تبوأت الصناعات العسكرية الإسرائيلية مكانة مهمة في تنمية بنية أبحاث العلوم والتكنولوجيا وتطوير عجلة الاقتصاد في إسرائيل.

ويحتل الجيش الإسرائيلي مكانة مركزية مهمة في إسرائيل، ليس في مجال الأمن فحسب وإنما في مجال السياسة، أيضاً، فثمة عديد من قادته باتوا رؤساء وزارات ووزراء. بل إن هذا الجيش يعتبر، من وجهة نظر الإسرائيليين، على خلافاتهم واختلافاتهم، بمثابة «قدس الأقداس»، ونقطة إجماع لا يمكن المساس بها، لا من اليمين ولا من اليسار ولا من المتدينين ولا من العلمانيين.

وكان وجود هذا الجيش سابقاً على قيام هذا الكيان الإسرائيلي، عبر منظمة «الهاجاناه» وغيرها، ويعود إليه الفضل الكبير في قيام إسرائيل واستمرارها وتحولها إلى قوة إقليمية عظمى. فوق ذلك فقد اضطلع الجيش الإسرائيلي بدور كبير في صناعة أسطورة «الصهر»، أي في تشكيل الإسرائيليين كمجتمع، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، وصوغ هويتهم وتنمية مشاعر الانتماء للوطن لديهم، إلى جانب الكيبوتزات والهستدروت ومؤسسات التعليم وقطاع الدولة الاقتصادي.

وإضافة إلى كل ما تقدم فقد تمتعت إسرائيل بعوامل قوة مضافة على غاية الأهمية في معادلات الصراع وموازين القوى، في المنطقة، من النواحي التالية: أولاً، احتكارها التسلح النووي. ثانياً، ضمان الولايات المتحدة لتفوقها العسكري ولأمنها واستقرارها. ثالثاً، حرص الدول الغربية على بقائها. رابعاً، واقع التشتت والضعف وارتهان الإرادة في النظام العربي. خامساً، ضعف إمكانات الشعب الفلسطيني، في مواجهة إسرائيل، بحكم تشتته في مناطق اللجوء، وبحكم قيود السيطرة الإسرائيلية عليه، في الأراضي المحتلة.

لكن إسرائيل هذه، على رغم كل ذلك تعاني قلقاً وجودياً، فهي دولة قوية بالمعايير العسكرية، إلا أنها تعاني من اختلال كبير في عديد من عوامل القوة الجيو سياسية، من صغر مساحتها وقلة عدد سكانها، وندرة مواردها الطبيعية، كما تعاني من نقص فادح في العمق التاريخي والثقافي في المنطقة.

ولعل هذا القلق الوجودي المزمن، والخوف من المستقبل، يفسر إصرار إسرائيل على ضمان تفوقها العسكري في المنطقة، واحتكارها التسلح النووي، والحفاظ على صورتها الردعية. ويفسر كيف أن إسرائيل التي قامت بالحرب تسعى باستمرار للحفاظ على لياقتها الحربية، لكأنها تعيش بين مناورة عسكرية وأخرى وحرب وأخرى.